التمثيل، والحريّة، والإرثُ الجمهوري

 إنّ قضيتي التمثيل والحريّة الأساسيتين هما التحدّيان اللذان يواجهاننا جميعًا. وإنّ الإرث الجمهوريّ هو الذي يقدّم إلينا اللّغةَ التي تستطيع تحديدَ هاتين المشكلتين في هيكليّةٍ مميّزةٍ ذاتِ منطقٍ ثقافيّ، ويقدّم علاوةً على ذلك ممارساتٍ ملموسةً للتغلّب على قائمةٍ محدّدةٍ من العقبات والاستعصاءات التي نواجهها حاليّاً. لكننا نحتاج، من أجل تسهيل مثل هذا التجديد، إلى استراتيجيّةٍ مختلفةٍ تمامًا، وإلى استخدامٍ مختلفٍ للتكتيكات، ونحتاج بشكلٍ خاصّ إلى نمطٍ مختلفٍ من الالتزام من طرف أعضاء الطبقات السياسيّة.

قَدّمت الجمهوريّاتيّة، بين النصف الثاني من القرنِ الثامن عشر ونهاية القرن العشرين، التحدّي الأقوى لترتيب النظام الدوليِّ في كلِّ أنحاء العالم. فقد تحدّت مبادئُها الأساسيّة عن الحريّة، المتمثّلةُ في الاستقلال والسيادة الشعبيّة، مبدأ “الشرعية” الذي تأسّس عليها النظامُ الدوليُّ؛ وتحدّت أيضًا ممارساتِ الإمبرياليّة والتوسّع والغزو التي كانت تلجأ إليها القوى المهيمنةُ بشكلٍ متكرّر داخل أوروبا وخارجها، وتحدّت أيضًا المبادئَ التأسيسيّة الداخليّة للدول نفسها. ولقد ثار جمهوريّون في كورسيكا وفرنسا وبولندا والأمريكتيْن ضدَّ حكّامهم، مستلهمين مخزونًا غنيّاً من فكر عصر الأنوار، وأسّسوا نظمًا سياسيّةً جديدةً سعت إلى تعزيزِ قدرٍ أكبر من الحريّةِ السياسيّة والمساواة السياسيّة والمواطنيّة.

كما شنَّ جمهوريون على امتداد أوروبا معركةً حاميةَ الوطيس ضدَّ النظام الإمبراطوريِّ، وأنتجوا تراثًا عصيانيّاً أنار سماءَ أوروبا على فتراتٍ منتظمةٍ خلال القرن التاسع عشر. أمّا في بقية أنحاءِ العالم، فقد استخدم النضالُ من أجل الحريّة ضدّ الاستعمار نماذجَ جمهوريّةً لإحداث تغييرٍ تقدّميّ أيضًا. يقدّم هذا الإرثُ السياسيُّ العريقُ، والمفصّلُ، والمركّب، في ممارساته الملموسة، المناهجَ والأدواتِ اللازمةَ لضخّ روح الشباب في الفضاء العامّ. وثمة أعمالٌ جديدةٌ لاستعادة نماذج من الممارسات المجتمعيّة الجمهوريّةِ التي اتُّبعتْ من أجل خلقِ جمهوريّات تتحرّى هذا الإرث عبر العالم، وتلقي الضوءَ على مجمل تكوينه من البداية صعودًا، متأمّلةً في حقيقة تاريخيّة مهمّة تفيد بأنّ الجمهوريين (أي المواطنين) هم الذين خَلقوا الجمهوريّات، لا العكس. ليست الديمقراطيّةُ والمشاركة والمواطنة هي الهدفَ هنا: فهذه المنتوجات العامّة ما هي إلا المكوّناتُ الأساسيّة والعمليّاتُ التي يمْكن من خلالها تحقيقُ الحريّة السياسيّة والحفاظُ عليها؛ أي التمثيل. فالديمقراطيّة هدفٌ، كما تتعيّن في السياسةِ اليوم، هدف قاسٍ وفارغ ولا يُلهم أحدًا، لأنها لا تقدّم إلينا أيّاً من الأمور التي نسعى إليها. بل الواقع أنّ الديمقراطيّة، كما تمارَس في الوقت الراهن، تَسْحب المنتوجاتِ العامّةَ من مواطنيها. ذلك أنّ سبب انخراط الناس في الحياةِ المدنيّة ليس من أجل انتخاب زعيمٍ يحْكمهم، وإنّما لتحديد حاضرهم ومستقبلهم السياسيّين وصياغتهما، لكي يتمكّن قادتُهم من أن يمثّلوهم، ومن أن يعرفوا بالضبط الغرضَ الذي من أجله انتُخبوا. ولقد كان جان جاك روسّو الفيلسوفَ من الاستنارة وسعةِ الخيال بحيث وضعَ تصوّرًا للآليّات الديمقراطيّة والمؤسّساتيّة الأكثر أساسيّةً ولزومًا لتحقيق الحريّة ومن ثَمّ الحفاظ عليها في النموذج الجمهوريِّ. وهذا ما شرحه بأسلوبٍ واضح المعالم في كتابه، العقد الاجتماعيّ.

تتناول لغةُ الجمهورياتيّة أنواعَ العقبات التي تواجهنا حاليّاً، وكيفيّةَ التغلّب عليها، من خلال تجديد المواطنة عبر الانخراطِ في حركةٍ شعبيّةٍ منسّقةٍ ومنظّمةٍ بشكلٍ جيّد، أيْ، باختصار، من خلال التعبئة الجماعيّة. إنها تقدّم، من خلال مبادئها وتراثها الغنيِّ في التنظيم، الممارساتِ والاستراتيجيّاتِ والتكتيكاتِ الخاصّةَ بالمشاركةِ الشعبيّة… والأهمّ أنها توضح كيفيّة تعيين القوى التي تصطفّ ضدّ أيِّ مشروعٍ لحكْمٍ تشاركيّ شعبيّ، بطريقة تتغلّب عليها.  تحديدُ المشكلة وسيلةً للتعبئة إنّ ما يهمّنا في الإرثِ الجمهوريّ إنما هو السمة الهادفة إلى مناقشةِ الخطأ وتحديده. ذلك أنّ النقد في هذا السياقِ ليس كاسحًا في تهكّمه، ولا مستلِبًا، ولا يحبِط أو يعطّل التعبئة، بل هو المسرح الأساس للتعبئة الشعبيّة. وما قد يكون واضحًا للبعض يبقى في حاجةٍ إلى التداول الجماعيّ، ومن ثَمّ التصرّف الجماعيّ – أو التصرف من قبل أكبر عددٍ ممكن. هذا التداول المشترك، جنبًا إلى جنب مع التخطيط الملموس والعمليّ، والجاري في ميدان واسع، هو ما يُفّعل محرِّك الحركة. إذ حيث يكون الهمُّ هو السياسات التشاركيّة، وحيث تكون القضايا هي قضايا العدل والمساواة والحريّةُ، تدرك الجمهورياتيّةُ ــــ في آثارها وفي أساليب عملها ووسائلها أيضًا ـــ أنّ الحل الذي يتم التوصل إليه يجب أن يكون جماعيّاً وبعمل جماعيّ؛ وبالمثل، فإنّ الجمهورياتيّة هي التي تضع كلّاً من الحريّة والسيادةِ الشعبيّة معًا هدفًا لها .

الخطوةُ الأولى للحصول على المشاركة المواطنيّة في المجال العامِّ هي وقفُ الجدالات حول طبيعةِ المشكلات التي تواجهُ السياسات المعاصرة، والاستعاضة عن ذلك بالجواب الجمهوريّ: الانخراط في ممارسةٍ تسعى إلى تحديد كيفيّةِ التغلّب على هذه المشكلات بشكلٍ جماعيّ. ووفقًا للحدِّ الأدنى من فهم السياسات التقدّميّة، فإنه لا يمْكن حلُّ مثل هذه القضايا إلا بشكلٍ جماعيٍّ، وبالتأكيد ليس من قِبل الصفوة. إنّ الانتظار المتلهّف لتقدير ضرورة أن تتغلغل التعبئة إلى المؤسّسات السياسيّة قد فشل، وسيدوم فشله، نظرًا لأنّ مكانَ هذا النقاش التنظيميّ حول السياسةِ الوطنيّةِ يجب أن يتمَّ في مكانٍ آخر، وقد بدأ للتوّ. وحدها الممارسة التي يتمُّ فيها تحديدُ طبيعة المشكلات بشكلٍ جماعيٍّ يُمكن أن تضرم نارَ التعبئة وفق مستويات تؤدّي إلى نتائجَ ملموسةٍ – وهذا أهمُّ دروس الجمهورياتيّة، وهو درسٌ نحتاج إلى إدراكه كي نستطيعَ التغلّبَ على مأزقنا الحاليّ.

المصدر: ملف الجمهورية، مجلة الآداب – إعداد يوسف فخر الدين وناريمان عامر