التبدّلات والتحوّلات في ثورة مستمرّة

يكاد يصبح التعليق على الوضع السوريّ مغامرةً غير محمودة العواقب، ليس فقط لأن الإنكار الذي بدأته سلطة الاستبداد خلال الأشهر الأولى للثورة قد دخلت فضاءه المعارضة حينما صار هناك بونٌ شاسعٌ بين خطابها وسلوكها، بالإضافة إلى ثبوت فشل توقعاتها بسرعة سقوط السلطة الحاكمة، ولكن أيضاً لأن المجتمع السوريّ لم يعد يشبه ذاك الذي بدأت الثورة تشتعل فيه في 15-3-2011.

 وفي هذه الظروف صارت الحاجة متزايدةً لسبر واسع للتغيّرات التي طالت مجتمعاً دُمّرت ثلث حاضرته، وبات ما يقارب هذه النسبة من أفراده، شيباً وشباباً وأطفالاً، منتزعين من بيئتهم المستقرة مزريين في عوالم جديدة، معظم الأحيان في ظروف شديدة الصعوبة كما في المخيمات، تكاد تكون مجهولة قبلاً لجلّهم. عداك عن الانقسامات العميقة التي تتجاوز ما يدور الحديث عنه من انقسام طائفيّ إلى حساسيات بين مدينة وريف، وإسلاميّين وعلمانيّين، وإسلاميّين وإسلاميّين، وعلمانيّين وعلمانيّين. ما يجعل من الضروري البدء بعمل توصيفيّ يسجّل أوضاع الناس وتصوّراتهم عمّا يجري قبل أن نتجرّأ على الخوض من جديد في تقييم ثورتهم ومدى حضورها أو غيابها في مختلف المناطق السوريّة.

إلا أنّ صحة ما سبق لا تنفي القدرة على مقاربة ما هو واضحٌ في وضع معقد. ففي سياق الصراع كانت هناك مراهنةٌ على أنّ الناس الذين ثاروا على نظامٍ شموليٍّ مطبق بإحكام على المجتمع، لن يرضوا باستبداد جديد. وحتى الآن تظهر هناك مؤشرات على أنها مراهنة مازال لها نصيبها من الشرعية، ولكن ليس باتجاه أهداف الثورة الأولى دائماً. فالحرية لم تعد الشاغل الأول لأناس سُلبوا أساسيات الحياة من مأوى ومأكل وأمان، ومن الطبيعي أن تستمرَّ ثورتهم في هذه الحالة للمطالبة بهذه الأولويات. إلا أن تغيّر الأولويات لا يعني تراجع ما كان في المقدمة للخلف بالضرورة، هذا إن وعت قوى الثورة هذا التغيّر وتعاملت معه استناداً إلى أفكارها المؤسّسة. هكذا نرى بعض الثوار ينتقلون للمطالبة بفكِّ الحصار عن المناطق المحاصَرة، ويعتصمون مع الأهالي منتقدين “طرفي الصراع العسكريّ”. وهو ما يزداد باطّراد مع تنامي المسافة بين الثورة وتصاعد قوة أطراف عسكريّة تناصبها العداء، وجدت في الاضطراب الحاصل فرصتها لخلق استبداد جديد. وهو ما يعني أن الأهداف الأولى أصبحت هي السلوك الذي يعتمده الثوار للمطالبة بأيٍّ من الأهداف والمطالب الجديدة.

في هذا الوضع تعمّ السوداويّة حول التحولات الممكنة على المدى المتوسط، إلا أن السوداويّة بدورها تعبّر عن تسرّعٍ، حيث لم يسبق لصراع مفتوح أن توقف عن استيلاد قوى جديدة تجيب عن حاجات متجدِّدة ومتبدِّلة. في الحالة السوريّة يمكن استشراف الجديد من خلال معرفة الخلاصات التي تولّدت عند الناس عن القوى السياسيّة والعسكريّة وسلوكيّاتها. فإذا عرفنا أنّ السلطات المتناثرة لأمراء الحرب والقوى الإسلاميّة المتطرفة خسرت الكثير من رصيدها نتيجة سلوكياتها والجور الذي عُرف عنها، وطالما أن التحالف الطائفي الداعم لسلطة الطغيان لا يستطيع، نتيجة طبيعته الطائفية وحجم التجييش الذي احتاجه لتحريض مكوناته للقتال، إلا التعامل مع المناطق التي يجتاحها كاحتلال بربريّ، يصبح بالإمكان فهم الهواجس التي تسيطر على الطرفين من نشاط قوى المدنية الثورية التي تحوّلت مع الوقت إلى قوى معارضة لكلتا السلطتين الاستبداديّتين؛ وهو ما يبرّر مدى حرصهما المشترك على ملاحقتها والتنكيل بها، الأمر الذي أصبح معلوماً أكثر مع خطف ناشطات وناشطين من مركز توثيق الانتهاكات (سميرة خليل، ورزان زيتونة، ووائل حمادة، وناظم الحمادي).

خلال الأشهر الأخيرة ظهر تنامي فهم ناشطي الثورة للظروف الجديدة التي وصلوا إليها، ولكنهم اعتمدوا على التعاطف، المعلن والمكتوم، من قبل قطاعات متزايدة من السوريين مع الأدوار الجديدة التي يحاولون القيام بها. وهي بالإضافة للإغاثة، وبشكل أكثر أهمية بكثير، توثيق الانتهاكات بحق الناس عبر مراكز تخصصيّة وعبر إعلامهم الثوري البديل. المهمة التي تُظهر استمرار اعتماد الناشطين على الرأي العام المحليّ والدوليّ كقوة ضغط وحماية، واعتنائهم بضرورة الحفاظ على مساحات الحرية التي تحققت في الصراع وتوسيعها حتى يستطيع المجتمع التدخل في تقرير مصيره، وهو الهدف الرئيسي للثورة، ويعدّ التمسك به بكلّ الأحوال والظروف القضية الأبرز كونه إن تمّ التراجع عنها انتهت الثورة، وهو الهدف المشترك لكلا خصميها.

سيحتاج الوضع السوريّ لفترة حتى تعود القوى الثوريّة للتوازن محوّلة حزمة مهامها الجديدة إلى مستوى البرنامج، وهو ما يشترط إنتاج تنظير سياسيّ مقارب للوقائع الجديدة يوضح ضرورة تحويل الأهداف الأولى للثورة إلى وسائل عمل مطلبية لتحقيق الأهداف الجديدة. وقد لا يجري ذلك عبر الشخوص أو الأدوات التنظيمية نفسها التي عرفناها حتى الآن، فمن طبيعة الحياة أن الجديد يخلق أدواته المتناسبة معه. إلا أنّ التناقض الحاصل بين الدخول الإجباريّ إلى العالم بعد كسر الحاجز الذي كانه النظام السلطانيّ الاستبداديّ، والاحتياجات الهائلة التي تولّدت عن هذا الانهيار الكبير، لن يسمح لأيِّ كان أن ينجح في إعادة اختطاف سوريا وعزلها مرة أخرى. وفي هذه الاستحالة، والتي لا تعني أننا لن نشهد مزيداً من المآسي، ومن حقيقة أنها تفضي إلى طيف واسع من الحاجات التي تتحول إلى مطالب ملحّة من قبل المجتمع السوريّ، يمكن عقد الآمال على أن من خرج من القمقم لن تستطيع سلطة أصبحت تحت وصاية حماتها المتدخلين مباشرة في القتال، ولا سلطة عمياء قادمة من الماضي، إعادته إليه.

تبقى الإشارة إلى خطرٍ يهدّد قوى الثورة المدنية، يكمن في شبكات انتفاعية كانت قد ولدت في السنوات الأخيرة قبل الثورة على أنها “مجتمع مدنيّ”، وهي في حقيقتها واجهات لصوصية لشبكات من المرتبطين مع أجهزة الأمن. فبعضها قد أظهر ليونةً بما يمتاز به من انتهازية جعلته يتعاون مع بعض القوى المدنية الثورية حين دخله الشك بأن النظام ينهار، وما أن استشعرعودة بعض القوة للسلطة الحاكمة نتيجة المدد الكبير من المقاتلين الشيعة القادمين لنصرتها، عادوا لنسج علاقتهم مع أجهزة المخابرات. وفي الوقت الذي تسعى القوى المدنية الثورية للتماهي مع الاحتياجات الجديدة للمجتمع للاستمرار في الثورة، تعمل هذه الشبكات على تحويل حالة الإحباط العامة التي تنشأ في ظروف الصراعات المشابهة إلى خطابٍ سياسيٍّ يدّعي الحياد ويلوم القوى الثورية على ما فعلته سلطة الطغيان بالضحية. ولعلّ أهمّ شروط تجاوز هذا العائق يكمن في نجاح قوى الثورة على تمييز نفسها بوضوح عن هؤلاء، وعن سلطة الاستبداد الجديدة في الوقت نفسه.