حماية الأقليّات، الديماغوجيّة في خدمة النظام .. المسيحيّون السوريّون أنموذجاً

سنتان ونصف مرّت على الثورة السوريّة التي انطلقت حاملةً شعارات الحريّة والعدالة والمساواة. بدأها صبايا وشبابٌ علمانيّون، أطلقوا صرختهم الأولى في 15 آذار 2011، وتابعها الشعب السوريّ، بناته وأبناؤه، طلباً للكرامة وردّاً على إهاناتٍ استمرّت لأكثر من نصف قرن، وفاضت مع ما تعرّض له أطفالُ درعا وأهلوهم، لأنهم تنبّؤوا بأنّه “جاك الدور يا دكتور”. لم يوفّر النظام أيَّ وسيلةٍ للقضاء على هذه الثورة، فاستخدم الأسلحة كلّها، القتاليّة وغير القتاليّة، موغلاً في القمع والإرهاب والتخويفِ والترغيب في الوقت ذاته. وستتناول هذه الورقة واحداً من الشعارات التي روّج لها النظام في حربه الديماغوجيّة، وهو “حماية الأقليّات” من أجل تكريس الصفة الطائفيّة على الثورة، من جهةٍ، وكسب التعاطف معه، من جهةٍ أخرى. فعمل على دفع بعض الشعب السوريِّ للتعامل مع الثورة على أنّها تمثّل “الآخر” المخيف، فيسهل ارتداد هذا البعض إلى انتماءاته قبل الوطنيّة، ويتقوقع على هويّةٍ تنزع عنه صفة “المواطن”، فيوغل في تنازله عن حقوقٍ، قامت الثورة أساساً من أجلها، بحثاً عن “أمنٍ وأمانٍ” وهميّين.

فاجأت الثورةُ السوريّة الجميع، النظام والعرب والعالم، حتّى إنّها فاجأت الشعب السوريّ ذاته، ربّما لأنّهم، جميعاً، يتوقّعون كيف ستكون ردّاتُ فعل النظام القمعيّة. والنظام، وحده، كان متأكّداً ممّا سيفعله، وهو الذي خبِر أساليبَ كثيرةً في القمع، كانت تجربة حماة أقساها وأفظعها. كان يعرف أيضاً ما سيستخدمه من أساليبَ برع في استخدامها سابقاً، وهو الذي كان يحجز أكثر من 80% من الموازنات السوريّة سنويّاً لصالح شعارٍ ديماغوجيٍّ هو “الصمود والتصدّي”، بينما كانت تلك الموازنات تذهب “هباءً منثوراً”، لتغطي جرائمَ النهب والسرقة التي يقوم بها أركانُ هذا النظام، ولتنشرَ الفساد على أوسع مدىً في صفوف الجيش السوريّ. لم يقف النظامُ السوريُّ عند شعار “الصمود والتصدّي”، بل تعدّاه إلى شعاراتٍ ديماغوجيّةٍ أخرى كحماية الأقليّات، التي بدأ الحديث عنها يرتفع، ولاسيّما عند الأقليّات “الدينيّة”، ومن بينهم “المسيحيّون”1. وبدأت هذه “الأقليّات” تستذكر علمانيّةً وهميّةً، كانت غائبةً تحت ممارساتٍ واقعيّةٍ، أعلت من دور المؤسّسة الدينيّة في الدولة والمجتمع2. الديماغوجيّة إذاً، وهي واحدةٌ من أسرار نجاح النظام السوريّ في كمّ الأفواه وتغطية الفساد وحشد تأييد “الشعوب” العربيّة وقوى “اليسار” التقليديّة حول العالم.

ما هي الديماغوجيّة

“تدلُّ على مجموعةٍ من الأساليب والخطابات والحيَل والمناورات السياسيّةِ التي يلجأ إليها السياسيّون لإغراء الشعب أو الجماهير بوعودٍ كاذبةٍ وذلك، ظاهريّاً، من أجل مصلحة الشعب، وعمليّاً، من أجل الوصول إلى الحكم. وهكذا فإنَّ الديماغوجيّة هي موقف شخصٍ أو جماعةٍ يقوم على إطراء أو تملّق الطموحات والعواطف الشعبيّة بهدف الحصول على تأييد الرأي العامّ .. والكلام الديماغوجيُّ مبسّطٌ ومتزندقٌ يعتمد على جهل سامعيه وسذاجتهم وأحياناً على اغترابهم. من هنا، تلك السيطرة التي يمارسها على المخيّلة الجماعيّة لدى بعض الجماهير.”3 ويشير عددٌ من الباحثين إلى أنّ الديماغوجيّة ليست إلّا “إستراتيجيّةً سياسيّة تعتمد على مخاوف الجمهور المسبَقة”.

وزاوج النظامُ السوريُّ بين “الديماغوجيّة” و”البروباغندا”، التي تعني توجيهَ مجموعةٍ مركّزةٍ من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عددٍ من الأشخاص عبر إعطاءِ معلوماتٍ كاذبة لأنّها ناقصةٌ ولا تعكس الحقيقة كما هي، من أجل منح الشرعيّة لأيّة أفعالٍ عدوانيّةٍ ضدَّ المخالفين في الرأي والعقيدة والقوميّة.

“المسيحيّون السوريّون” من هم؟

تذكر “ويكيبيديا”، الموسوعة الحرّة، أنّ المسيحيّين السوريّين “هم المواطنون السوريّون الذين يحملون الجنسيّةَ السوريّة ويتبعون الدين المسيحيّ، يشكّلون 10% من مجموع السكّان”. بينما تتراوح نسبة المسيحيّين بحسب المصادر الرسميّة في سوريا من 8%  ـــ  10%، بعد أن كانوا يشكّلون نحو 30% من السكّان مطلع القرن العشرين. كان سكانُ سوريا من أوائل الشعوب التي اعتنقت الديانة المسيحيّة. حيث اعتنق الآراميّون (السوريّون القدماء) الديانةَ المسيحيّة فكانت الآراميّةُ لغة المسيح، كما اعتنقت بعض القبائل العربيّة التي استوطنت سوريا الديانة المسيحيّةَ مثل الغساسنة وبني تغلب. فهم، إذاً، “ليسوا جماعةً جاءت سوريا حديثاً بل وجودهم ووجودها صنوان”. وفي العصر الحديث قوي مسيحيّو البلاد من خلال هجرتين وافدتين، الأولى في أعقاب المجازر بحقِّ الأرمن والتي أفضت إلى استقرار أعدادٍ كبيرةٍ منهم في سوريا، والثانية في أعقاب المجازر بحقِّ الآشوريّين التي أفضت بدورها إلى استقرار أعدادٍ كبيرةٍ منهم في الجزيرة الفراتيّة. غير أنّه ومنذ منتصف القرن العشرين بدأت الهجرةُ العكسيّة بين المسيحيّين السوريّين.

ومسيحيّو سوريا متنوّعون طائفيّاً فهناك الروم الأرثوذكس، وهم الأغلبيّة، يليهم السريان الأرثوذكس والروم الكاثوليك، مع وجود جماعاتٍ مختلفةٍ من اللاتين والبروتستانت والموارنة والكلدان والآشوريّين والسريان الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والأرمن الكاثوليك.

وإذا كانت الأقليّات الدينيّة تُعرّف بأنّها “طوائفُ بشريّةٌ تعتنق ديانةً معيّنةً تختلف عن تلك التي تعتنقها الأكثريّة داخل البلد الواحد”، فيمكن القول إنّ المسيحيّةَ السوريّة كانت “أكثريّةً” تحوّلت إلى “أقليّةٍ” نتيجة تطوّراتٍ تاريخيّةٍ عديدةٍ، وكانت في بعضٍ منها تطوّراتٍ “قسريّة”.

المسيحيّون السوريّون ضحيّة “الأيديولوجية”

لم يتضمّن إعلان الأمم المتّحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليّاتٍ قوميّةٍ أو إثنيّةٍ وإلى أقليّاتٍ دينيّةٍ ولغويّة4، أيّ حقّ بالتنظيم السياسيِّ على أساسٍ “أقلويٍّ”. حيث ركّز هذا الإعلانُ على حقِّ “حماية وجود الأقليّات وهويّتها الثقافيّة والدينيّة واللغويّة”، و”الحقُّ في المشاركة في الحياة الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعامّة”، و”الحقُّ في إنشاء الرابطات الخاصّة بهم”، و”جميع حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة الخاصّة بهم ممارسة تامّة وفعّالة، دون أيّ تمييزٍ وفي مساواةٍ تامّةٍ أمام القانون”.

وهذا يعني أنّه لا يجوزُ، أساساً، قولبةُ وتنميط أيّ “أقليّةٍ” ضمن اتجاهٍ سياسيٍّ واحدٍ، وهذا ما خبره المسيحيّون السوريّون في حيواتهم السياسيّةِ بعيداً عن الانتماءات الدينيّة، حيث لم تعرفْ سوريا الأحزابَ الدينيّة5 ، هذا من جهةٍ، أمّا من الجهة المقابلةِ فيبدو أنّ السياسيّين المسيحيّين أنفسهم لم يكونوا مقتنعين بالأحزابِ الدينيّةِ، حتّى إنّ عدداً بارزاً منهم كان زعيماً لحركاتٍ وأحزابٍ علمانيّةٍ، مثل فارس الخوري البورجوازيّ، وميشيل عفلق البعثيّ، وإلياس مرقص الماركسيّ القوميّ. لكنّ النظامَ السوريَّ بدأ حربه الإعلاميّة ضدَّ الثورة السوريّة بالترويج لتصنيفها حركةً طائفيّةً، وفق ما صرّحت به بثينة شعبان مستشارةُ الرئيس السوريّ في 24/3/2011 بأنّ ما يجري هو “مشروعُ فتنةٍ طائفيّةٍ تُحاكُ ضدَّ سوريا”!

لقد بدأ النظام حملةً لتنميط الثورة وقولبتها من أجل خلق ردّات فعلٍ تنميطيّةٍ لدى “الآخر”، والذي هو هنا كلُّ من لا ينتمي لطائفة المحتجّين في درعا البلد. وهذا التنميط ليس إلّا إستراتيجيّةً ديماغوجيّةً من أجل دفع “الأقليّات”، وضمنهم المسيحيّون السوريّون، إلى الحذر، بدايةً، من هذه التحرّكات، وتهيئة البيئة المناسبةِ لتعزيز مخاوفهم منها، ومعاداتها لاحقاً. وتابع النظامُ في هذه الإستراتيجيّة مع اقتراب أعياد الشعانين لدى الطوائف المسيحيّة التي كانت في يوم الأحد 17/4/2011، وبعدها كانت أعياد الجمعة العظيمة والفصح. فبدأ بوضعِ رجال أمنه على أبوابِ الكنائس بعد أن طلبَ من السلطات الكنسيّة قصرَ الاحتفالات 6 على الاحتفالات الكنسيّة فقط، وزرع الخوفَ والتوجّسَ عندهم من أيّ تحرّكٍ خارج الكنائس حتّى لا تتمكّن قوى “مشروع الفتنة الطائفيّة” من إلحاقِ “الأذى” بالمسيحيّين!

وسرعان ما استجابت “غرائز” الخوفِ لهذه الدعوة، وتعزّزت مع إشاعاتٍ تتحدثُ عن العثور على قنبلةٍ أمام هذه الكنيسة أو تلك. كما استفادت آلةُ النظام الديماغوجيّة من دعوة المعارضة السوريّة لتسمية يوم الجمعة 22/4/2011 بـــ “الجمعةِ العظيمة”، وهو اليومُ المصادف لمناسبة “الجمعة العظيمة” عند المسيحيّين.

هدفت المعارضةُ السوريّة في هذه الدعوةِ إلى “طمأنة” المسيحيّين في سوريا ومشاركتهم في أعيادهم، والردِّ على ادّعاءاتِ النظام بطائفيّة الثورة، لكنَّ التعاملَ مع المسائل الدينيّة يتجاوزُ النوايا الطيبة، ولاسيّما مع استيقاظ غريزةِ “الخوف” مع تكرار استخدام النظام لشعار “سوريا، الأمن والأمان”!.. فذكرى “الجمعة العظيمة” ترتبطُ بأساس الدين المسيحيِّ الذي يقوم على الإيمان بموت المسيح، يوم الجمعة العظيمة، فداءً للبشريّة، على أن “يقومَ من بين الأموات” صبيحة “الفصح”. فالجمعة عظيمةٌ لأنها خاصّةٌ بالمسيح، وحده، فكيف يمكن أن يشاركه فيها “الآخر” الذي يهدّدُ رعيّته، كما صوّره النظامُ؟! وممّا زاد من التوتّرات المصاحبةِ لهذه الأعياد أنّ المعارضة السلميّةَ كانت تخطّط، في اليوم ذاته، للوصولِ إلى ساحةِ العباسيين، منطلق الشوارع الرئيسة التي تقطن فيها غالبيّةٌ مسيحيّةٌ؛ فازداد الخوفُ وفعل فعله.

وكان تعيين وزير الدفاع السوريّ العماد داوود راجحة نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع السوريِّ7 إشارةً واضحةً للمسيحيّين، ولاسيّما أنّه أولُ مسيحيٍّ يصل إلى رتبة وزير الدفاع منذ وصول حزب البعث إلى الحكم في سوريا، وأعيد تعيينه بالمنصب نفسه في حكومةِ رياض حجاب، واستمرَّ بمنصبهِ حتّى مقتله في 18 تموز 2012 بتفجير مبنى الأمن القوميِّ. واللافت أنّ راجحة جاء خلفاً للعماد علي حبيب، الذي جرى تعيينه عام 2009، والذي احتفظ بمنصبه في حكومةِ عادل سفر التي شُكِّلت في الشهر الرابع 2011، ممّا يعني أنّه بقي من “أهلِ الثقة” لدى النظام بعد قراراتِ اقتحام الجيش لمحافظةِ درعا؛ إلّا أنّ خبرَ الوكالة السوريّة للأنباء الخاصّ بالتعديل الوزاريِّ الجزئيِّ اشتمل على إشارتين متناقضتين، حيث أشارت الوكالةُ إلى “أنّ هذا التعديلَ يأتي في سياق التنقلاتِ التي شملت قبل فترة عدداً من المسؤولين في مفاصل الدولة بعد اللقاءات المباشرة التي عقدها الرئيسُ الأسد مع وفودٍ شعبيّةٍ ومواطنين”، وتابعت الوكالة “أنّ العماد حبيب كان قد ألمّ به المرضُ منذ مدّةٍ، وقد ساءت حالته الصحيّة في الفترة الماضية.”!..

وما يهمّنا هنا هو أنّ ملابساتِ غياب “حبيب” بعد أقلّ من أربعة أشهرٍ على احتفاظه بمنصبه بقيت غامضةً، ولاسيّما أنّ هذا التعديل الوزاريَّ كان تعديلاً جزئيّاً، وأنّ أسبابَ التعديل، التي شملت “حبيب” تراوحت بين “اللقاءاتِ المباشرة .. مع وفودٍ شعبيّةٍ ومواطنين” وبين “المرض”! ممّا يوحي أنّ إحلالَ راجحة محلّه هو أمرٌ مدروسٌ، وليس محض مصادفةٍ. ولم يكتفِ النظام بهذه الإشارات التي تتصل بتدابيرَ داخليّةٍ، بل تجاوزها إلى استخدام البروباغندا، عندما عمل على الاستفادة من الشخصيات “المسيحيّة” اللامعة خارجَ سوريا. وكان في مقدمة هذه الشخصيّات الجنرال ميشيل عون، رئيس التيار الوطنيّ الحرّ في لبنان، الذي بدأ “يتهم لبنانيّين بتمويل الثورة السوريّة”، وأخذ يردّد “ليست ثورةً بل أعمالَ شغبٍ ومن حقّ الجيش القضاء عليها”!..

وكان واضحاً أنّ الجنرال عون سيقوم بهذا الدورِ على أكمل وجهٍ منذ أن ظهر على شاشة الإخباريّة السوريّة8عندما سُئل عن رأيه بما يجري في سوريا، حيث اعتبر أنّه “بالتأكيد لا يمكننا أن نُخرجَ ما يجري اليوم في سوريا من الإطارِ العامِّ لما هو مخطّطٌ في السّياسة الأميركيّة”. وتابع مبرّراً قمعَ النظام السوريِّ للثورة “فأُجبِر النّظام السوريّ على الدفاع عن وجوده، أصبحَت معالجة الوضع الجديد بالقوّة ملزمةً لتوقيف العمل المسلّح الهادف إلى ضربِ الاستقرار وإشاعة الفوضى على الأراضي السوريّة”.

وفي اللقاء ذاته، لم يفوّت إعلام النظام فرصة الاستفادة من “مسيحيّة” الجنرال، عندما سأله المذيع: “تُعتبرُ من الطبقة الأولى التي تحمل مشعل المسيحيّين المشرقيّين في هذه المنطقة. .. كيف تنظرون لبروز مجموعةٍ مسلّحةٍ متشدّدةٍ في قلب سوريا، وما تأثيرها في رأيكم على المسيحيّة المشرقيّة الّتي تُعتبرُ همّاً أساسيّاً لكم؟”.. وكان ردُّ الجنرال متوقَّعاً! “النظام في سوريا هو مدنيٌّ يحترم حقوق جميع الطوائف والمذاهب، وهذا الأمرُ يزعج المتطرّفين .. لذلك هناك محاولة إلغاءٍ لبعض مكوّنات المجتمع، ولا يمكننا أن نتخيّل سوريا من دون مار بولس، ومن دون انتشار الكنيسة الأوّل.. وكلّ الكنيسة المشرقيّة لها لقبٌ واحدٌ، “بطريرك أنطاكية وسائر المشرق” .. وسوريا لم تتخلَّ عن إنطاكية”. جملٌ مترادفةٌ كثيرةٌ استخدمها الجنرال حتّى يؤكّدَ فكرتين اثنتين: الثورة طائفيّةٌ وتريد “إلغاء” الآخر، والنظام هو، وحده، القادرُ على حماية الآخرين! ليس فقط حماية مسيحيّي سوريا، بل حماية “المسيحيّين في الشرق”، هي التي جعلت الجنرال يشعر بـــ “الخشية على كلّ النظام لأنّه الأكثر انفتاحاً”!.. وكانت زيارةُ بطريرك الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة 9  إلى دمشق في تشرين الأوّل 2011 واحدةً من أهمّ الرسائل التي بعث بها النظامُ إلى مسيحيّي سوريا، ولاسيّما أنّه التقى الرئيس السوريّ، وكانت “القيادة السوريّة” ممتنّةً لهذه الزيارة لأنّها وجدت “في شخصيّة قداسةِ البطريرك إنساناً يتألّم لما تمرُّ به سوريا وشعبها” 10  بحسب ما صرّح به الناطق الرسميّ باسم بطريرك موسكو وسائر روسيا.

وجاءت مناسبة تنصيب بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنّا العاشر اليازجيّ في شباط 2011 فرصةً “كبيرةً” لفرصةٍ “أكبر” غطّت على حدث التنصيب ذاته، وهي زيارةُ البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لسوريا. هذه الزيارة التي ظهرَ أثرها السياسيُّ مباشرةً، بعد أن أحدثت انقساماً كبيراً في الصفّ المسيحيّ اللبناني، ممّا دعا مصدراً كنسيّاً كاثوليكيّاً لأن يصرّح لجريدة الديار اللبنانيّة: “لو كنت مكان البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لما زرت سوريا وأطلقت تصريحاً من هناك لأنّ البلدَ مقسومٌ” 11.

وأوصل البطريرك في عظته الرسالة ذاتها التي استمرَّ النظامُ في التأكيد عليها، من ثاروا هم من أذكى الحرب والدمار: “كفى إذكاءً للحرب والدمار والقتل من أيِّ جهةٍ أتى. يقولون من أجل الإصلاحات” .. “لكن الإصلاحات لا تُفرض فرضاً من الخارج، بل تنبع من الداخل حسب حاجات كلّ بلدٍ، ولا أحد أدرى بشؤون البيت مثل أهله” 12. استغلّ النظام السوريّ الشعارات أيضاً، من أجل إيهام الجميع بأنّه نظامٌ “علمانيٌّ”، رغم أنّ دستور البلاد، الذي أُقرّ في عهده، اشترط أن يكون رئيس البلاد مسلماً. فكانت علمانيّته اسماً دون مسمّى، حيث لا يمكن لأيّ سوريٍّ من منبتٍ مسيحيٍّ أن يحلم بأن يصبح رئيساً للجمهوريّة بينما أصبح سعيد إسحق، السريانيّ البرلمانيّ، رئيساً بالوكالة لسوريا بحكم الدستور 13  في كانون الأوّل 1951، وإن كان لفترةٍ قصيرةٍ جداً.

لقد استفاد النظام السوريُّ من كلّ الفرص المتاحة، ولم يوفّر أيّة وسيلةٍ من أجل دفع “المسيحيّين السوريّين” إلى التقوقع على ذاتهم ك ـــ “أقليّةٍ” خائفةٍ من الآخر الذي شيطنه النظام، ورغم أنّه لم ينجح في محاولاته هذه، إذ إنّ تجارب السياسيّين السوريّين من منبتٍ مسيحيٍّ استطاعت كسر هذه الحلقة، كما كسرتها سابقاً. فقد عرفت الثورة مشاركةً نشطةً من ناشطاتٍ وناشطين من منبتٍ مسيحيٍّ، اعتُقل بعضهم واستشهد بعضهم الآخر، بينما يتابع الآخرون نضالهم من أجل كسر التنميط والقولبة اللذين استخدمهما النظام والمعارضة معاً 14. إلّا أنّ المشكلة بقيت عند الإكليروس المسيحيّ، الذي كانت مواقف بعضه صريحةً في دعم النظام بلا حدودٍ، وانخرط في جيشه الإعلاميّ، وأخذ يقوم بأعمال “المخبرين”؛ بينما كانت مواقف بعضهم الآخر، ضمناً، مواقفَ معارضةً لسياسات النظام 15 ورافضةً لـــ “تشبيح” 16  بعضهم الآخر. أمّا الآن فربما اهتزت قناعاتُ هؤلاء لأنّ “المعارضة المسيحيّة لم تستطع أن تقنع الإكليروس بمعارضة النظام .. وما زاد الأمر سوءاً بين الإكليروس المسيحيّ والمعارضة السوريّة ككلٍّ، عدم محاربة الأخيرة بشكلٍ مباشرٍ وعلنيٍّ الظواهر التكفيريّة، ومنها “جبهة النصرة” وغيرها من الكتائب المسلّحة ذات المنحى الدينيّ التي أعطت مكسباً للأسد أكثر ممّا أوقعت به من خسائر”.17 وهذا ما دفع مصدراً مقرّباً من الكنيسة الأرثوذكسيّة للتصريح لموقع “NOW، “بأنّ “المعادلة تغيّرت” .. كنّا على الحياد، وكان همّنا أن نحفظَ رؤوسنا، وعندما بدأت الثورةُ في سوريا بدأنا التنسيق معها من أجل التغيير السلميّ، لكنّ الوضع الميدانيّ والسياسيّ تغيّر، وبات الخطرُ يدقّ بابنا، المعادلة تغيرت”18.

المشكلة إذاً عند الإكليروس، الذي يستطيع تحريك الشارع “المسيحيّ” غير المسيّس، هذا الشارع الذي تسيّره مخاوفه التي تفاقمت بفعل ممارساتٍ قامت بها الكتائب الجهاديّة المتطرّفة، مثل خطف المطرانين حنا واليازجي، والاعتداء على بعضِ الكنائس والرموزِ الدينيّة المسيحيّة، الأمر الذي يعزّز قناعاتهم بأنّهم سيخسرون “أمناً وأماناً”. لم يكن بإمكان النظام النجاحُ، وإن لم يكن كاملاً، في حربه الأيديولوجيّة هذه لولا قدرته على تعزيز المخاوف، فكلّ شيءٍ مباحٌ في سبيل الاحتفاظ بالسلطة والبقاء على قيد الحياة، ولو كان الثمن الدفعَ نحو الحرب الطائفيّة، والتي هي “المحرّك القذر الذي يضمن استمرار جرائم الحرب والجرائم ضدَّ الإنسانيّة، ناهيك عن الهويّةِ الطائفيّة لضحايا هذا الاقتتال، فنحن نشهد حملةً من القتل الجماعيّ والإرهاب والتشرّد الداخليّ والخارجيّ للسوريّين” 19.


البحث ضمن الكتاب:

Download (PDF, Unknown)