الوضع الفلسطينيّ من مدخل مِحنة الفلسطينييّن في سوريا


مقدمة

قادمٌ من سوريا قبل ثلاثة أشهر، حيث الثورة التي تعرّضت لواحدةٍ من أوسع عمليّات القمع الداخليّ التي عرفتها البشريّة في العصر الحديث، أوصِل سلامَ أهلِكم لكم من المخيّمات المحاصَرة ومخيّم درعا الذي أصبح أثراً بعد عين. ففي الوقت الذي أكتب فيه لكم مازال كلٌّ من مخيّم اليرموك ومخيّم خان الشيح محاصَرَين، والمعلومات المؤكَّدة القادمة منهما تقول إنّ هناك ندرةً بالمواد الغذائيّة والطبيّة تهدّد بمجاعة، وتؤدّي لاستشهاد جرحى القصف على مخيّم اليرموك لعدم القدرة على العناية بهم.

الجميع يعلم أنّ قصف النظام لمخيّم اليرموك بالمدفعيّة وقذائف الهاون، لم يتوقّف طوال سنةٍ ونصف، ليتطوّرَ إلى قصفٍ بطيران الميغ وصواريخ أرض-أرض منذ شهر كانون أوّل/ديسمبر الماضي. ففي 16 كانون أوّل الماضي قام النظامُ بقصف جامع عبد القادر الحسينيّ ومدرسة الفالوجة في مخيّم اليرموك، نجم عنه عشرات الشهداء والجرحى، وفرض على المخيّم حصاراً شاملاً إثر دخول الجيش الحرّ إلى المخيّم مساءَ اليوم نفسه، وهو ما يفنّد ادعاءات النظام السوريّ وأتباعه بأنّه يحاصر مخيّم اليرموك ويقصفه بسبب وجود الجيش الحرّ فيه؛ فالمخيّم تعرّض للقصف ولقتل أبنائه وبناته قبل أن يكون هناك تواجدٌ لمجموعاتٍ معارِضةٍ مسلّحة فيه1. وها نحن نشهد مثل ذلك في مخيّم خان الشيح، رغمَ أنّه لا مسلّحين فيه، فهو يتعرّض للحصار والقصف لأنّ السلطة تعدّ المنطقة المحيطة به منطقةً معادية، لأنّها ثائرةٌ عليها.

لا يمكن بعد كلّ ذلك أن نتجاهل أنّ اعتمادَ العقوبة الجماعيّة من قِبل السلطة الحاكمة في سوريا تُنفّذ بأشدّ أشكالها وحشيّةً.2ولكن للأسف يتمّ إنكارُ هذه الحقيقة من أطرافٍ فلسطينيّةٍ تتبع للسلطة السوريّة وتتلقّى التمويل من إيران، بل إنّ بعضها يشارك في حصار مخيّم اليرموك عبر عناصرهم المتواجدين على معبر مدخل مخيّم اليرموك مع حواجز النظام، وهو ما يشكّل إحراجاً كبيراً أمام الشعب السوريّ، ويجعلنا مهدّدين جديّاً بأن ينعكس هذا الأمر موقفاً عدائياً من عامّة السوريّين اتجاه الفلسطينيين واتجاه قضيّتهم3، رغم التفاعل الشعبيّ الفلسطينيّ السوريّ مع معاناة السوريّين إن كان على مستوى العمل الإغاثيّ، أو على صعيد الشهداء الفلسطينيّين الذين ارتقوا وهم يحاولون تمرير الخبز للعائلات السوريّة4، وتكرّس ذلك عبر الرفض الجماعيّ لمحاولات سلطة الاستبداد، ومن يتبعها من فصائل، زجّ أبناء الفلسطينيّين في معركتها مع الشعب السوريّ كشبّيحة أو جعل دمهم غطاءً على الدم السوريّ. وكلّنا شهدنا كيف انتفض مخيّم اليرموك رافضاً هذه الأدوار يوم تشييع شهداء الجولان في 06-06-2011.5

تمهيد

اعتدنا في السنوات الأخيرة عند التعامل مع الواقع الفلسطينيّ، أن نحصرَ اهتمامنا في السجال حول تفاصيله دون كثير اهتمامٍ بما يحصل في محيط فلسطين القريب والعالَم. غالباً كان ذلك انعكاساً لتعاظم أخطائنا السياسيّة، وردّاً على فشل خياراتنا، وفي محاولةٍ تبدو يائسةً لإعادة تجميع أنفسنا على برنامجٍ وسلوكٍ مختلفَين. في المقلب الآخر، من الواضح أنّ السلطة الفلسطينيّة التي نشأت عن اتفاقيّة أوسلو فشلت في كلِّ شيءٍ إلّا في تقسيمنا. يتعدّى الأمر ما درجنا على الحديث عنه من انقسامٍ سياسيٍّ بين حركتَي فتح وحماس، إلى مأسسةِ وطنيّةٍ جديدة لا تعبأ ببقيّة الفلسطينيّين خارج مشروعها السياسيّ “الوطنيّ” بمبنى ومعنى واضحٍ هو وطنيّة الضفّة والقطاع. وفقط عندما ننظر في هذا الانقسام والمدى الذي وصل إليه ومآلاته المحتمَلة، يمكن لنا أن نجيب عن ما أوصلتنا إليه اتفاقيّة أوسلو، ونطرح الأسئلة المحرِجة عن حظوظ إمكانيّة بناء مشروعٍ سياسيٍّ مختلف، منطلقين من معرفتنا بأنّ أيّ مشروعٍ يوضع لشعبٍ افتراضيٍّ لا أهميّة له، ومن السذاجة التصوّر أنّه سيتجاوز مساحة الورق الذي خُطّ عليه.

إذاً، هل مازلنا شعباً واحداً في جميع أماكن تواجدنا كما تُكرّر أدبيّاتنا؟ الوقائع السياسيّة تقول لا؛ ومنها أنّه لم تتحرّك أيٌّ من القوى السياسيّة لحماية اللاجئين الفلسطينيّين في العراق إبّان محنتهم، ولا للدفاع عن مخيّم نهر البارد في أزمته، ولا لمساندة المخيّمات الفلسطينيّة في  سوريا في نكبتها. بالطبع من المفهوم الحديث الدائر عن “النأي بالنفس” عن الصراعات في دول المنطقة، ولكن فقط بعد أوسلو، ورحيل القيادة التاريخيّة للحركة الوطنيّة، الراحلة بدورها، أصبح من الممكن أن تنأى قيادة منظّمة التحرير بنفسها عن الفلسطينيّين وعن حصارهم وقتلهم. قبل ذلك كانت حركة فتح، ومن يتبعها من قوى، تتقدّم مباشرة للذود عن المخيّمات وقتال كلّ من يعتدي عليها كائناً من كان، محافظة على مسافةٍ بينها وبين جميع القوى المتصارعة بما يتناسب مع ما تعتقده مصلحةً وطنيّة. وهو ما لا يمكن تفسيره إلّا بتغيّر “الوطنيّة” أوّلاً، وطبعاً يلحق بها تغيّرٌ في طبيعة قادتها من ثوارٍ إلى متعيّشين. ولكون هذه هي المعضلة الذاتيّة، من المفهوم أن تكون محور أيّ تفكيرٍ فلسطينيٍّ جديّ، إن لرفضها والخلوص إلى قناعة بضرورة أن يتمّ إعادة الاعتبار لوطنيّةٍ فلسطينيّةٍ جامعة، أو للإقرار أنّ ما سبق ووصفناه من تشظٍّ للوطنيّة الفلسطينيّة أصبح أمراً واقعاً لا رجعة عنه، ومن ثَمّ دعوة الفلسطينيّين في الشتات والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948 للبحث عن مصالحهم كيفما ارتأوا6. لا يعني هذا بالنسبة للفلسطينيّين في الشتات التوطين بالضرورة، ربّما يصبح لدينا شعبٌ فلسطينيٌّ آخر لا تعنيه الضفّة والقطاع إنّما يهمّه تدبير أحواله وحقّ العودة. موضوعيّاً هذا ما يحصل مع الكثيرين، يمكن الذهاب إلى شبكات التواصل الاجتماعيّ للاطلاع على آراء الآلاف من الشباب الفلسطينيّين الذين يتحدّثون عن العودة إلى مخيّم اليرموك، وعندما يَذكرون فلسطين يكون للحديث عن قراهم ومدنهم في الأراضي المحتلّة عام 1948، مع تعبيرهم عن النفور مما يعتبرونه “اعتقاد الناس في الضفّة والقطاع أنّهم وحدهم الفلسطينيّون”7. وهو ما سنبحثه أيضاً على أساس أنّه نتيجةٌ للسياسة التي اتبعتها منظّمة التحرير بخصوص الحلّ السياسيّ، وسياسة القوى التابعة للنظام السوريّ التي أتت ضدّ مصالحهم.

هي ثلاثة مواضيع للبحث دون تابوات (الوضع الدوليّ والإقليميّ والفلسطينيّ) للخلوص إلى مقارباتٍ تساعدنا على التفكير في ما علينا فعله مستقبلاً. يحتاج هذا البحث، إن توخينا الإصرار على نتائج إيجابيّةٍ، ثورةً للخلاص من الإرهاب السياسيّ لدعاة حلّ الدولتين الذين في أحسن الأحوال يقبَلون تحميل اتفاقيّة أوسلو المسؤولية عن الفشل، وكأنّها ليست التنفيذ الواقعيّ لخيارهم السياسيّ، ويرفعون سيف “الإجماع الوطنيّ” المزعوم في وجه كلّ من يخالفهم الرأي؛ وثورة للخلاص من الإرهاب السياسيّ للقوى المموَّلة من إيران، حتّى نستطيع أن نرى الواقع العربيّ والدوليّ دون ثنائيّة الخير والشرّ التي أوصلتنا ليقتل “خيرهم” أكثر من مائة ألف سوريّ (والمفقودين يقدروا بتسعين ألف)، ويدمّر ثلث سوريا، ويدفع النسبة نفسها من سكّانها إلى اللجوء داخل البلد وخارجه؛ وحتّى نتخلّص من انتظار مخلِّصٍ زائفٍ، وننظر، بدلاً من التعويل على وعودٍ كاذبة، إلى إمكانيّاتنا الذاتيّة ونعمل بناءً عليها.

الوضع الدوليّ

يمكن عدّ وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض في واشنطن لحظة تحوّلٍ في الوضع الدوليّ. العدائيّة البوشيّة، التي ظنّت أنّها قادرةٌ على إجبار العالم على الانبساط أمام نفوذها، ولّدت نقيضَها في الداخل الأمريكيّ مع تضافر الأزمة الاقتصاديّة وخيبة الأمل من تحقيق إنجازاتٍ في الساحات التي افتتحها الغزو الأمريكيّ. العراق الذي أسقط المحافظون الجدد نظامه، واحتلته جيوشهم، أصبح صديقاً حميماً للخصم الإيرانيّ، ويقيم علاقاتٍ اقتصاديّةً مميّزة مع الصين وروسيا. أفغانستان تستنفد طاقة التدخّل الأمريكيّة دون أيّ ملمح للنجاح هناك، بل على العكس أُضيف لأعداء الولايات المتّحدة من طالبان والقاعدة حكومةٌ فاسدة على كلّ الصعد يُشكّ بأنّ أطرافاً منها يتعاملون مع أعدائها. الأمر الذي أعاد الليبراليّين إلى الحكم مع جدول أعمالٍ أكثر تواضعاً يقول إنّ الولايات المتّحدة غير قادرةٍ، وغير معنيّةٍ، بتأدية دور حاكمة العالم، يكفيها أن تكون في موقع قيادةٍ متقدّمٍ من أجل حماية مصالحها. ولكنّ هذا إن أتى استجابةً لاحتياجاتٍ أمريكيّة لا يعني أنّ السوق توقّف عن الاتساع، أو أصبح أقلّ ميلاً لذلك. بالعكس تماماً، يدّعي بعض المحلّلين أنّ الأزمة الاقتصاديّة في الدول المتقدّمة ناتجةٌ عن نموّ الإنتاجيّة في الدول التي كانت تُعدّ أطرافاً. عند هؤلاء، ومنهم الباحث الفلسطينيّ السوريّ المعتقَل في السجون السوريّة علي شهابي8، حصلت ثورة على الصعيد العالميّ على مراحل توقّفت بموجبها الدول الإمبرياليّة عن احتكار الصناعة ومنع الدول الأخرى من السير على خطى التطوّر الرأسماليّ الذي مرّوا به، فاندفعت الصناعات للهجرة إلى الدول التي كانت تسمّى “أطرافاً” في معادلة كان المفكّر اللبنانيّ مهدي عامل سمّى نمط إنتاجها بـ”الكولينياليّ”. ونتج عن هذا التحوّل، والعولمة التكنولوجيّة الثقافيّة المرافقة له، تولّدُ الرغبة عند قطاعاتٍ متزايدةٍ من الناس في دول العالم الثاني والثالث للديمقراطيّة والمشاركة السياسيّة. الأمر الذي تصادم مع نظمٍ سياسيّة في منطقتنا لم تستطع منع الانفتاح الاقتصاديّ فاختارت كبحه ومحاولة تحويل فوائده للقائمين عليها. وهو ما ولّد في محصّلته ثوراتٍ سياسيّةً اجتماعيّةً.

الوضع الإقليميّ

لا بدّ أنّ الصراع في سوريا شديد التعقيد. النظام السوريُّ الشموليّ له من العمر أكثر من أربعة عقودٍ، خبِر خلالها كلّ أساليب القهر والقمع، وناور بين مصالح الدول لتحقيق استقراره. في عام 1976 دخل إلى لبنان، ضمن “قوّات الردع العربيّة”، تنفيذاً لقرار الجامعة العربيّة بموافقةٍ أمريكيّةٍ ورضى إسرائيليّ 9، لضرب الحركتين الوطنيّتين الفلسطينيّة واللبنانيّة، وبعدها شهدنا مجزرة مخيّم تلّ الزعتر التي نفّذتها حليفته المارونيّة السياسيّة برعايته10. وبقي هذا حاله وصولاً إلى مشاركته في حرب الخليج الثانية حينما أرسل قوّاته ضمن التحالف الدوليّ لإخراج الرئيس العراقيّ حينذاك صدام حسين من الكويت. وإذا عدنا لأدبيّات الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة فسنجد الكثير من الوثائق التي تقرأ هذا النظام على أنّه انقلابٌ عسكريٌّ محميٌّ غربيّاً أحد أهدافه تنفيذ تسويةٍ مع إسرائيل، وهي إحدى التُهم التي ووجه بها حافظ الأسد في مؤتمر حزب البعث الذي أنهاه بانقلابه.

كلّ ما سبق يذكّرنا بفترة الحرب الباردة، وهذه بالضبط السمة التي تميّز نظام الأسد، كما كانت تميّز نظام البعث في العراق، وأنظمةً عربيّةً عدّة من المحيط إلى الخليج. إنّها أنظمةُ حربٍ باردةٍ فقدت دورها بانتهاء هذه الحرب، واستمرّت نتيجة عطالة الواقع العربيّ وامتناع تشكّل قوىً بديلة. وبقي هذا الحال إلى أن أتت موجة الديمقراطيّة في المنطقة المسمّاة “الربيع العربيّ”. حيث انعقدت الآمال على أن تُطلق موجةٌ من الحريّات وتنشأ عنها بيئةٌ مناسبة للمشاركة الشعبيّة. إلّا أنّ ما حصل فعلاً هو أنّ كسر الاحتكار السياسيّ والأمنيّ، والدخول بإمكانيّة إعادة بناء النظام السياسيّ، أظهر حجم التناقضات بين مستلزمات الحياة السياسيّة الديمقراطيّة، وبناء الدولة الديمقراطيّة، وبين أحوال القوى السياسيّة. وأولى هذه المشكلات اشتراك الأخيرة مع الأنظمة المُثار عليها في طبيعتها وثقافتها، ومن ثـمة سمتها العامّة بالانتماء لعالمٍ مضى لم يعد مناسباً للتطوّرات على الصعيد العالميّ والمحليّ. الأمر الذي يهدّد جديّاً بالانتكاس عن الاحتمالات المبشّرة التي شهدناها، وبما أنّ لا شيء يعود فعليّاً إلى الماضي فالانتكاسة ستكون، إن حصلت، إلى ما هو أسوأ.

في هذا الوضع العربيّ القلق كان الصراع في سوريا الأشدّ اضطراباً، فبخلاف بقيّة الأنظمة التي عرفت ثورات “الربيع العربيّ”، رفض النظامُ السوريّ، أسوة بنظام القذافي، إجراء الحدّ الأدنى من الإصلاحات. كان الأمر يحتاج خطوةً مشابهةً لتلك التي جرت في تونسَ ومصر أو حتّى اليمن، التخلّص من رأس النظام وبطانته الفاسدة، مع فتح إمكانيّةٍ لإعادة بناء النظام السياسيّ بشراكاتٍ يجرى التفاوض عليها بين أطرافٍ سياسيّةٍ تستمدُّ شرعيّتها من انتخاباتٍ نيابيّة. بالضدّ من ذلك اندفعت السلطة الاستبداديّة في الصراع بعنفٍ، وهي المتحوّلة إلى سلطانيّةٍ عائليّةٍ وراثيّة تامّة (وهو التحوّل الذي طمح إليه بقيّة الرؤساء في “الجملوكيّات”11 التي ثار فيها الناس فيما سمّي “الربيع العربي”) وعمدت سلطة الأسد إلى سياسة التوريط، بحيث منعت حلفاءها من إيجاد سبلٍ للحفاظ على مصالحهم دونها. اعتقلت وقتلت ونفت كلّ القادة والكوادر الوسطيّة، منهم غياث مطر، الناشط السلميّ من مدرسة التنويريّ جودت السعيد، وكلّ رفاقه، كما عبد العزيز الخيّر القياديّ اليساريّ الذي أصرّ على أفكار الحوار وسياسة المفاوضات. هكذا أصبح تجفيفُ الواقع السياسيِّ السوريّ، وإتاحة الظروف لنموّ التطرّف، هو الهدف الاستراتيجي لسلطة الأسد. فعمد إلى إطلاق سراح قادة السلفيّة الجهاديّة من المعتقلات، وإتاحة المجال أمامهم للعمل بغيةَ تخويف المجتمع السوريّ والغرب في آنٍ واحدٍ، وبغية استعادة التفويض الذي مُنح لهذه السلطة طويلاً من الولايات المتّحدة في حربها على ما سمّته “الإرهاب”، ومن المجتمع السوريّ الذي لطالما أُجبر على مقايضة مشاركته السياسيّة بأمنه.

ما يحصل في سوريا يحصل في باقي بلدان الموجة الديمقراطيّة، وإن بسقف عنفٍ أقلّ بكثير، القوى السياسيّة تخوض صراعاً حادّاً بغياب إجماعاتٍ سياسيّة وثقافيّة وطبقةٍ قائدة تمتلك مشروعاً تنمويّاً، وبروز نخبٍ سياسية ماضويّة بإجمالها، تتعامل مع مطالب الجماهير التي ثارت من أجل الحريّة والديمقراطيّة والمشاركة السياسيّة والعدالة الاجتماعيّة، بكثير من الاستخداميّة لمصلحة تنافسها على السلطة. النتيجة التي وصلنا إليها في عموم المنطقة هي اجتماع قوى دافعة باتجاه تزكية التطرّف على أنّه البديل الوحيد المتاح. وهو ما يناسبُ السلطات كما يناسب شركاءهم في التطرّف: الأصوليّين. ومن ثَمَّ التهديد بإعادتنا لدائرة ظننّا أنّنا نخرج منها قبل ثلاثة أعوام. تساعد على الدفع بهذا الاتجاه قوى إقليميّةٌ تتنافس من جانبٍ على دورها الإقليميّ، وتجتمع، من جانبٍ آخر، على رغبتها بالحدّ من الموجة حتّى لا تطيح أنظمتها12. فقط العقدة السوريّة هي التي أربكت الجميع حتّى بات الخائفون من التغيير أكثر من الموافقين عليه. غالباً التركيبة الطائفيّة للمجتمع السوريّ هي التي سمحت بذلك، وتحديداً فزع أقليّاتها13 من أكثريّتها التي لم تُجمع حتّى اللحظة، رغم كلّ ما حصل معها، على تعريفٍ طائفيٍّ لنفسها. صحيح أنّ التفسير الدينيّ البسيط، الذي يقول إنّ كلّ هذا القمع كان محاربةً للإسلام أصبح شائعاً، ومن الاستحالة أن نظنَّ ألا يشيعَ في الظرف السوريّ الذي نرى. إلّا أنّه ليس هناك انسجامٌ سياسيٌّ إيديولوجيٌّ بين عامّة من نسمّيهم “السنّة” يجعلهم يرتضون قيادةً سياسيّةً على هذا الأساس. بل مازالت هذه الأغلبيّة الأكثر معاندةً في مواجهة التطييف، والأكثر تذمّراً من نموّ قوى الإسلام السياسيّ.

رغم المقاومة الأهليّة في مجتمع الثورة، وقوى سياسيّة واجتماعيّة مدنيّة ديمقراطيّة، إلّا أنّ استمرار العنف السلطويّ المنفلت من أيّ معيارٍ، والمرتكز على قرار التدمير الممنهج والواسع، يُضعف يوماً بعد يوم مناعة المجتمع السوريّ. ثمّ إنّ مواقف أغلب القوى السياسيّة التي تدّعي العلمانيّة على طول المنطقة وعرضها التي أيّدت الطاغية، ومنها قوى فلسطينيّة، تحبط السوريّين وتبشّر بتحلّلهم مستقبلاً من أيّ روابط تجمعهم مع محيطهم. وهذا يهدّد القضيّة الفلسطينيّة، وهو ما سنعود إليه في هذا البحث.

الوضع الفلسطينيّ

ما كان لاستبدال تمثيل منظّمة التحرير الفلسطينيّة، مؤسّسة الوطنيّة الفلسطينيّة الجامعة، بتمثيلٍ لدولة مشتهاة في الأمم المتّحدة ليتمّ لولا أنّ الصمت أطبق على الحالة الفلسطينيّة عندما أعلن محمود عبّاس وصولَ الحلّ السياسيّ إلى طريقٍ مسدودٍ. في الواقع إنّ كلّ القوى السياسيّة الفلسطينيّة، المؤيّدة له والمعارضة، شعرت بإحراجٍ عظيم؛ فرغم أنّها تشترك جميعاً في تحميله بشكلٍ شخصيٍّ مسؤوليّة المسار السياسيّ، إلّا أنّها تنتظر وصوله لنتائجَ قد تنتقدها ولكنّها جاهزةٌ للقفز إلى قاربها. وهو ما يعيد تذكيرنا بالحقيقة التي أصبح فوقها الكثير من الزيف الناتج عن التحايل الفصائليّ المعتاد، والتي تقول إنّ أوسلو هي البوابة المتاحة لحلّ الدولتين. وعلى الرغم من كلّ المرافعات، المليئة بالأكاذيب، التي تحاجج بسوء التطبيق فإنّ هذا الخيار مبنيٌّ على اعتبارٍ متخَيّل سجّلته الجبهة الديمقراطيّة بشكلٍ واضحٍ على غلاف أحد أعداد مجلّتها المركزيّة، “الدولة الفلسطينيّة مصلحة إسرائيليّة”،  وليصبح لازمةً سياسيّةً تذكر عند دعاة هذا الحلّ. الاعتبار الذي يكتمل بقبول ما تقوله الإدارة الأمريكيّة عن أنّها  صاحبة مصلحةٍ في حلّ الدولتين وليست فقط راعيةً له 14.

وبينما لم يظهر لنا حتّى الآن أنّ إسرائيل قد اهتدت إلى مصلحتها المزعومة، التي تعيها بعض القوى السياسيّة الفلسطينيّة أكثر منها كما يبدو15 (ونعرف من تصريحات الدول الغربيّة أنّها تعرف مصلحة إسرائيل أكثر منها وتحاول إقناعها بمراعاتها16 ) نتبيّن بوضوح أنّ السير في خطواتٍ عمليّةٍ في هذا الاتجاه رفعَ عن إسرائيل صفة الاحتلال ومسؤوليّاته، في الوقت الذي أتاح لها الاستمرار في استكمال مشروع الاستيطان في الأراضي المحتلّة عام 1967 17وتهويد الأراضي المحتلّة عام 1948  18 وتفكيك الشعب الفلسطينيّ.

من المؤكّد أنّه سيقال في مؤتمركم الكثير عن نتائج هذا المسار في الضفّة والقطاع، وآمل أن يتضمّن الحديث نتائجه الكارثيّة على شعبنا في الأراضي المحتلّة عام 1948، لذلك سأركّز على الفلسطينيّين السوريّين الذين يعيشون نكبةً جديدةً هي نصيبهم من سلسلة نكباتٍ عاشها الفلسطينيّون في الشتات مرّةً في الأردن وأخرى في لبنان وثالثةً في العراق، ومهدّد أن يعيش مثلها أيٌّ من قطاعات شعبنا في أيّ دولةٍ عربيّةٍ لهم وجودهم فيها إن دخلت في صراعٍ دمويٍّ.

الفلسطينيّون السوريّون

كان من المفهوم الحذر الذي أبدته قيادة منظّمة التحرير من الموجة الديمقراطيّة في المنطقة العربيّة، وخلفها نتائج كارثيّة للتدخل في شؤون الدول العربيّة، إلى أن ضُربت المخيّمات في سوريا وتبيّن فعليّاً أنّ “النأي بالنفس” الخاصّ بهذه القيادة يطالُ اللاجئين الفلسطينيّين في سوريا أيضاً. الفلسطينيون في سوريا أبدوا رغبتهم في البقاءِ على الحياد بسبب خوفهم من معاودة التورّطِ في أزمات الدول المضيفة، ولاسيّما بعد المحاولاتِ المبكّرة للنظام السوريِّ وإعلامه لتوريطهم بالأحداث الجارية، حيث حاولت هيئاتٌ نافذةٌ في النظام السوريِّ تحميلهم مسؤوليّةَ الأحداث في محاولةٍ لإظهار أنّ “أطرافاً خارجيّة” هي من أطلقت “شرارةَ الاحتجاجات”. فمع بداية الانتفاضةِ الشعبيّة في درعا إثر اعتقال الأطفال وإهانة وجهاءِ البلد من قبل ضابطِ الأمن العسكريّ عاطف نجيب ابن خالة الرئيس بشار الأسد، والمحافظ فيصل كلثوم19، حاولت صحيفةُ الوطن السوريّة، المقرّبة من النظام، الترويجَ لوجود “عناصرَ مندسّةٍ” من الفلسطينيّين ضمن حشودِ المتظاهرين السوريّين في درعا، “يقومون بأعمال التخريبِ والتحريض”20، كما حصل الأمر نفسه عند وصول الاحتجاجاتِ إلى اللاذقية عندما سارعت الحكومة السوريّة على لسان نائبِ رئيس الجمهوريّة، بثينة شعبان، باتّهام “عناصر من مخيّم الرمل الفلسطينيِّ في اللاذقية “بالوقوف وراء “الفتنة”21 كما سمّتها، ولكنّ الأخبارَ الميدانيّة، وانتشار مظاهر الاحتجاج والمظاهراتِ إلى مناطقَ مختلفةٍ في سوريا، فنّد هذه الادّعاءات وأثبت بطلانها، وبيّن أنّها كانت محاولةً فاشلةً للإيحاء للرأي العامِّ الداخليِّ والإقليميّ بأنّ “أطرافاً خارجيّة” هي التي تقومُ بأعمال التظاهر والاحتجاج.

وحتّى يتوضّح الأمر نعود للبدايات، فربّما يكون وضع مخيّم اليرموك اليوم أكثر تعقيداً من ذي قبل، بسبب وجود طرفين يخوضان صراعاً دامياً للسيطرة عليه. في الأساس لم يكن في المخيّم إلّا سلطة النظام وأعوانه من القوى الفلسطينيّة، وحينها انطلقت مناشداتٌ عدّة، وقّع على بعضها المئات، تطالب بتحييدِ المخيّمات ومنعِ القيادة العامّة من التسليح22. فعليّاً لم تُلبَّ هذه المناشدات، بالعكس من ذلك، ومع مرور الوقت، تجاوبت قوى فلسطينيّةٌ أخرى مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وعطاياه الماليّة، وشاركت في العسكرة23. وحينذاك أيضاً تمّ قصف المخيّم عدّة مرّات بالهاون عقاباً له على الدور الإغاثيّ الذي اختاره، حيث آوى أبناؤه وبناته عشرات الآلاف من النازحين من المناطق المجاورة، وأَجبروا مدارس الأونروا على فتح أبوابها لهم، وأُنشئت مؤسّساتٌ إغاثيّةٌ لتغطية احتياجاتهم. ورداً على تظاهرةٍ حاشدةٍ للتنديد بالقصف قامت أجهزة الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، وسقط المزيد من الشهداء. كلّ ذلك لم يؤدِّ إلى أيّ تحرّكٍ جديٍّ لقيادة منظّمة التحرير، ما زاد من جرأة سلطة الاستبداد على المخيّمات.

ربّ قائلٍ في هذا الموضع إنّ سلطةً تقتل هذه الأعداد من شعبٍ يُفترض أنّها منه لن تتوانى عن الانتقام من اللاجئين الفلسطينيّين في سوريا إن أخذت قيادتهم السياسية موقفاً حديّاً. وهذا صحيح لو لم تأخذ هذا الموقف أصلاً كما بيّنّا، بعد أن فشلت سياستها في توريطهم إلى جانبها، ولو لم تستخدم سكوت القيادة الفلسطينيّة غطاءً لمزيدٍ من عنفها تجاههم، ولولا أنّ هذا الصمت لم يسمح لقوى، منها الجبهة الشعبيّة، الدخول في معركة النظام، إن لم يكن من مدخل العنف المسلّح بشكلٍ واضحٍ فمن بوّابة الدعم السياسيّ بشكلٍ لا لبس فيه. التقصير على كلّ حالٍ كان على كلّ المستويات، ويتجاوز الأراضي السوريّة إلى عدم الاكتراث بأحوال من وصل من الفلسطينيّين إلى الأردن، فتمّ التعامل معهم بأسوأ الأشكال. وبحدودٍ كبيرةٍ كان هناك تقصيرٌ بحقّ من دخل إلى لبنان، يتراجع قليلاً فقط عندما يعمُّ الغضب بين صفوفهم، وبحقّ من تقطّعت به السبل في مصر24، ويجد أبواب سفارة السلطة الفلسطينيّة موصدةً دونه، وتُطلق عليه النار من قِبل الجيش المصريّ في حال حاول عبورَ البحر باتجاه أوربا للنجاة من الموت والعوَز25. المشكلة الأساسيّة التي ظهرت، هي عدم الوجود الفعليّ لمنظّمة التحرير، ولم يستطع الدور الإيجابيّ لبعض كوادر حركة فتح إجراءَ تغييرٍ كبيرٍ، حتّى بمقياس ما تستطيع الإمكانيّات الذاتيّة لبقايا مؤسّسات المنظّمة في سوريا فعله، طالما أنّ شخصيّاتٍ مثل طلال ناجي، مدير دائرة التربية والتعليم العالي (الأمين العامّ المساعد للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين-القيادة العامّة التي تقوم بدور رئيسٍ في حصار مخيّم اليرموك)، أو إحسان توفيق صالحة (أبو توفيق)، مدير المدينة التعليميّة لأبناء شهداء ومجاهدي فلسطين في عدرا، مرتبطة مع أجهزة المخابرات السوريّة ويأخذون أوامرهم منها، وهم مفوّضون من قبل رئيس منظّمة التحرير محمود عبّاس.

غياب منظّمة التحرير إذاً هو المشكلة، بغضّ النظر عن اتفاقنا أو خلافنا على توصيف الصراع في سوريا، هذا أصبح واضحاً لمئات الآلاف من الفلسطينيّين في سوريا. صحيح أنّ الكثير من كوادر حركة فتح اندفعوا للعمل الإغاثيِّ والطبيّ والاجتماعيّ لتخفيف الضغط عن المدنيّين، ودفع عددٌ منهم حياتَه في هذا السبيل‏، إلّا أنّه كان تعبيراً عن انتماء هؤلاء لشعبهم، وليس ترجمةً لتوجيهاتٍ أو برنامجٍ وضعته قيادة الحركة في رام الله التي بقيت بعيدةً وباردةً، وإلى حدٍّ بعيدٍ عكست نفوراً من عبء اللاجئين الفلسطينيّين. وأيضاً في هذا الموضع لا يمكن عدُّ إيجابيّةِ بعض كوادر حركة فتح إلّا سلوكاً فرديّاً يشي بالتزاماتٍ وطنيّةٍ فرديّةٍ لا أكثر. ودليلنا هو أنّ التفويضَ من محمود عبّاس بقي لإحسان توفيق صالحة الذي رفض استقبال النازحين من مخيّم اليرموك إلى مدينة أبناء الشهداء، إلى أن فرضوا عليه ذلك بغضبٍ عمّ الرأي العامَّ، ولكنه بقي يهدّدهم ويضيّق عليهم حتّى آخر لحظةٍ من وجودهم فيها.

رؤية عامّة واقتراح للتفكير

وينتج عن غياب منظّمة التحرير في نكبة الفلسطينيّين في سوريا، وعن الإهمال الشعبيّ في الضفّة والقطاع لأوضاعهم إشكاليّاتٌ مركّبةٌ نرى منها: فلسطينيّون يجدون أنفسهم وحدهم دون بقيّة أبناء شعبهم الموزّعين بين الوطن والشتات، يشتركون مع أقرانهم السوريّين في الشقاء والفاقة، ويمدّون لبعضهم يدَ العون، فيسألون أنفسهم عن معنى هويّتهم الوطنيّة إن لم تكن ما يحصل في نطاق سوريّتهم، وعن معنى الترك والانفصال إن لم يكن ما يفعله إخوانهم في القضيّة.

ومن جهةٍ أخرى، هناك اضطرابٌ في معنى العدوِّ، فمهما حاول الواحد منهم منعَ نفسه، لأسبابٍ سياسيّةٍ، إلّا أنّه يجدها وجهاً لوجهٍ مع المقارنة بين ما يفعله الجيشُ والأمن السوريّان من قتلٍ وتدميرٍ وإذلالٍ واغتصابٍ ومذابحَ بشتّى أنواع الأسلحة، ومنها البلطات والسكاكين، وبين سلوك الاحتلال الإسرائيليّ مع الشعب المحتلّ. وهي المقارنة التي لابدّ أن تجري في مخيّلة كلِّ مهتمٍّ بالمنطقة وشؤونها، من داخلها أو خارجها. ما يبرّر الخشية من أن يزدادَ اعتياد السلوك الإسرائيليّ، أو حتّى أن يجدَ من يسخّفه أمام هول ما فعله ويفعله حكم الطغمة الأسديّة.

تنشأ الإشكاليّات سابقة الذكر، من وقائعَ عصيّةٍ على التجاوز والتبرير السهل أو التناسي، وتُدخل أصحابها في أتون أسئلةٍ وجوديّةٍ من المنطقيّ توقّع أنّها ستنعكس على خياراتهم الآنيّة والمستقبليّة، وهو ما يحتاج التفاعلَ مع مبادراتٍ شعبيّةٍ قائمةٍ، وتقديم أفكارٍ للحوار الوطنيّ للدخول على خطّها ومحاولة دفعها باتجاهاتٍ تصبّ في المصلحة الوطنيّة الجامعة.

الدعوة إلى إحياء المنظّمة ودمقرطتها 26

على الرغم من الجدل الذي دار حول أسباب نشأةِ منظّمة التحرير، وحول اعتبارِ وجودها في الأساس دليلاً على ضعف مشروع الوحدة العربيّة، فإنّ الفلسطينيّين حوّلوا هذا الوجود خلال عقودٍ إلى كيانٍ جامعٍ ينوب عن الدولة الوطنيّة في الظروف الاعتياديّة. ومنذ أيام التأسيس الأولى، عكست المنظّمة ميزانَ القوّة الإقليميّ والفلسطينيّ، بل إرادةَ الفلسطينيين الشعبيّة أيضاً بحدودٍ لا يمكنُ الاستهانة بها. ولذلك انتقل مركزُ الثقل فيها باتّجاه فصائل العمل المسلّح حين كانت هذه التعبيرَ الأبرزَ عن تلك الإرادة. وبفضل آليّاتِ التمثيل التي اعتمدتها المنظّمة (التي راعت، بالإضافة إلى «الشرعيّة الثوريّةِ» التي حازتها فصائلُ العمل المسلّح، إرادةَ التكوينات الاجتماعيّة) استطاعت أن تكونَ معبّراً موثوقاً إلى حدٍّ بعيد عن إرادةِ الشعب.

تغيّر كلُّ ذلك حين انتقلَ «حلُّ الدولتين» من كونه مشروعاً سياسيّاً تتبنّاه قيادةُ منظّمة التحرير، إلى نطاق التحقّق عبر ما اعتُبر توسّطاتٍ له. فنتجت سلطةُ الحكم الذاتيّ المحدود، وتمَّ عمليّاً نقلُ التمثيل السياسيِّ الفلسطينيّ إليها، وتحنيطُ المنظّمة بانتظار استكمال الاتفاقيّات، لتوقّع المنظّمة ـــوهي مومياء- عن الفلسطينيّين المغيَّبين في الشتات وأراضي 48، قبل دفنها نهائيًّا. وفقط في حالتين عدنا إلى سماع الحديث عن دورٍ سياسيٍّ تمثيليٍّ للمنظّمة: مرةً بعد نتائج الانتخابات التشريعيّة في الضفّة والقطاع، حين وجد أبو مازن أنّه في حاجةٍ إلى شرعيّةِ المنظّمة لمواجهة فوز حركةِ حماس، وتخوّفًا من أن يؤدّي هذا الفوزُ إلى تعطيل المفاوضات27؛ وأخرى كلّما وصلت المفاوضات إلى استعصاء، وآخرُها بعد أن اعترف «عرّابُها» نفسُه بوصول المفاوضات مع الاحتلال إلى طريقٍ مسدود.28 وقد عبّر ذلك عن البؤس الذي وصلتْ إليه الحالةُ السياسيّة الفلسطينيّة: فهي لم تستطع تحقيقَ حلمها بالدولة الفلسطينيّة عبر المفاوضات، ولم تعد تمتلك القوّةَ التي كانت تتيحها وحدةُ الشعب الفلسطينيِّ كلّه.

كان من المنطقيّ أن يتلقّفَ دعاةُ وحدة الشعب الفلسطينيّ عبر المؤسّسة الجامعة ما بدا لهم فرصةً مواتيةً، حين تزايدت المطالبُ بإحياء المنظّمة. الفكرة لدى هؤلاء هي أنّ إمساك الناس بمصيرهم عبر مؤسّساتٍ ديمقراطيّةٍ سيَضبط القيادةَ السياسيّةَ بإرادة الناس. وهذه فكرةٌ صحيحةٌ إلى حدٍّ ما، ولكنّها تعني أنّ صراعاً سيُخاض مع القيادة السياسيّة الخبيرة بسبل التفلّت من الضوابط الشعبيّة. وغالباً ستحاول القيادة الفلسطينيّة وضعَ نفسها في منتصف الطريق، بين ما يريده الشعب وما يريده الاحتلال، لتساوم الطرفين: الأوّل على ديمومتها وسبل الانتخاب التي تُبقي لها السيطرة، والثاني على استعادة بعض الآمال في التسوية. وهي تفعل ذلك اليوم حقّاً، معتمدةً على ادّعاء «الانتخابات حيثما أمكن ذلك» 29. ويظهر ذلك في الترتيبات التي تُعدّها لضمان سطوتها إن اضطرّت إلى إجراء الانتخابات، وفي إبقاء الباب مفتوحاً أمام عودة المفاوضات (إمّا باللقاء المباشر أو عبر تبادل الرسائل مع الاحتلال). ولعلّ من أهمّ ما يمكن أن تفعله مبادرةُ مجموعاتٍ شابّةٍ في فلسطين والشتات إلى بناء آليّاتٍ إلكترونيّةٍ للتسجيل والانتخاب نزع أعذار من يدّعي استحالة الانتخابات في كثيرٍ من الأماكن 30.

الطريق إلى تفعيل المنظّمة، بواسطة المطابَقة بين وجودها ومعناها السياسيَّين، وذلك عبر التحوّل الديمقراطيّ وجعل التمثيل سبيلَ تمكين الناس عبر الانتخاب، هدفٌ أثيرٌ على قلوب أجيالٍ متعاقبةٍ من الفلسطينيّين؛ وهو ما يجد اهتماماً كبيراً في حاضرنا، لأنّه يعبّر عن ذهنيّة الشباب، وينتمي إلى الأفكار المؤسِّسة للموجةِ الديمقراطيّة التي تجتاح المنطقة العربيّة. ولذلك يمكن عدُّ الحراك الشبابيّ المتصاعد في هذا الخصوص رافداً من روافد الربيع الفلسطينيّ، إن لم يكن الخطوة الأولى في دربه. وكما الحال بالنسبة إلى الثوّار في المنطقة، أصبح من الواضح أنّ اهتمام الشباب يتركّز على الطريق لا على الهدف النهائيّ؛ فالأهدافُ عند أجيالٍ شابّة مفعمة بالمستقبليّة متبدّلة، ولكنّ حريّة الاختيار ومراقبة الممثّلين وسيلتان ثابتتان يطالب بهما الشباب، لأنّهما تتيحان لهم التعديل بشكلٍ دائمٍ وتمنعان الاحتكار والاستبداد. ومن هذا الهاجس الشبابيّ ندرك استخلاصَ جيلٍ جديدٍ لحكمةٍ جديدة: أنّ البليّة هي في منع الاختيار ولو باسم الفضيلة، لا في الاختيار الخطأ ما دامت العودةُ عنه ممكنةً.

لكنّنا، وعلى قناعتنا بأنّ للعمل على هذا المشروع فائدةً في كلّ الأحوال لكونه يطوّر التجربة السياسيّة لقطاعاتٍ شبابيّة، نسأل: هل توفّرت شروط إعادة إحياء المنظّمة؟ للجواب، يُفترض النظر في شروطٍ ثلاثة: إقليميٍّ ودوليٍّ لا يشجّعان عودة المنظّمة التي كان تغييبها نجاحاً باهراً بالنسبة إليهما، لما عناه من تخلٍّ عن 78% من الأرض الفلسطينيّة وعن جلِّ الشعب الفلسطينيّ في أراضي48 والشتات31؛ وذاتيٍّ فلسطينيٍّ.

فقد عُطّلت المنظّمة لعدّة أسبابٍ منها:

أ) لفشلها في تحقيق مشروع التحرير الذي يعني الكلَّ الفلسطينيّ.

ب) لأنها أصبحت تتناقض في تمثيلها مع تعريف الأرض والشعب الفلسطينيَّين، المُتضمَّن في «حلِّ الدولتين» الذي تبنّته قيادتها وسلطة الحكم الذاتيّ.

ج) لأنّ لاجئي الشتات خسروا قدرتهم على التأثير حين انتقلت القيادة السياسيّة إلى أراضي 67، وفقدوا مؤسّسات المنظّمة في وسطهم.

د) لأنّ صعود القوى الفلسطينيّة الجديدة تمّ في الأراضي المحتلّة لا في وسط اللاجئين.

هـ) لأنّ القوى الجديدة الصاعدة لم تجد فائدةً تُرتجى من دخولها منظّمة معطّلةً يسيطر عليها خصومُها.

يُفترض بمن يناضل من أجل تفعيل المنظّمة ودمقرطتها البحثُ في ما إذا كانت هذه العوامل المعطِّلة قد تراجعت بما يكفي لتبرير التفاؤل. التدقيق في الواقع الفلسطينيّ يشكّك في حصول ذلك. لكنْ ثمّة مستجدّاتٌ أعادت إلى الأضواء هذا الهدف، أهمّها استعصاءُ «حلّ الدولتين» بسبب التعنّت الإسرائيليّ، وبسبب معضلةٍ تكوينيّةٍ في إسرائيل: فهي تريد أن تكونَ دولةً ديمقراطيّةً ويهوديّةً في آنٍ واحدٍ (وهو ما يستلزم التخلّصَ من الديموغرافيا الفلسطينيّة)، وتريد الانفصال عن الفلسطينيّين من دون التخلّي عن القدس وغور الأردن والمستوطنات والمياه الجوفيّة في الضفّة، وتنظر بعين الطمع إلى الغاز المكتَشف في بحر غزّة. وانطلاقاً من هذا الاستعصاء وحده، تجد القيادةُ الفلسطينيّة نفسها عاجزةً عن التقدّم في مشروع دولتها، وفي اختصار فلسطين إلى الضفّة والقطاع وإعادة تعريفِ الشعب الفلسطينيّ على أنّه سكّانهما فحسب. ولكنّ انعدام التقدّم لا يعني إمكانيّة التراجع: فهناك مواثيقُ واتفاقاتٌ وتعهّداتٌ لسلطة الحكم الذاتيّ مع إسرائيل والدول العظمى32؛ وهناك مسؤوليّاتٌ لها عن سكّان الضفّة والقطاع الذين أنهت إسرائيلُ مسؤوليّتَها عنهم في الوقت الذي دمّرت وحاصرت سبلَ إنتاجهم الخاصّ. ولا بدّ أنّ قراراً بحجم إعادة إحياءِ المنظّمة ثورةٌ من قِبل القيادة الفلسطينيّة، في حين أنّ ما يُعرف عنها يدلّ على أنّ إنعاش المنظّمة بالنسبة إليها هو محضُ وسيلة ضغطٍ على الاحتلال لتحصيل مكاسب.

كما أنّه بعد أن تشكّلت سلطةُ الحكم الذاتيّ المحدود، تحوّلت إلى واقعٍ سياسيٍّ اقتصاديٍّ اجتماعيّ لا يمكن القفزُ فوقه. فكثيرٌ من الفلسطينيّين في الضفّة والقطاع وجدوا فيها تجسّداً وطنيّاً يتناسب، وإن بالحدود الدنيا، مع طموحهم إلى التخلّص من الاحتلال وتقرير مصيرهم 33. وهو السبب الذي يجعل تخوينَ مَن يؤيّد السلطة وحلّ الدولتين اتهاماً متسرّعاً، إن لم يكن مراجعةً لمفهوم «الوطنيّة» الذي اعتمدته الحركة الوطنيّة طوال عقود، وكان بمنزلة أبٍ «للوطنيّة الجديدة المختَصرة» التي تمثّلها سلطةُ الحكم الذاتيِّ المحدود. والمشكلة التي يولّدها «حلّ الدولتين» ذات صلةٍ بالخلاف حول مفهوم هذه «الوطنيّة الجديدة،» من حيث تجزئته القضيّة الفلسطينيّة، وجعله لكلّ قطاعٍ فلسطينيٍّ «قضيّته» الوطنيّة المنفصلة: هكذا ينفصل الفلسطينيّون في أراضي 67 في مسعاهم من أجل «الدولة المستقلّة» في حدودهم، بينما يهجس فلسطينيّو 48 «بالمواطنة والمساواة»34، ويركّز اللاجئون الفلسطينيّون على حقّهم في العودة إلى أرضهم التي أُخرِجوا منها. وفي مواجهة التجزيئيّة، يقف طرفٌ يصرُّ على هويّةٍ وطنيّة جامعة، وينتصب ضميرٌ فلسطينيٌّ جماعيٌّ يعتمد الرواية الفلسطينيّة والتجربة الجماعيّة 35.

على أنّ لهذه الانقسامات حواملَها التاريخيّة. فنحن نتحدّث عن قطاعاتٍ اجتماعيّةٍ منفصلةٍ جغرافيّاً منذ العام 1948، وهي كانت ضعيفةَ التكوّن الوطنيّ قبل ذلك بفعل طول التعرّض للاحتلال العثمانيّ، والاحتلال البريطاني من بعده مع ما في سياسة وسلوك الأخير من تدمير ممنهج. وقد ظهر ذلك في غياب إجماع الضفةِ الغربيّة على الوطنيّة الفلسطينيّة، إلى أن اختُزلت هذه الأخيرة إلى حدٍّ بعيدٍ لتصبح «ضفّاويّة.» وبهذا نتبيّن أنّ الوطنيّة الفلسطينيّة الجديدة، التي كانت سلطةُ الحكم الذاتيّ مؤسِّستها في التاريخ الفلسطينيّ الجديد، هي تعبيرٌ عن مشروعٍ سياسيٍّ صُوّر لقطاعٍ فلسطينيّ على أنّه من مصلحته، وأنّها تتناقض مع الوطنيّة التي تعبّرُ عنها المنظّمة. وهذا يوضّح سبب تعقيد الجمع بينهما 36 .

خلاصة أولى

إنّ تعاضد الناس في عمليةٍ مطلبيّةٍ سياسيّة من نوع إحياء منظّمة التحرير أمرٌ مفيدٌ، كما ذكرنا، لأنّه يعني إدراكهم حقّهم في تقرير مستقبلهم. إلّا أنّ هذه الفائدة ستتعاظم حين يدركون أنّ ما يواجه مسعاهم يتعدّى استبداداً سياسيّاً تقليديّاً، كذاك الذي يعرقل حركة الديمقراطيّة في الدول المحيطة بهم. ذلك أنّ الوضع الفلسطينيّ يشهد انقساماً مصلحيّاً محمّلاً على ظروفٍ نشأت من وجود الاحتلال والتطهير العرقيّ الذي ارتكبه، ومن المشروع السياسيّ الذي تبنّته قيادة منظّمة التحرير. وإذا كان صحيحاً أنْ لا ضرورةَ لوضع المشروع السياسيّ شرطاً لتمكين الناس من اختيار قادتهم، فإنّ الوضع الفلسطينيّ الخاصّ (الذي هو انقسام الناس أنفسهم) يجعل تجاهلَ المشروع السياسيّ إغماضاً للعين عن مكمن استحالة الوحدة الوطنيّة الجامعة من دون مراجعته. وهذا ما سيُدخلنا، شئنا أم أبينا، في الصراع السياسيِّ البينيِّ. ويمكن النظرُ في الانتخابات التشريعيّة التي أدّت إلى تصادم حركتي فتح وحماس، وإلى انفصال قطاع غزّة، للبحث إن كان صندوقُ الاقتراع وحده حلاً لمشكلات الواقع الفلسطينيّ.

هناك نقصٌ أساسيٌّ يعتري الوضع الفلسطينيّ مقارنةً ببقيّة دول الربيع العربيّ. فبينما استطاعت نخبٌ ثقافيّةٌ من هذه الدول الانشقاقَ عن نُظمها السياسيّة وتقديمَ تصوّرٍ عن حياةٍ أخرى ممكنة، انقسم المثقّفون الفلسطينيّون بين مندغمٍ بالنظام السياسيّ الفلسطينيّ (ومن ثَمّ بمشروعه السياسيّ) وبين مستمرئٍ لترديد خطابٍ ماضويٍّ لا يتضمّن أيّ مشروعٍ قابل للعمل. وهذا ما يستدعي من المثقّفين الديمقراطيّين قطعَ حبل السرّة مع الماضي، آخذين في الاعتبار معطيات الواقع وعُقده العنيدة. وأهمّ ما يُفترض عمله لتجاوز هذا النقص هو طرحُ بديلٍ عمليٍّ من «حلّ الدولتين»: بديلٍ لا يتجاهل وجود السلطة، بل يعيد النظر في وظيفتها لتصبحَ نواةَ جهاز حكمٍ ذاتيٍّ لكلّ الفلسطينيّين في دولةٍ واحدةٍ ديمقراطيّة علمانيّة تتبع لمنظّمة التحرير. كما أنّ فرصَ النجاح في تحشيد الجهود من أجل إعادة إحياء منظّمة التحرير ودمقرطتها تزداد حين تطبيق الأهدافِ المتوخّاة منها في سياق العمليّة النضاليّة لاستعادتها، فليس من المتوقّع أن يهتمّ الفلسطينيّون بمن يدّعي أنّه يسعى من أجل مصلحتهم في الوقت الذي يهمل معاناتهم اليوميّة. هذا يعني أنّ من يريد النجاحَ في هذا المسعى عليه أن ينخرط في العمل المباشر من أجل خلق آليّات تضامنٍ وتكاملٍ وتكافلٍ الآن وفوراً مع الفلسطينيّين في نكبتهم  في سوريا، ومعاناتهم في لبنان والعراق مثلاً. وفي الإجابة عن هذه التحدّيات نجد الإجابة عن مدى نجاحنا في إنعاش المنظّمة… أو نستكمل دفنها.

تفكير مختلف لا حلول مختلفة فقط 37

تعجّ منطقتنا بالمظلوميّات، وأحدُ أسبابها عطلٌ في تعاملنا مع حقيقة انقسامنا المزمن إلى قوميّاتٍ وطوائفَ. فعلى الرغم من شيوع التغزّل باجتماعنا كفسيفساء، إلّا أنّ ذلك لم يمنع في يومٍ من الأيّام قهرنا لبعضنا. فكلٌّ منّا يمتلك ما يبرّر له الادّعاء أنّه من جماعةٍ قُهرت، ولكنّ قلّةً تعترف بأنّ “جماعتها” لم تقصّر في قهر الآخرين حين أُتيح لها أن تفعل. وأمام الجحيم الذي دشّنه الاستبدادُ السوريُّ في مواجهة الثورة، والأحقاد التي أنتجها عنفه الفاشيّ، وبعد الإقرار بحقيقة أنّ هناك من لم يتوقف عن تأييده لأسبابٍ طائفيّة، وأنّ بعض هؤلاء شارك بنشاطٍ واندفاعٍ في القتل والتدمير، وأنّ هناك من تعاون معه تلبيةً لطموحاتٍ قوميّة، أصبح لزاماً علينا الوقوفُ أمام حقائقنا متخلّصين من المساحيق التي لا تنفع لتجميل قبحنا. الأمر الذي يعني الإقرار بأنّنا مازلنا نعيش ذهنيّةَ القسوة، وأنّ الثقافة السائدة عندنا لا تعبأُ بالضعيف وتقدّس القويّ، وتهمل مشكلاتها، بل تجرّم من يتجرّأ على البوح بها. ما يبقينا مقيّدين في دوراتٍ من المظلوميّة تنقلب فيها الأدوار، فيصير في كلٍّ منها الظالم مظلوماً قبل أن يتحوّلا بدورهما إلى مظلومَين من قِبل ظالمٍ ثالث. وفي كلّ مرّةٍ نجد أنفسنا أمام “حقوق” لا يطالها الشكّ، قوميّة كانت أم دينيّة، تبيح إهمال حقوق الآخرين، بل كتمها إن لزم الأمر.

يمكن للفلسطينيِّ أن يثبت بسهولةٍ أنّ مستوطنين أغراباً تجمّعوا من كلّ بقاع الأرض لاغتصاب أرضه، والإسرائيليّ اليهوديّ بدوره يمتلك أسطورةً تتضمن تفويضاً إلهيّاً قديماً وتراثاً من التعهّد أمام الربّ أنّه لن ينسى أرض “أورشليم/القدس” التي يدّعي أنّها اغتُصبت منه. وكذا يفعل العربيّ حين يثبت ملكيّةَ الأرض ويدّعي بأنّ كلّ الممالك والشعوب القديمة في المنطقة قد ذابت في بوتقته، وأورثته حقوقها. هناك سريان أكسبوا الجغرافيا اسمهم، وأكراد يذكرون مملكةً، يكاد لم يسمع بها أحد، كدليلٍ لا يمكن رفضه عن مليّكتهم الأرض إلّا من قِبل الشوفينيّين حسب زعمهم. كلّ من ذكرنا، ولم نذكر، يغذّون الأمل بأنّهم ذات يومٍ سيتمكّنون من استعادة أمجاد دولتهم القوميّة دون أيّ اكتراثٍ ببقيّة القوميّات، وفي أحسن الأحوال يتحدّثون عنها كأقليّاتٍ يمكن أن تُعطى بعض الحقوق. ولا شيءَ يبعث على الأمل بأنّنا قد نخرج من هذه الدائرة. ما يُبقينا في دوامة إنتاج وإعادة إنتاج المظلوميّات، بتبادل أدوارٍ قائمٍ على ضعف عصبيّاتٍ وتفككها والغلبة لعصبيّاتٍ فتيّةٍ.

ما يمكن أن نحقّقَ عليه الإجماع دون كثير عناءٍ هو أنّه لا يوجد تغييرٌ واسعٌ ممكنٌ للتنوّع القائم، فالتطهير العرقيّ الذي ربما يداعب أحلامَ المتطرّفين من كلّ اتجاه، والذي يمكن أن يؤدّي إلى الخلاص من قوميّةٍ من القوميّات المتنازِعة، أمرٌ غير وارد إلّا إن قامت حربٌ إقليميّةٌ عظمى. وحدود الحرب في سوريا أقلّ من ذلك بكثير، وستبقى دون حدود التطهير العرقيّ الواسع حتّى لو تحقّقت أماني حكّام دمشق التي تولّدت عندما اقتنعوا أنّ العودة إلى الوراء أصبحت مستحيلةً، ومنّوا النفسَ بأنّ زجَّ الدول معهم في المستنقع يولّد إمكانيّاتٍ جديدةً، الكلّ فيها متضرّرٌ يبحث عن مخرجٍ . ولكنّ ذلك لم يحصل، ولن يحصل، فالإدارةُ الأمريكيّة قرّرت أن تدفع كلّ حلفائها إلى مقاعد الفرجة معها إلى أن يُنهكَ خصومها ويقرّروا أنّهم جاهزون لتقديم التنازلات، وهو ما ستفضي الأمور إليه قصُرَ الزمن أو طال. وبما أنّنا سنبقى هنا معاً، وأنّ أيَّ عنفٍ لن تكون نهايته إلّا صيغةً للعيش معاً، يبقى السؤال عن الوجه الجديد للمنطقة التي نريد العيش فيها، وما إذا كنّا سنعود لما ألفناه من تغييرٍ للمواقع دون تغييرٍ في قواعد اللعبة، هو الأكثر أهميّةً، والجواب عنه يستحقّ منا تحدّي يقينيّاتنا ومحرّماتنا.

على مستوى الوعي تنتج مشكلتنا عن التناقض بين فهمٍ نتبنّاه عن حقّ تقرير المصير بما هو السيطرة على الجغرافيا، وبين حقيقة أنّ هذه الجغرافيا تعود لجميع من عليها بوجهين: الأوّل، هي مهد حضاراتٍ قوميّةٍ عدّة ممثلوها على قيد الحياة ويعتقدون بأحقيّتهم فيها. والثاني، أنّ انتهاء دورات المظلوميّة بين القوميّات يتمّ حين تكفّ كلّ منها عن التعامل مع الجغرافيا كملكيّةٍ حصريّةٍ. أي إنّ الطبقات المتراكبة للحقوق على جغرافيا واحدة، وما يتعلّق بها من حقائق وأوهامٍ وزيف، ستؤدّي إلى استمرار الاعتماد على الغلبة، وهو ما ستكون محصّلته الدوريّة مظلوميّةً متبدّلةً وفق متوالية عنفٍ وقهر. وحتّى عندما نحاول الارتكازَ على الحقوق لإيجاد حلولٍ بدفعٍ من نيّة تحقيق العدل، نجد أنفسنا نتيجة اعتقادنا الراسخ بأنّ حقَّ تقرير المصير هو السيطرة على الجغرافيا ،مدفوعين إلى مقاربة حلِّ قضيّة المظلوميّات على أنّه الحقُّ بالانفصال، أو السيطرة على جغرافيا مختلف على ملكيّتها ضمن فدراليّاتٍ هشّةٍ، ما يؤدي إلى إعادة توزيع المواقع من المظلوميّة. وفي هذه الحالة ينشغل الديمقراطيُّ بتعداد السكّان تاركاً للأغلبيّة في كلِّ موقعٍ حقَّ الهيمنة، ويروح إلى نقاش البقيّة كأقليّاتٍ يجب مراعاتها. وبدلاً من ذلك نقترح التفكيرَ في حقِّ تقرير المصير كعدم سيطرةٍ، التفكير في فدراليّةٍ لا تقوم على اعتبار الأرضِ إنّما على اعتبار الناس. وطالما أنّ الناس أغلبهم في منطقتنا يصرّون على أن يكونوا “جماعاتٍ” في معاملاتهم علينا أن نفكّرَ كيف يمكن أن ننشئَ بناءً سياسيّاً جمهوريّاً يسمح لهم أن يعيشوا مشاركتهم السياسيّة على هذا الأساس. أي أن يكونَ هناك مؤسّساتٌ تُنتخب على أساسٍ قوميٍّ، وترعى مصالحَ ناخبيها بغضِّ النظر عن أماكن تواجدهم على مساحة الجغرافيا الوطنيّة المشتركة كلّها، لا على ما تقتطعه لنفسها منها مطلقةً عليه صفة “أرضي”. يمكن التفكيرُ في التمثيل القوميِّ في المؤسّسة ومن خلالها، وليس في ما تشغله من حيّزٍ مختلَفٍ عليه.

خلاصة ثانية

تستدعي مثلُ هذه الحلول إجراءَ تغييرٍ جوهريٍّ في ثقافتنا، والتحرّر من قيودٍ ثقيلةٍ أصبح واضحاً في أيّامنا المضطربةِ هذه أنّها لا تفضي إلى أيِّ فائدةٍ لنا بل تطيلُ زمن الاستبداد. وهو ما سيسمح لنا بالتفكير في الحقوق بطريقةٍ مختلفةٍ، نتوقّف نتيجةً لها عن وضع حقّنا مقابلَ “حقّهم”. ينفع مثل هذا الأمر في فلسطين الموحَّدة كما في سوريا والعراق وربّما تركيّا وإيران. ما يهمُّنا هنا هو البحثُ فيما إذا كانت مقاربةٌ مختلفة، لواقعٍ أثبت استعصاءه على الحلول الناجحةِ في مواقعَ لا تشبهه، يمكن أن تشكّلَ آليّةً لحلٍّ قابلٍ للتطوير ومراجعة نجاحاته وإخفاقاته. مثلُ هذا البحث، وهذه الحلول، بحاجةٍ لآليّة تفكيرٍ مختلفةٍ عن تلك التي طالما امتلكناها؛ فحتّى التيّار الذي أطلق على نفسه صفةَ “الواقعيّة”، وأخذ يتّهم من يخالفه بالعدميّة، تبيّنَ بعد أربعين عاماً من تبنّيه برنامج “واقعيّته” أنّه يفكّر بدلاً من الواقع لا فيه، تبيّن أنّه يُخرج الواقعَ من رأسه بدل أن يُخرج رأسه من الواقع ليفكّرَ فيه.

ختاماً، ولكلِّ ما سبق، أسجّلُ قناعتي بما ورد في وثيقة اللجنةِ التحضيريّة لمؤتمر حيفا الثاني من أجل العودة والدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين التاريخيّة، المنعقد في 29-30/5/2010: «إنّنا لن نطرحَ دمقرطة الاحتلال… ولكنْ ندعو لبناء نظامٍ جديدٍ منبثقٍ من الناس ولأجلهم، نظامٍ ينفي المشروعَ الصهيونيّ ويؤسّس لقيام فلسطين الديمقراطيّة العلمانيّة». 38

يوسف فخر الدين، فرنسا – بوردو،  في 18/09/2013


*  عرض الكاتب هذا البحث في مؤتمر الذكرى السنوية العشرين لاتفاقية أوسلو الذي نظمته جمعية فلسطين / كلية الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS Palestine Society، ‏جامعة لندن، في الاسبوع الأول من تشرين أول/أكتوبر 2013

الورقة هي الفصل الأول من كتاب “اللاجئون الفلسطينيون في المحنة السورية” للاطلاع على الكتاب بصيغة PDF وتحميله:

Download (PDF, Unknown)