الانتفاضة السورية خارج السياق داخل التاريخ

بحثٌ في الديناميّة الناظمة لإستراتيجيّات نظام الاستبداد في سورية لمواجهة الانتفاضة الشعبيّة

 مقدّمة

لطالما عانى السوريّون خلال دراستهم الإعداديّة والثانويّة من سماجةِ كتب التربية القوميّة، أكثر ما يشرح هذه السماجة هو ذلك الاستهلال الإنشائيُّ المبتذَل الذي يتغنّى بالمكانة الإستراتيجيّة لسورية، وبحضورها التاريخيِّ و بإسهامها في تلوين الثقافة الإنسانيّة بالعقائد الإثنيّة والدينيّة. ولكن، مع انفجار الانتفاضة الشعبيّة في سورية تحوّلت هذه السماجةُ الإنشائيّة إلى واقعٍ أسودَ يطبق على سورية، فقد تمكّن النظامُ السوريُّ من استغلال هذه الميّزات لإعادة إنتاج الكيان السوريِّ وتحويله إلى قنبلةٍ موقوتةٍ يطبق على صاعقها.

لا بدَّ لنا إذاً من مراجعة ذلك الاستهلال الإنشائيِّ ودراسته بدقّة، فلماذا اختلف مسارُ الانتفاضة السوريّة عن مسارات باقي انتفاضات ما بات يُعرفُ اليوم بالربيع العربيّ؟ ما هي تلك الإستراتيجيّات التي اتّبعها نظامُ الاستبداد في سورية ليثبتَ أنّها ليست تونس وليست مصر وليست ليبيا وليست اليمن؟ هل يمكن أن تقتصرَ هذه الإستراتيجيّات على العنف الأعمى والدعم والغطاءاتِ السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة الروسيّة والإيرانيّة لهذ العنف؟ لماذا لم تنجح هكذا إستراتيجيّات في بلدانٍ أخرى بينما تنجح في سورية؟ هل يُعقل أنّ الغربَ و القوى الدوليّة الداعمة للانتفاضةِ كلّها غير قادرةٍ على إيجاد منفذٍ أو تسويةٍ لنزع هذه الغطاءات؟ في زحمة هذه الأسئلة المتشابكة، لا بدَّ لنا من تفحّص أسئلتنا، فالسؤال الصحيح نصف الجواب، لذلك أرى أنّه لا بدَّ لنا من التساؤل، هل يعتمد بقاءُ النظام على الإستراتيجيّات التي اتّبعها وغطاءاتها أم أنّ هنالك سبباً آخرَ؟..

أهداف البحث

سأحاولُ عبر هذا البحث الإجابة عن هذا السؤال والتعريف بذلك السبب عبرَ مقاربة المسألة السوريّة من منظورٍ تاريخيٍّ جيوسياسيٍّ بالاعتماد على مصطلح الشرق الأوسط، حيث سأعملُ على دراسة مكانة سورية وفقاً لأبعادِ ودلالات هذا المصطلح، والبرهنة على أنَّ حضورَ سورية كبؤرةٍ شرق أوسطيّة يشكّل الديناميّةَ الأساسيّة التي تعمل على نظم وترميم إستراتيجيّات النظام السوريِّ في دحر الانتفاضة، هذه الإستراتيجياتُ التي يكلّلها الغباءُ والهمجيّة والعجرفة، والتي ما كان من الممكن أن تسمحَ ببقاء النظام كلَّ هذا الوقت دون وجود هذه الديناميّة التي بلورتها الهندسةُ الاجتماعيّة والسياساتُ الخارجيّة التي مارسها نظام حافظ الأسد وابنه على مدى أربعة عقودٍ، والتي تحوّلت إلى ما يشبه الروح التي تسكن الكيانَ السوريّ، تلعنه وتمنع أبناءه من إعادة إنتاجه بناءً على مصالحهم ورغباتهم. بمفرداتٍ أخرى، إنّه بحثٌ عن السبب الذي تحوّلَ بموجبه هتافٌ فظٌ لا يراعي “حراماً” أو “عيباً” كهتاف “يلعن روحك يا حافظ” إلى هتافٍ شعبيٍّ هادرٍ!

الشرق الأوسط، المفهوم والمنظومة

تمَّ تفعيلُ مصطلح الشرق الأوسط سياسيّاً من قبل الإمبراطوريّتين البريطانيّة والأمريكيّة منذ بدايات الحرب العالميّةِ الثانية، وقد اختلفت التعريفاتُ التي تناولته على عدد وهويّة البلدان التي يضمّها، ولكنّها تقاطعت بمعظمها على اعتباره يمتدُّ من إيران شمالاً إلى اليمن جنوباً ومن باكستان شرقاً إلى مصرَ غرباً.

البعد الإستراتيجيُّ للمصطلح لا يدلّلُ هذا الاختلافُ في تعيين جغرافيا المصطلح إلّا على العمق الجيوسياسيِّ والإستراتيجيّ للمفهوم. حيث يبدو أنَّ هذا المصطلح قد نشأ لاستيعاب وتأطير الرؤيةِ الغربيّة للهيمنة على المنطقة ذات الموقع الإستراتيجيّ الاستئنائيِّ، والسيطرة على طاقاتها النفطيّةِ المكتشَفة وممرّاتها المائيّة والحفاظ على مصالحها التاريخيّة فيها بعد انتفاءِ قدرتها على الاستمرار بالشكل الاستعماريِّ التقليديّ. هذا وتشتمل مجموعة المحطّاتِ التاريخيّة، التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية، والتي شهدت فيها المنطقة تدخّلاً استعماريّاً مباشراً، على الحفاظ على معمار الشرق الأوسطِ وتكريسه بالمعنى الإستراتيجيِّ للكلمة، فالمصادقةُ الغربيّة على ولادة إسرائيل يمكن أن تندرجَ في إطار إشادة عمودِ الأساس لهذه الرؤية، ومبدأ إيزنهاور نشأ كردٍّ على الاختراق الناصريِّ الذي كان في صميمه تهديداً لكلِّ المشاريع الاستعماريّة في المنطقة، والتي شكّل مصطلحُ الشرق الأوسط مفهوماً مفتاحيّاً في سياساتها آنذاك. وقد توالت هذه التدخّلاتُ الاستعماريّة، سواء بشكلٍ ناعمٍ أو مباشرٍ، حتى وقتنا هذا من حرب 67 إلى طرد المقاومة الفلسطينيّة من الأردن والحرب الأهليّة في لبنان واجتياح بيروت إلى عاصفةِ الصحراء وغزو أفغانستان والعراق.

هذا وقد تبلور مصطلحُ الشرق الأوسط كشكلٍ من أشكال الاستمراريّة التاريخيّة للمسألة الشرقيّة، حيث يرى الدكتور القروي  1 أنَّ المقاربة الأمريكيّة للمفهوم تختلف عن المقاربة البريطانيّة، فلا يركّزُ “الأميركيّون .. على عناصرالتجانس بقدر تركيزهم على عناصر التنافر”2 فهم يتوقّعون من هذه المنطقة المشاكل “وهذا هو سببُ اهتمامهم الشديد بمسائل الأقليّات والأديان واللغات. وكلُّ ذلك الغموض الذي يحيط بالحاضر الذي هو موضع شكٍّ دائمٍ وبالمستقبل الذي لا يزال في حالة تكوين”، ويرى كارل براون3 أنّ “الشرقَ الأوسط مكوَّنٌ من أراضٍ أفرو ـــ أسيويّة كانت تابعةً للأمبراطوريّة العثمانيّة، وهو ما يمنح المنطقة هويّةً لا تتحدّد بمعايير المصالح الخارجيّة بل بمعاييرَ محليّةٍ تؤكّد بشكلٍ خاصٍّ على قاسمٍ مشتركٍ يتمثّل في تقاسم ثقافةٍ سياسيّةٍ واحدةٍ لعدّة قرون”.

ويرى براون أنّ المنظومةَ الشرق أوسطية “هي النظامُ التحتيُّ للعلاقات الدوليّة الأكثر اختراقاً في العالم حاليّاً” ويشرح براون مقولةَ النظام المخترَق بأنّه ذلك النظام الذي “لا أمكن للمتحدّي الخارجيِّ أن يستوعبه بنجاعةٍ ولا هو أطلقه محرّراً إياه من حضنه الخانق”. يسترسل الدكتور هشام القروي 4 في شرح هذا التعريف فيقول “إنّ العلاقاتِ بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط لا يمكن أن تفلتَ من الشكل نفسه، أي إنّ المواجهة قائمةٌ في طبيعة هذه العلاقات وكذلك في بنيتها”. وكذلك يرى أنّ الدولَ التي تتشكّل منها هذه المنظومة لا يمكن أن تبني أيَّ شيءٍ متينٍ، فهذا المعمار لا يسمح بذلك، ولا يمكن أن يتفعّلَ داخله أيُّ شيءٍ إلا ضمن مدى متوسطٍ وقصيرٍ، والسياسات المستقبليّة يجب أن تبقى غامضةً مضطربةً وغائبةً، والنظم الحاكمة لبلدان الشرق الأوسط ينبغي ألا تتمكّنَ من إرساء دولٍ متينةٍ ومجتمعاتٍ مستقرّة.

النظام السوريّ كبؤرةٍ شرق أوسطيّة..مقاربة بنيويّة لسياسات النظام

في حواره الهامّ والمنسيِّ 5 يرى محمود صادق أنّ النظامَ السوريَّ نشأ كنظامٍ دولتيٍّ مرسملٍ وكولونيالي، و”أنّ هذا النوع من الأنظمةِ يمتلك في بنيته شروطَ إعادة إنتاج نفسه ما دامت الرأسماليّةُ الدوليّة بحاجةٍ إليه، ومادامت آليّاتُ إعادة إنتاجه موجودةً خارجه بصورةٍ أساسيّةٍ، وخاضعةً لاعتباراتٍ سياسيّةٍ بالدرجة الأولى”. ويقول إنّ “هذا النظام يوازن نفسه بقوّة السياسة، ويعيد إنتاج نفسه داخليّاً وخارجيّاً بفضلها أيضاً، بينما دور القوانين الاقتصاديّة الرأسماليّة فيه دورٌ ثانويٌّ مساعدٌ”. ويرى صادق أنّه نظراً “لمعرفته بأهميّة الخارج في إعادة إنتاجه، تهدف سياسة النظام السوريِّ إلى وضعه في مركز التوازنات والتجاذبات العالميّة في منطقتنا. لهذا فإنّ سياسته حيالَ العالم لا تقوم على أسسٍ إستراتيجيّةٍ يجابه بها القوى العالميّة، بل هي تقوم على أقلمة أهدافه مع الممكنات المتاحة في إطار سياساتِ وإستراتيجيّات القوى العالميّة، لذا فهي تركّز قسماً كبيراً من جهدها على رقابةِ المتغيّرات الدوليّة في منطقتنا رقابةً مباشرةً ودقيقة وأقلمة تكتيكاتها وإستراتيجيّاتها متوسّطة الأجل مع التغيّراتِ الجارية بحيث يبقى النظام في مركز التوازن الدوليِّ ويجسّد قوةً تستجيب للمصالح الخارجيّةِ في العالم العربيِّ مهما تغيّرت الأحوالُ واشتدّت الأزمات والصراعات”.

النظام السوريّ والنظام المخترَق

وإذا استرجعنا تعريفَ براون الذي أوردناه في الفقرة السابقة حول النظام المخترَق، والذي يقول فيه إنّه ذلك النظام الذي “لا أمكن للمتحدّي الخارجيّ أن يستوعبه بنجاعةٍ، ولا هو أطلقه محرّراً إياه من حضنه الخارق” وقارنّاه مع هذه المقاربة التحليليّة نجد أنّ النظام السوريَّ قد عمل على التحوّل إلى نظامٍ مخترَقٍ، وأنّه هو الذي لا يريد للمتحدّي الخارجيِّ أن يحرّره وأنّ الاقتصادَ السياسيَّ لوجوده قائمٌ على هذه السياسة، سياسة التحوّل إلى نظامٍ مخترَقٍ وقادرٍ بسبب ذلك على التحوّل إلى جزءٍ عضويٍّ ونموذجيٍّ من منظومة الشرق الأوسط. وكمثالٍ توضيحيٍّ يمكننا أن نقرأ هذه المقاربةَ التي قدّمها عبد الحليم خدّام 6 ، أحد أركان النظام سابقاً، لسياسة النظام السوريِّ حيال الجولان فيقول: “إنّ سياستنا في هذا المسألة تقومُ على إبقائها مطروحةً باستمرارٍ كعاملٍ من عوامل السلم والحرب في المنطقة، دون أن نسمحَ بجرّنا إلى أيٍّ منها، هذا يعني ببساطةٍ أنّ علينا طرح مسألة الجولان وإبقائها ساخنةً بلا انقطاع من جهة، ورفض كلِّ ما يُعرض علينا بخصوصها من جهةٍ أخرى، لأنّ طرحها سيعود علينا بأموال الدعم العربيّة بينما سيحرمنا حلّها من الحصول على هذه الموارد الهائلة التي موّلت التنمية (النظام) وسيعرّض سلطتنا لأخطارٍ داخليّةٍ وخارجيّة وخيمة. فهل نضحّي بالنظام من أجل جرفٍ صخريٍّ مثّل قبل احتلاله عبئاً ماليّاً واقتصاديّاً جسيماً على البلاد؟”.

النظام السوريّ والداخل، تحليل بنيويّ

أمّا على صعيد السياسات الداخليّة فقد اعتمد النظامُ على مجموعةٍ من السياسات التي تحافظ على الكيان السوريِّ كشكلٍ من أشكال الاستمراريّة التاريخيّة للمسألة الشرقيّة، حيث أخذ خطابُ النظام بالتحوّل تدريجيّاً “من المسألة الوطنيّة إلى المسألة الطبقيّة” 7 ، فبعد أن حاولَ الأسد اكتسابَ شرعيّةٍ داخليّةٍ عبر خطابٍ متصالحٍ مع القوى العربيّةِ والدوليّة ومنفتحٍ على رجال الدين والشرائح التجاريّة، شرع في شكلٍ من أشكال التقاسم الطائفيِّ للدولة، حيث عمل على علوَنة الجيش والأمن وزيادة أعدادِ الوحدات المتخصّصة بحماية السلطة من أعدائها الداخليّين كأجهزة المخابرات وسرايا الصراع والحرس الجمهوريّ والفرقة الرابعة فيما بعد، كما استغلَّ صراعه المسلّح مع الأخوان المسلمين في الثمانينيّات لتصفية العناصر السنيّة القياديّة من الجيش ممّن عدّهم “تربةً خصبةً لنموِّ التطرّف” وبعد حسم الصراع لصالحه عمل على إيفاد أعدادٍ ضخمةٍ من العلويّين لاستلام المفاصل الحسّاسة في الدولة في مجالات الطبِّ والهندسة واستخراج النفطِ والقطاع الزراعيّ والتعليم والعلوم الإنسانيّة 8 ، ولا يمكن القول إنّ سيرورةَ العلوَنة هذه تنطلق من علويّة النظام وإنّما تبتغي “وضع العلويّين في مواجهة مجتمعاتهم عبرَ سلسلةٍ من التدابير هدفت إلى إقناعهم باستحالة وجود روابطَ تاريخيّةٍ أو طبيعيّةٍ تشدّهم إلى أبناء وطنهم بطريقةٍ إيجابيّةٍ، كما رمت إلى ربطهم بالسلطة ربطاً يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال مواطنيّتهم أو انتمائهم إلى المجتمعَين السياسيِّ والمدنيِّ لبلادهم” لتحوّلهم إلى جزءٍ من الطبقة الدولتيّة المافيويّة. وقد تمّت تغطية هذه السيرورة بغطاءٍ إيديولوجيٍّ يتحدّث عن العلويّين كفلاحين فقراء ممّا يرشّحهم لأداء دور الحامل الطبقيّ لشعارات الوحدة والحريّة والاشتراكيّة.

ولا يقتصر الأمرُ على العلويّين، حيث يرى صادق أنّ هذا النمطَ من السلطة قد انطلق من الطبقة الوسطى الاجتماعيّة إلى الطبقة الوسطى السياسيّة التي تبلورت منها طبقة الدولة المافيويّة، بما يضمن تنامي مجتمعاتٍ أهليّةٍ مضادّةٍ قادرةٍ على تفتيت أيِّ حيويّةٍ يمكن أن يفرزها المجتمع، وعلى تحطيم صورةِ الدولة كجوهرٍ أخلاقيٍّ متعالٍ على المجتمع، عبر استخدام “الفئويّة المنفتحة على سائر الاحتمالات الأقلويّة بما فيها الطائفيّة” وأنّ هذا المسار، الذي انتقل بموجبه نظامُ الأسد من سلطة طبقةٍ اجتماعيّةٍ إلى سلطةِ طبقةٍ دولتيّةٍ و”من تعبيرٍ عن كثرةٍ مجتمعيّةٍ متنوّعةٍ إلى تعبيرٍ عن أقليّةٍ سلطويّةٍ متحكّمة، تستند (فيه) طبقة الدولة على ركائزَ أخرى غير مجتمعها، فلا تجد سوى نوعين من الركائز: أجهزتها، ولاسيّما القمعيّة والعسكريّة، وما أسميناه التكوينات ما قبل المجتمعيّة (المجتمعات الأهليّة المتمفصلة مع الهويّاتِ الإثنيّةِ والمذهبيّة والعقائديّة) التي تضمُّ كلَّ الطوائف والأقليّات المذهبيّة والإثنيّة والسياسيّة والأسريّة والعشائريّة كالطائفة العلويّة والطائفة الدرزيّة وأقسامٍ من الطائفة المسيحيّة، والأقليّات والطوائف السياسيّة كالطائفة البعثيّة والطوائف شبه البعثيّة كالشيوعيّة والقوميّة وغيرها.. “

النظام السوريُّ كاستمراريّةٍ للمسألة الشرقيّة

وبالعودة إلى تعريف الشرق الأوسط نجد أنّ النظامَ لم يسعَ إلى إطلاق سيرورةٍ جديدةٍ للاندماج الاجتماعيّ وإنّما حافظ على الاستمراريّةِ التاريخيّة للكيان السوريِّ في سياق المسألة الشرقيّة والتركة العثمانيّة، بل وعمل على شحن الكيان السوريِّ بأنواع الصراعات كلِّها وعلى تفخيخ بناه وتكريس البعد السياسيّ للفسيفسائيّة الثقافيّة التي تمتاز بها سورية. ووفقاً لمفردات براون ورؤية الإدارة الأمريكيّة للشرق الأوسط يسعنا أن نقول إنّ النظام الأسديّ قد عمل على 9 “التركيز على عناصر التنافر وشحنها سياسيّاً” وحوّل سورية إلى “بؤرة للمشاكل” يتحكّم بها ويوجّه مسارها تبعاً لاحتياجات سياساته الخارجيّة، ولم يعمل على حلِّ مسائل السلم الأهليّ، بل وعمل على استغلال “مسائل الأقليّات والأديان واللغات” لتوليد مجتمعاتٍ مضادّةٍ تساعده في تمكين سلطته. لقد عمل النظامُ تاريخيّاً، سواء على صعيد علاقته بالخارج أو الداخل، على تحويل سورية إلى بنيةٍ محكمةٍ، وخليةٍ عضويّةٍ في جسد المنظومة الشرق أوسطيّة. وسنسلّط الضوء في الفقرة اللاحقة على محاولته تحويلَ هذه الخليّة إلى بؤرةٍ شديدة العلائقيّة والمركزيّة في منظومة الشرق الأوسط، بحيث يضمن إعادة إنتاج وجوده وموقعه بالاعتماد على الجيوسياسة، ذهب سورية الرماديّ!..

مقاربة جيوسياسيّة تاريخيّة

ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتيّ، مرحلة التوازن الإستراتيجيّ مع إسرائيل نجح النظامُ في استغلال النصر الخلّبيِّ عام 1973 لتمكين مشروعيّته الثوريّة، وإطلاق عمليّة هندسةٍ اجتماعيّةٍ شاملةٍ وعميقةٍ تهدف إلى تكريس الحزب وقائده قائداً مطلَقاً للدولة والمجتمع، ولكنّه سرعان ما تلقّى ضربةً موجعةً تمثّلت في انسحاب مصر السادات من الصراع العربيِّ الإسرائيليّ وتوقيعها على اتفاقيّة كامب ديفيد، وقد تحوّلت إثر هذا الانسحاب اتفاقيّة فصل القوّات في الجولان إلى خيارٍ إستراتيجيٍّ للنظام السوريّ، فقد توقّف بموجبها الصراعُ السوريُّ الإسرائيليّ عمليّاً، وقد ادّعى النظامُ حينها أنّ هذا الخيار هو “انسحابٌ تكتيكيٌّ” يتيح له فرصة استكمال تنظيم أوراقه الداخليّة وترتيب الخارجيّة منها، بهدف الحصول على “التوازن الإستراتيجيّ”10 الذي سيمكّنه من العودة بقوّةٍ إلى حلبة الصراع مع إسرائيل، ولكن سرعان ما تحوّل هذا الادّعاء إلى أدلوجة تغطّي على التحوّلات السياسيّة والدبلوماسيّة الكثيرة والمتناقضة التي قام بها الأسد بغية تحويل سورية إلى لاعبٍ إقليميٍّ تندرج نشاطاته في مضمار تكريس المنظومة الشرق أوسطية، ليكتسبَ الشرعيّةَ الدوليّة التي أثبت التاريخ أنّها الأنجع لاستمراريّة سلطةٍ تحكم بلداً كسورية، لم يعرف الاستقرار السياسيَّ في أيٍّ من مراحله. فبعيداً عن البروباغاندا والخطوات التكتيكيّة التي اتّبعها النظام خلال الحرب الأهليّة في لبنان، نجدُ أنّ النظامَ قد عمل إستراتيجيّاً على الحفاظ على المصالح الإستراتيجيّة الغربيّة في لبنان عبر ضرب المقاومة الفلسطينيّة والتيار اليساريِّ التحرّريّ اللبنانيّ المعادي للنظام الطائفيّ وتجنّب الاحتكاك بإسرائيل، وقد كان ذلك لقاءَ الهيمنة على لبنان وتحويله إلى مزرعةٍ أسديّةٍ أخرى، والمفارقة أنّه استغلَّ علاقاته الجيّدة بالاتحاد السوفييتيّ لتمرير أجندته دون أن يعوّضها بأيِّ مكسبٍ إستراتيجيٍّ، كما عمل خلال الحربِ على إطلاق تحالفٍ هامٍّ مع نظام الثورة الإسلاميّة في إيران، تمثّل برعاية حزبِ الله وإبقاء سلاحه ونزع سلاح بقيّة الميليشيات، بعد إكسابه مشروعيّةً أخلاقيّةً عبر تمكينه من احتكار مقاومة الاحتلال الإسرائيليِّ للبنان.

التوجّه غرباً

ومع سقوط جدار برلين أدرك الأسدُ أنّ “التوازن الإستراتيجيّ” لم يعد ممكناً وأنّ لا بدَّ لسورية كي تبقى لاعباً إقليمياً من التوجّه غرباً، فساهم جيشه في عمليةِ “عاصفة الصحراء” العسكريّة التي أطلقتها الولاياتُ المتحدة لحماية نفط الخليج من مشروع صدام حسين المتطرّف والمعادي لإيران، والذي شكّل تهديداً لمنظومة الشرق الأوسط، وهو ما أكسبه رضى الولايات المتحدة، وعزّز تحالفه مع النظامِ الإيرانيِّ، وما أكسبه، في الوقت نفسه، دعماً مالياً وعلاقاتٍ واسعةً مع دول الخليج بوصفه عدوّ صدام حسين وحليف إيران القادر على الحفاظ على شعرة معاوية ما بين إيران ودول الخليج. كما حضر مؤتمرَ مدريد وخاض عدداً من المسارات التفاوضيّة مع إسرائيل، اتضح أنّه يريد لها الفشل، وأنّها ليست بالنسبة له سوى مناوراتٍ سياسيّةٍ الهدف منها “إبقاء (مسألة الجولان) مطروحة باستمرار كعاملٍ من عوامل السلم والحرب في المنطقة” 11 لإرضاء الولايات المتحدة وإعادة إنتاج حضوره في المعادلة السياسيّة الإقليميّة. لقد استطاع نظامُ الأسد عبر هذا المسار السياسيِّ والذي تختصره مقولة “إنّ الكون يحرّكه الدهاءُ الممزوج بالقسوة أكثر ممّا تحرّكه توازناتُ القوى الفعلية” 12 الانتقالَ بسورية من مجرّد خليّةٍ عضويّةٍ في جسد المنظومة الشرق أوسطيّة إلى واحدةٍ من أهمّ البؤر الشرق أوسطيّة عبر زيادة علائقيّتها، بحيث تحوّلت سورية إلى لاعبٍ إقليميٍّ قادرٍ على خلط الأوراق السياسيّة في المنطقة والتأثير على المسارات السياسيّة للعديد من القضايا المركزيّة التي تنسج هذه المنظومة.

الديناميّة الشرق أوسطيّة والانتفاضة السوريّة

لم يتمكّن بشار، وريث حافظ الأسد، من الحفاظ على إشعاع البؤرة الشرق أوسطيّة المسمّاة سورية الأسد وعلى كثافة علائقيّتها، فقد اضطّر إلى الانسحاب عسكريّاً من لبنان عام 2005، ودخل في حالةٍ من المواجهة مع الإدارة الأمريكيّة لم يتمكّن من التخلّص منها دون فقدانِ العديد من الأوراق لصالح حليفه الإيرانيِّ في لبنان والعراق. ولكنّ ذلك لم يمنع سورية من فقدان بؤريّتها في المنظومة الشرق أوسطيّة، فقد حاولت الانفتاحَ على تركيا وسعت عبر قطر إلى تحسين علاقاتها مع الغرب. لقد دخلت سورية في عهد بشار الأسد فترةً من القحط السياسيِّ، حيث انخفضت علائقيّة ومركزيّة البؤرة السوريّة، ومن ثَمّ بدأت سورية بفقدان أهم ثرواتها، السياسة. وهو ما ساهم في تآكل شرعيّتها وما اضطرّها إلى الدخول في مساراتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ قاسيةٍ شعبيّاً، وما جعلها، بالتالي، مؤهَّلة لاستلام شعلة الربيع العربيّ.

الانتفاضة الشعبيّة، إستراتيجيّة المواجهة

وما إن اندلعت الانتفاضةُ الشعبيّةُ في سورية حتى جابهها النظامُ بالعنف الأعمى المرتكز على الدعم والتغطية الروسيّة الإيرانيّة. كانت هذه إستراتيجيّته الوحيدة، وكل ما قام به عدا عن العنف لا يندرجُ إلّا في سياق التغطية على هذه الإستراتيجيّةِ وإكسابها المشروعيّة. فإستراتيجيّاته الإعلاميّة القائمة على الإنكار والتضليل ومحاولةِ النيل أخلاقياً من الانتفاضة تندرج في هذا الإطار. وإستراتيجيّاته الديبلوماسيّة القائمة على الاعتماد على حلفائه في تعطيل أيِّ مسارٍ سياسيٍّ و إفشالِ أيِّ حلٍ سلميٍّ قائمةٌ على مبدأ اكتساب المزيدِ من الوقت بهدف تصعيد العنف، فإن لم ينفع العنف فإنّ المزيد منه هو الذي سينفع. وإستراتيجيّاته السياسيّة القائمة على الادعاء بالقيام بإصلاحاتٍ سياسيّةٍ تسعى إلى التكامل مع الإستراتيجيّات الديبلوماسيّة وشرعنتها. لا تختلف هذه الإستراتيجيّةُ في متنها عمّا سلكه القذافي أو شاوشيسكو أو .. بل وقد تجاوزت في فظاعة تفاصيلها أغلبَ ما سلكه هؤلاء، ولكنّها استطاعت الاستمرار والبقاء حتّى يومنا هذا، ولا يمكن فهم ذلك إلّا من خلال فهم سورية كبؤرةٍ شرق أوسطيّة مركزيّةٍ، وأن هذه الحالة الجيوسياسيّة هي ما أكسب النظام هذه القدرة على الاستمرار، فقد استحالت إلى ديناميّة قادرةٍ على ترميم هذه الإستراتيجيّات، ورصيدٍ هائلٍ لا يفعل النظام خلال هذه المدّة إلّا استهلاكه عبر استراتيجيّاته الغبيّةِ والمتعجرفةِ والهمجيّة.

الإستراتيجيّات المضادّة

وإذا حاولنا تبيان مصائر الإستراتيجيّات المضادّة، التي كان بوسع أرباب المنظومةِ الشرق أوسطيّة اللجوء إليها لمواجهة النظامِ وداعميه، نجد أنّ أغلبَ السيناريوهات الرائجة إعلاميّاً مستحيلةُ التنفيذ بسبب تعاكسها مع المصالح الإستراتيجيّة العميقة للغرب. فالسيناريو الأوّل الذي كان يمكن للغرب أن يقوم به، والذي توقّعت جماهيرُ الميديا عن طيب نيّةٍ أنّه سيحصل؛ يتمثّل في الضغظ الديبلوماسيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ الشديد على النظام وداعميه منذ بداية الانتفاضة وخلال مرحلتها السلميّة، بالإضافة إلى العمل على دعم المعارضة وهيكلتها ومأسسة الانتفاضةِ ودعم قواها الديموقراطيّة. هذا السيناريو كان سيقودُ إلى بدء مسارٍ سياسيٍّ تشاركيٍّ في سورية ويحولها إلى نموذجٍ ناجحٍ للانتقال الديموقراطيِّ، وما يعنيه ذلك من إعادة شحن تلك العلائقيّةِ التي تمتاز بها البؤرةُ السوريّةُ بشحنةٍ مضادّةٍ إستراتيجيّاً للمنظومة الشرق أوسطيّة هدفها استمرار موجة الربيع العربيّ وامتداها إلى لبنان والأردن ودول الخليج، وخلخلة منظومة الشرق الأوسط عبر العمل على إنتاجِ مقولة العالم العربيِّ المناهضة للمصالح الغربيّة الإستراتيجيّة في المنطقة. السيناريو الثاني افترض حصولَ تدخلٍ عسكريٍّ بعد اضطرار الانتفاضة إلى اللجوء إلى المقاومة المسلَّحة، على غرار السيناريو الليبي، إلّا أنّ الناتو تدخّل في ليبيا لحماية ثرواتها النفطيّة، أمّا في سورية فتدخّله سيكون ذا كلفةٍ عاليةٍ وبهدف القضاء على ثروتها، السياسة. إنّه تدخلٌ لا جدوى منه، بل وتكاليفه باهظة جداً. حيث إنّ “المجتمعات المضادّة” التي عمل النظامُ على دعمها واعتمد عليها في تثبيت وجوده قد تلجأ إلى خيار المقاومة بمساعدة إيران، وهو ما يمكن أن يحوّل هذا التدخّل إلى كابوسٍ أكثر مرارة من الكابوس العراقيِّ من الناحية الأمنيّة، عدا عن حصوله في سياق انتفاضةٍ شعبيّةٍ، وهو ما سيحدُّ من مكتسباته الجيوسياسيّة والإستراتيجيّة، وسيمضي إستراتيجيّاً على طريق السيناريو الأوّل ولكن على مدى أطول وبكلفةٍ أضخم. السيناريو الثالث يتمثّلُ في عسكرة الانتفاضة وتأمين الغطاءات الجويّة والاستخباراتيّة اللازمة لانتصاراتها. وهو الخيارُ الذي يحمل عواقب السيناريو الأوّل كلّها، بل يزوّد سورية بمؤسسةٍ عسكريّةٍ ثوريّةٍ خاضت حرب تحريرٍ واكتسبت مشروعيّةً شعبيّةً، وهو ما يمكن أن يقودها إلى التحوّل إلى لاعبٍ إقليميٍّ متطرّفٍ يمضي إسترتيجيّاً على خطى السيناريو الأوّل وبشكلٍ أكثر حدةً وجذريّةً ليهدد أمن إسرائيل ويهدد بنية المنظومة الشرق أوسطيّة برمّتها.

السيناريو الراهن

وتخوفاً من النتائج الكارثيّة لهذه السيناريوهات على المنظومة الشرق أوسطيّة تعمل الإدارةُ الأمريكيّة على معالجة الانتفاضة السوريّة وفق محدّداتٍ عامّةٍ بهدف إدراجها في إستراتيجيّاتٍ كبرى لم تتّضح ملامحها بعد، ولا يسمح الوضعُ السياسيُّ المضطرب باتضاحها أصلاً، ولاسيّما بعد إسقاط حكم الأخوان في مصر. ويمكن اختزالُ هذه المحدّدات في تكريس ثنائيّات الهويّة المدنيّة قبالة الإسلاميّة، والسنيّة قبالة الشيعيّة، والعمل على استنزاف إيران عسكريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً وأخلاقيّاً، وكسر شوكتها في لبنان، وخلق حالةٍ من العداء الشعبيِّ في العالم العربيِّ تجاهها وشيطنتها، ووضع حدٍّ لثورات الربيع العربيّ، وخفض سقف طموحاتها عبر تعفين الانتفاضة السوريّة وتحويلها إلى صراع على الهويّات لا على الحريّات، والعمل على إنهاك سورية والقضاء على مؤسّستها العسكرية، واستنزاف روسيا سياسيّاً وأخلاقيّاً، وتقويض مواقعها في الشرق الأوسط بما يخصّب التربة لأيِّ تدخلٍ أمريكيٍّ في المنطقة، ويمحي ذاكرة المنطقة السلبيّة تجاهها بعد تجاربها الفاشلة في أفغانستان والعراق.

خاتمة

دون أن تعي ذاتها على هذا النحو بالضرورة، تحاول الانتفاضةُ الشعبيّةُ في سورية تقويضَ هذه البؤرة الشرق أوسطيّة، وهو ما يعني خلخلة عميقة لمنظومة الشرق الأوسط وللبنية الجيوسياسيّة للمنطقة. هذه الخلخلة التي تتطلّب رؤيةً سياسيّةً غربيّةً متكاملةً للتعامل مع المنطقة، وهو ما يغيب عن مراكز القرار العالميّة وما يستغرق وقتاً طويلاً. لقد قامت هذه الانتفاضة خارج السياق التاريخيِّ الدائريِّ الذي أرادته القوى العالمية الحاكمة لهذه المنظومة وكتمردٍ على هذه البنية الجيوسياسيّة المحكمة لتنهي صفحةً طويلةً من التاريخ الذي عاشته المنطقة، وتبدأ صفحةً جديدةً قد يكون عنوانها “انهيار المشرق العربي” 13 إن لم تتمكن من وعي ذاتها كانتفاضةٍ ضد الشرق أوسطيّة، وقد تتمكّن، إن امتلكت ذلك الوعي وحظيت بالقدرة على اختراق هذه المنظومة، من استكمال أضلاع “مثلث الحريّة” 14.