التكيّف الاقتصاديّ للنظام في مواجهة الثورة


مقدّمة

مرَّ نحو عامين ونصف العام على اندلاع الثورةِ السوريّة، ومع كلِّ يومٍ كان يمرُّ من عمرها، كان الخناقُ الماليُّ على النظام يشتدُّ ويتعاظم. إذ انخفضت الإيرادات الحكوميّة مع بداية العام 2013 بنحو 48 بالمئة عنها في عام 20101، وذلك تحت ضغط تدنّي الفوائض الاقتصاديّةِ، وتراجع الإنتاج النفطيِّ لهذا العام بنسبة 90 في المئة 2 ، كما تراجعت الإيراداتُ الضريبيّة لعام 2012 بأكثر من النصف. مع ذلك، أبدى النظامُ السوريُّ “صموداً” اقتصاديّاً لافتاً. الأمر الذي يثير زوبعةً من التساؤلات تتعلّقُ بقدرته، مع كلِّ هذا الفيض من الدمار في البنية التحتيّة ومواردِ واقتصاد الدولة، على تمويل نفقاته ومواصلة المواجهة. وليست أيّ مواجهةٍ، بل هي حربٌ ضروسٌ ممتدّةٌ على طول البلاد وعرضها، تتراوح كلفتها الشهريّة بين 1,2 و1,5 مليار دولار3 ، فمع هذا القدر من تراجع الإيرادات وتزايد النفقات، توقع الخبراء والدبلوماسيّون أن تكون الدولة السورية آيلةً، عاجلاً أم آجلاً، إلى الإفلاس والسقوط الاقتصاديِّ 4 .

هكذا، انطلق التفاؤلُ بإفلاس النظام السوريّ من تبسيطٍ كبيرٍ، اعتبر أنّ النظامَ، ومع اشتداد العقوبات الخارجيّة عليه، سيخوض الصراع وهو يقتات على الدهون التي أحاطت بجسده حتّى لحظة اندلاع الثورة. وفي صراعٍ شديد العنف، سوف يستهلك طاقاته ومدّخراته في وقتٍ ربما يتمكّن الاقتصاديّون التقنيّون من تقديره. كان ذلك ليكون وارداً، لو أنّ تمويلَ العمليّات العسكريّة اعتمد بشكلٍ حصريٍّ على احتياطيّ العملات الأجنبيّة، الذي قدّر معهد التمويل الدوليِّ تراجعه من 20 مليار دولار قبل اندلاع الثورة إلى ما يتراوح بين 2 ـــ 4 مليار دولار في مطلع 2013، وهو ما سيضع النظامَ في حالة إفلاسٍ وانهيارٍ اقتصاديٍّ حال نفاد الاحتياطيّ. الحقيقة أنّ لا أحدَ يعلم اليوم ما هو الاحتياطيّ الرسميّ ناهيكم عن الاحتياطيّ السرّيّ. وتبدو كلمة السرّ في صمود النظام هي العامل الخارجيُّ. اقتصاد حربٍ يعتمدُ على الخارج كالمساعدات الإيرانيّة العينيّة والنقديّة، فضلاً عن كثيرٍ من المساعدات الروسيّة العسكريّة التي لا يتمّ دفع ثمنها مباشرةً. الأهمّ ربّما ليس المساعدات، بل التحالفات الاقتصاديّة الجديدة. إذ طوّر النظامُ تحالفاته الضعيفة مع الدول الحليفة، وأنهى تلك التي كانت قائمةً ووطيدةً مع الدول “المتورِّطة بالدم السوريّ”.

إلى ذلك، لم يكن في مقدور الحكومة احتمالُ هذا الهبوط الحادِّ في الإيرادات، من دون تقليص الإنفاق، الذي يكاد يقتصر اليومَ على النفقات التشغيليّة لأجهزة النظام، فيما توقف الاستثمار والتوظيف بصورةٍ شبه تامّة. ومع مرور الوقت عمل النظامُ على زيادة إيراداته من جيوب المواطنين. في الوقت الذي عمل على تنمية اقتصادٍ غير رسميٍّ راح يشكّل تمويلاً ذاتيّاً لمقاتليه ولاسيّما لمليشيات “الشبّيحة”. ولم تنجح محاولاتُ قوى الثورة (الإضراب والعصيان المدنيّ) في تعطيل عمل الاقتصاد، فيما كان للعقوبات الخارجية آثارٌ متفاوتةٌ، لكنّها فشلت في إيقاف عجلة الاقتصاد السوريّ، وفي منع تدفّق الأموال، التي لم تزل تسري في عروقِ النظام.

أولاً: الإستراتيجيّة الاقتصاديّة لـ”تغيير حسابات الأسد”

فيما راهن الغربُ، بقيادة الولايات المتّحدة وأوروبا، على سياسة العقوبات الاقتصاديّة من أجل دفع النظام ببطءٍ نحو منحدر التنازلات، وتغيير حسابات رأسه وقيادته، عملت قوى الثورةِ كلَّ ما في وسعها لإسقاط النظام بوسائلَ سلميّةٍ وتجنيب البلاد تبعات الخوض في خيار الحرب المدمّرة. وكانت دعواتُ الإضراب والعصيان المدنيّ، بالإضافة للمظاهرات، أهمَّ ركائز الإستراتيجيّة الشعبيّة السلميّة لإسقاط النظام.

الإضراب والعصيان المدنيّ:

دعا إليه ناشطون سوريّون منذ بداية الثورة، سواء أكان من منظورٍ مبدئيٍّ يرفض العنفَ، ويروّج لثقافة المقاومة اللاعنفيّة كسلوكٍ إستراتيجيٍّ منظّمٍ، أم من منظورٍ براغماتيٍّ لتعزيز مشاركة السوريّين في ثورةٍ تعدّدت أشكالُ نضالها لتحقيق أهدافها. ورغم جهودها الكبيرة لم تنجح قوى الثورة في جني ثمارٍ حقيقيّةٍ من هذه الوسيلةِ النضاليّة، ربّما باستثناء ما تحقّق من توسيعِ قاعدتها الشعبيّة. ولاسيّما في الإضراب الواسع في 29 أيّار 2012، والذي جاء ردّاً على المجزرة المروِّعة التي ارتكبها النظام السوريُّ في قرية الحولة (ريف حمص). إذ حقق الإضرابُ نجاحاً لافتاً في المدن السوريّة جميعها، كما سجّل، ولأول مرّةٍ، مشاركة تجار أعرق أسواق دمشقَ، الحميديّة والحريقة ومدحت باشا.

النظامُ قابلَ الإضرابات بعنفٍ واسعٍ، وتهديدٍ لمجتمع الأعمال، فدأب على اقتحام المحالّ المغلقة في يوم الإضراب، وتحطيمِ ونهبِ محتوياتها كعقابٍ على تلبية دعوات الإضراب. ويروي أحدُ التجار عن لسان الرئيس السوريِّ بشار الأسد في لقاءٍ جمعه مع عشرين من رجال الأعمال البارزين في 8 أيّار 2012 في العاصمة دمشق: “قال إنّه كان قد سمع أنّ بعضھم كان يدعم الثورة. وقال إنّه إذا كان ذلك صحيحاً، فإنّه مستعدٌّ أن يفعلَ بالحميديّة ومدحت باشا ما كان قد فعله في بابا عمرو” 5 . كما شملت دعوات العصيان المدنيّ، التوقّفَ عن تسديد المستحقّات الماليّة للنظام. إذ امتنع السوريّون، ولاسيّما في حواضن الثورة الرئيسة التي بطشَ بها النظام، عن تسديد فواتير الكهرباء والماء والهاتف والضرائبِ، وكلِّ ما يمكن أن يشكّلَ دعماً ماليّاً للدولة.

وتصدّى النظامُ لهذا السلوك عبر مجموعةٍ من التدابير التي كانت مزيجاً من سياسات الترغيب والترهيب. على سبيل المثال، أصدرت “وزارة الكهرباء” مطلع العام 2013 تعميماً دعت فيه المشتركين إلى الاستفادةِ من القانون رقم 26 لعام 2012، و ينصُّ على “إعفاء المدينين بذممٍ ماليّةٍ ناجمةٍ عن استجرار الكهرباء من كامل الفوائد والغرامات والبدلات المترتّبة عليهم إذا بادروا إلى تسديد تلك الذممِ قبل نهاية شهر آذار الجاري”، إضافةً إلى جعل كوّات الجباية في الشركات العامّة للكهرباء تعملُ في أيّام العطل الأسبوعيّة “لإتاحة الفرصة أمام أكبر عددٍ من المواطنين للاستفادة من هذا القانون” 6 ، كذلك فعلت وزارةُ الماليّة بإعفاء المكلّفين الضريبيّين من الغرامات المترتّبة على تأخّرهم عن التسديد، قبل أن تنتقلَ إلى سياسة بيعِ ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة.

لكنّ النظامَ الذي يطبّق منذ عامين شعارَ الغاية تبرّر الوسيلة، لم يكتفِ بسلك القنوات القانونيّة لتحصيل “حقوقه” الماليّة، فالوسائل جميعها متاحةٌ ومشروعةٌ. هكذا ابتكر وسيلته الأنجع والفريدة من نوعها لدفعِ السوريّين إلى تسديدِ ما هو مترتبٌ عليهم، وباتت حواجزُ الموت المنتشرة في كلِّ أنحاء سوريا أحدَ أدوات التحصيل عبر التهديد بالاعتقال والقتل. في العديد من المدن والبلدات السوريّة وبعد اندلاع الثورة بأشهرٍ فقط، قامت قواتُ النظام بإنذار السكّان عبر مكبرات الصوت بضرورةِ أن يصطحبوا معهم آخر فاتورة كهرباء وماء وهاتف لدى مرورهم على الحواجز العسكريّة وإلا تعرّضوا للاعتقال، حتّى صارت الفاتورةُ بمنزلة الهويّة الشخصيّة في بعض المناطق. هذا الأسلوبُ طُبّق في العاصمة دمشق مؤخّراً، ففي نهاية شهر حزيران 2013، قال سوريّون أنّ عدّة حواجزَ في قلب العاصمة أوقفتهم، وأبلغتهم بضرورة إبراز الفواتير اعتباراً من بداية الشهر التالي.

العقوبات الاقتصاديّة الغربيّة

على الرغم من أنّ الهدفَ المعلَن للعقوبات الاقتصاديّة هو الضغط على النظام السياسيّ، لكنّها أحدثت ضغوطاً مباشرةً على المستوى المعيشيّ للأفراد أكثر ممّا فعلت مع النظام. إذ تحمّل الشعب السوريُّ جزءاً كبيراً من التكلفة الاقتصاديّة للعقوبات، ويُظهر تقريرٌ اقتصاديٌّ 7 أنّ 28.3 بالمئة من إجماليّ الخسائر في الناتج المحليّ حتّى مطلع العام 2013 كانت بسبب العقوبات. ووفقاً للتقرير أنتجت العقوبات 877 ألف فقيرٍ جديدٍ، وأثّرت على جميع القطاعات الاقتصاديّة، ولاسيّما التجارة الخارجيّة التي انخفضت بنسبة 93 بالمئة مع الاتحاد الأوروبيّ، و82 بالمئة مع تركيا، كما قدّر التقرير ارتفاع أسعار المشتقّات النفطيّة بسبب العقوبات بنحو 200 بالمئة، أثّرت بحدود 10 بالمئة على الاستهلاك الحقيقيّ للأسر السوريّة، ولاسيّما الشرائح الأكثر فقراً. بالتأكيد، قلّصت العقوبات الغربيّة من مواردِ النظام، ولاسيّما الموارد النفطيّة، لكن وعلى نحو عام “يبدو أنّ النظام تمكّن بنجاحٍ من تحويل اقتصاده إلى اقتصادٍ يعتمد على استمرار العنف، وھو نظامٌ لا يتأثّر بمثل ھذه الإجراءات(العقوبات الاقتصاديّة)” 8 .

ثانياً: الإستراتيجيّة الاقتصاديّة للنظام في مواجهة الثورة

في البداية، ارتكزت إستراتيجيّةُ النظامِ الاقتصاديّة في مواجهة الاحتجاجات على “رشوة” الثورة، فحاول في وقتٍ مبكّرٍ أن يكرّس صورةً تقولُ على نحوٍ ما، أنّه مستعدٌّ للتجاوب مع المطالبِ الإصلاحيّة، ولاسيّما الاقتصادية منها. بعد اندلاع الاحتجاجات بعشرة أيامٍ فقط، وفي 25 آذار بالتحديد، صدر مرسومٌ رئاسيٌّ بزيادة رواتب موظفي القطاع العامّ بمعدل 30 في المئة 9 . وهو ما كان يشير إلى تصوّرٍ مبكّرٍ لدى النظام السوريّ حول إمكانيّة أن تكون أسبابُ الاحتجاجات اقتصاديّةً وإصلاحيّةً. ما يعزّز من ذلك هو أنّ إعلان زيادة الرواتب جاء عبر مؤتمرٍ صحفيٍّ للمستشارة الرئاسيّة بثينة شعبان عقدته في 24 آذار 2011، وقد كان المؤتمر مخصّصاً للردِّ على الاحتجاجات الشعبيّة برزمة إصلاحاتٍ، بل وعودٍ بالإصلاح. حينها أعلنت شعبان عن إجراءاتٍ عمليّةٍ، انطلاقاً من ضرورة “توفير أفضل الخدمات للمواطنين، وضمان مستوىً لائقٍ وكريمٍ لحياتهم المعاشيّة وصيانة حياتهم الخاصّة وضمان حريّاتهم وكراماتهم”. وكان من بين الإجراءات الأولى، زيادةُ رواتب الموظفين الحكوميّين، والتأمين الصحيّ الشامل، وبرنامجٌ فوريٌّ لتوفير الوظائف ومراجعة شاملة للأداء الحكوميّ، كما وعدت بتأسيس آليةٍ لمكافحة الفساد. ولأنّ القيادة السوريّة تعلمُ في سرِّها أنّ اختصار مطالبِ المحتجين بالإصلاح الاقتصاديّ هو ضربٌ من الهذيان، فقد توقّعت مبكّراً أيضاً، محدوديّة تأثير التنازلات الاقتصاديّة، ما دفعها إلى الإشارةِ في المؤتمر ذاته إلى “المشروع الطائفيّ” الذي قد يستغلُّ “المطالب المحقّة” للسوريّين كستارٍ من أجل تمريره.

واستمرّت الحكومة في الشهرين التاليين بالسياسةِ الترغيبيّة نفسها (على المستوى الاقتصاديّ فحسب، أمّا على المستوى الأمنيِّ والسياسيِّ، فقد كان قمعُ المحتجّين يتصاعد). في أيّار من العام 2011، أعلنت الحكومة أنّها بصدد توظيفِ خمسين ألف موظفٍ شابٍّ في القطاع العامّ، وصدر مرسومٌ بتثبيت 174 ألف موظفٍ متعاقدين مع الحكومة10. وبمرور الأشهر، توقّفت عطاءاتُ النظام، وبدأت مسيرة هبوطِ إيرادات الدولة وارتفاع نفقاتها، ولاسيّما الحربيّة منها، وأنيطت السياسة الاقتصاديّة بمهام الحلقة الضيّقة التي تديرُ البلاد. منذ ذلك الوقت، راحت السياسة الاقتصاديّة تنسجمُ مع متطلبات الحرب الطاحنةِ التي يخوضها النظامُ. وبات هدفها الوحيد تقريباً هو تأمين الموارد من أجل تمويلِ الحرب وانتصار النظام، فكيف فعلت ذلك؟..

تحوّلات اقتصاديّة لتوفير الموارد:

لم يعد هدفُ النظام إرضاءَ السوريّين، أو تجنّبَ غضبهم. وإنّما زيادة مدّخراته الماليّة من جيوبهم. لذا، عمل خلال العامين الماضيين على رفع أسعار الموادِّ التي يضطلع بإنتاجها وزيادة الرسومِ التي تتقاضاها الدولة. وعلى سبيل المثال، بدا أنّ سياسة تسعير جديدةً للمشتقّات النفطيّة، باتت تتبعها الحكومة على ضوء تدهور سعر العملة وانخفاضِ إيراداتها. سياسةٌ تعتمد على التسعير بالدولار، ما جعل الأسعار في حالة ارتفاعٍ دائمٍ مرافقٍ لانخفاض قيمة الليرة، وهو ما يفسّر ارتفاع سعر المازوت خمس مراتٍ في غضون عامٍ واحدٍ.

وفضلاً عن تهديد السوريّين وملاحقتهم لتسديد التزاماتهم الماليّة المتأخّرة لصالحِ الدولة، برزت عقوبة “الحجز الاحتياطيّ” على الأموال المنقولةِ وغير المنقولة لعددٍ من الشخصيّات السوريّة التي غادرت البلاد وانخرطت بنشاطٍ معارضٍ، إذ تُصدر وزارةُ الماليّة بين فينةٍ وأخرى، قائمةً بأسماء شخصيّاتٍ ممّن نفّذت حجزاً احتياطيّاً على أموالهم، وذلك بتهمة “ثبوت قيامهم بتمويل المجموعاتِ الإرهابيّة في القطر، والتآمر على كيانِ الدولة وزعزعةِ استقرارها الداخليّ، والقيام بأعمالٍ تستهدف إثارة الحرب الأهليّة والاقتتال الطائفيّ” 11 .

عندما يتعلق الأمرُ بتأمين الموارد، يبدع النظامُ في ذلك. وكان أحدُ إبداعاته في حزيران 2013، إقرار زيادةٍ عامّةٍ لمدة 3 سنوات، على كلِّ أنواع الضرائب والرسوم. وذلك بإضافة نسبة 5 في المئة لمدة ثلاث سنواتٍ، تحت اسم “المساهمة الوطنيّة في إعادةِ الإعمار”.

الدعم الخارجيّ وبناء تحالفاتٍ جديدةٍ:

في اقتصاديّات الحرب، يزداد ثقلُ العامل الخارجيِّ في تمويل طرفي النزاع. بالنسبة للنظام السوريّ، فقد أعلن عدّة مرّاتٍ عن تسهيلاتٍ ائتمانيّةٍ بمليارات الدولارات من قبل إيران، آخرها بقيمة 3.6 مليار دولار12. ونتج عن ذلك احتياطيٌّ سريٌّ للعملات الأجنبيّة. كما أجرى العديد من صفقات المقايضة والمبادلاتِ التجاريّة للتخفيف من وتيرة استنفاد الاحتياطيِّ. وشهد مطلع الثورة تحسّناً لافتاً في العلاقاتِ التجاريّة مع الدول الحليفة، فارتفعت الصادراتُ السوريّة إلى العراق مشكّلةً نحو 46 في المئة من إجماليّ الصادرات إلى الدول العربيّة، وهو ما حافظ على استمرار تدفّق القطع الأجنبيِّ. كما زادت روسيا من صادراتها إلى سوريا، وبحسب جداول التجارةِ الخارجيّة السوريّة التي رصدت الفترة الواقعة بين بداية عام 2012، وشهر نيسان من العام 2013، حلّت روسيا في المرتبةِ الأولى في قائمة الدول المصدِّرة إلى سوريا، حيث استوردت سوريا منها خلال 15 شهراً بضائعَ بقيمة 88 مليار ليرةٍ.

ويمكن الوقوفُ على مدى تورط العامل الخارجيِّ في تثبيت دعائم النظام من خلال رصدِ زيادة حجم القروض الخارجيّةِ التي أبرمها النظامُ السوريّ مؤخَّراً. إذ ارتفعت المديونيّة الخارجيّة من 8 في المئة من الناتج المحليِّ الإجماليِّ في العام 2011، إلى 49 في المئة في الربع الأول من العام 201313.

يشير بي إس دوما إلى أنّ “التفاعل بين البعدين المحليّ والدوليّ في الصفقات الخاصّة بالموارد يعدّ سمةً بارزةً من سمات الاقتصاد السياسيّ للنزاعات الداخليّة”. ويضيف: “من دون تبادلٍ وصفقاتٍ بين هذين البعدين ستنحسر الحروبُ الداخليّة سريعاً” 14.

اقتصاد الحرب والتمويل الذاتيّ:

في اقتصاديّات الحرب أيضاً، يتراجع دورُ الدولة ويذوي الاقتصاد الرسميُّ مقابل توسّع اقتصادٍ غير رسميٍّ تهيمن عليه عملياتٌ غير شرعيّةٍ، وهو ما يشكّل أحد مصادر تمويل طرفي النزاع. هكذا تكيّف النظامُ والموالون له مع اقتصاد الحرب، فقام رجال الأعمال الموالون للنظام بإعانته مالياً، إذ “كانوا يدفعون للشبّيحة، وقد تحوّل بعضھم إلى التربّح من الأزمة، مستفيدين من فرصِ التھريب الجديدة”. كما أنّ “المقاتلين الموالين للنظام ضمنوا اكتفاءً ذاتياً من خلال أنشطةٍ مثل السلب والنھب، واختطاف الأشخاص مقابل الفدية، وسرقة السيّارات والتھريب. و نتيجةً لذلك، فقد بات ھناك مواردُ ھائلةٌ تحت تصرّفھم”. رجل أعمالٍ يتمتّع بصلاتٍ وثيقةٍ بالناشطين والمسؤولين الأمنيّين قال لمجموعة الأزمات الدوليّة: “لقد تنامى الفساد إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ. في حمص، كان الجنودُ يشجَّعون على الانخراط في السلب والنھب. يمكن الحصول على المال من خلال السرقةِ، وبيع غنائم الحرب أو حتّى الأسلحة. يدفع الناسُ المال مقابل إطلاق سراحھم من السجن أو كي يتمكّنوا من النجاةِ من منطقةٍ تتعرّض للھجوم. ھناك ثمنٌ لكلِّ شيء” 15.

تحجيم القطاع الخاصِّ وعودة الدولة المتدخّلة:

فيما يسعى التجارُ خلال العمليّات التجاريّة نحو أكبر ربحٍ ممكنٍ، متجاهلين أيّ أهدافٍ أخرى تتعلّق بالنظام ومؤيّديه. يسعى النظام بصورةٍ رئيسةٍ إلى تدعيم مدّخراته وحشدها في خدمة الحرب، كما يسعى إلى ضمان تأمين الحدِّ الأدنى من المعيشةِ لمؤيّديه ولمناطق نفوذه. أهدافٌ متعارضةٌ، جعلت صدام النظام مع التجّار أمراً حتميّاً.

هكذا، أمكن رؤية الحكومةِ التي طالما تحالفت وخضعت للتجارِ ومافيات المال وسوق صرف العملات، تشنُّ هجوماً شرساً على هؤلاء فتفرض غراماتٍ قاسيةً على بعضٍ منهم، وتدهم بعض أشهر محالِّ الصرافة في العاصمة دمشق لتعتقل مديريها وموظفيها وتغلقها بالشمعِ الأحمر، بل وتظهر بعض الموظفين، على التلفزيون السوريِّ ل ـــ “يعترفوا” بما اقترفت أيديهم من “سرقةٍ لقوت المواطنين”، وهي كذلك سرقةٌ لاحتياطيِّ العملات الأجنبيّة، وهو ما لن يسمحَ النظامُ بحدوثه، ولو دفعه ذلك إلى حربٍ ثانيةٍ مع التجار.

تحت ضغط تأمين متطلّباته الماليّةِ واستمرار الصراع، تتالت ممارساتُ النظام الاقتصاديّة التي سادت في حقبة “اشتراكيّة البعث”، والتي تعزّز دور الدولة التدخّليّ في مقابل قطاع خاصٍّ بات ضعيفاً ومشتّتاً. وعادت الدولة لتسيطرَ على الاقتصاد السوريّ وعمليّاته. وما عرفت سابقاً بـ “الدولة الأمنيّة”، تطوّرت اليوم وصارت “الدولة الحربيّة”. هكذا، بات النظامُ يتحكّم في سير عمل القطاع الخاصِّ، بل ويوظّفه في خدمته. ما دفع أعداداً كبيرةً من رجال الأعمال إلى مغادرة البلاد وتأسيس استثماراتٍ جديدةٍ في لبنان والأردن ومصر وبلدان أخرى. لكنَّ النظامَ تمكّن حتّى الآن، وبسبب الإجراءات التدخليّة الجديدة، من منع انهيار العملة المحليّة، والحفاظ على تدفّق المواد الأساسيّة لمناطق سيطرته ونفوذه.

خاتمة

لقد باءت جميعُ التوقّعات بإفلاس النظام وانهياره الاقتصاديّ بالفشل، فهو لم يزل قادراً على دفع رواتبِ الموظّفين وإدارة المناطق الخاضعة له. ما من شكٍّ في أنّه تأثّر على نحوٍ كبيرٍ بالعقوبات الاقتصاديّة، ونضوب الموارد، ودمار مواقع الإنتاج الزراعيّ والصناعيّ والخدميّ، لكنّه وجد سبلاً للصمود والاستمرار وتجنّب الانهيار التامّ. فيما عاد الدمارُ الاقتصاديُّ بنتائجَ كارثيّةٍ على المدنيّين لا على النظام. إذ عمل التضخّم النقديُّ خلال الثورة (يُقدَّر بنحو 300 في المئة) على إعادة توزيع الأرصدة النقديّةِ لصالح النظام عبر رفع قدرته الشرائيّة، وهو ما سمح له في الاستمرار بدفع الرواتب، بل وبإقرار زيادةٍ أخيرةٍ عليها وصلت وسطياً إلى 33 في المئة.

هكذا، فإنّ النظامَ، لم يتأثر على نحوٍ مدمّرٍ بتدنّي قيمة العملة المحليّة وتراجع عمل الاقتصاد السوريِّ، فيما انحطّت قدرات السوريّين إلى مستوىً سحيقٍ. ومع هذا الشكل من إدارة الاقتصاد، ومع هذا المستوى من التحالفات الخارجيّة المؤثّرة، لا يبدو أنّ هنالك إمكانيّةً حقيقيّةً لتحقيق الحلم الاقتصاديّ “التكنوقراطيّ” بإفلاس النظام، أو حمله على الرضوخ السياسيّ، عبر الضغوط الاقتصاديّة.


البحث ضمن الكتاب:

Download (PDF, Unknown)