“داعش” النسخة الأكثر تطرفاً للإسلام السياسي

مقدمـــــــة:
تحوّل تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” والمعروف إعلاميّاً بـــ”داعش” إلى واحدٍ من أكثر التنظيمات السياسية للإسلام السياسيّ تطرفاً وقوةً. وخلال فترةٍ قصيرةٍ نسبياً تمكّن مقاتلو التنظيم من السيطرة على مساحاتٍ واسعة من الأراضي، وصلت حتى 35-40% من مساحة الأراضي السورية بحسب مراقبين.
وبحسب أحد الباحثين) ( “فإن العالم لم يواجه من قبل تنظيماً إرهابياً مماثلاً تمكن من السيطرة على كلِّ تلك المساحات من الأراضي”، وتأتي سيطرة التنظيم على مطار الطبقة السوري ليؤكدَ من جديد قدرة هذا التنظيم على التمدّد والسيطرة على مزيدٍ من المساحات والمواقع الإستراتيجية، وبسرعةٍ تثير التساؤل أكثر مما تثير الإعجاب، فخلال أقل من شهر تمكّن التنظيم من السيطرة على مواقعَ عسكريّةٍ تابعةٍ لنظام الأسد كانت قد صمدت لأشهر طويلة في وجه هجمات مقاتلي الجيش الحر السوري وباقي الكتائب الأخرى، كمقرِّ الفرقة 17 واللواء 93 في الرقة وأخيراً مطار الطبقة العسكري.
وبقدر ما يشكل تنظيم ”داعش” اليوم خطراً على سوريا ككلٍّ، فإنه، وفي ظلِّ تسارع انتصاراته العسكريّة، بات يشكل خطراً على أمن المنطقة بالكامل، وهو ما دفع بدول العالم إلى استصدار قرار مجلس الأمن رقم 2170 الأمميّ، والذي يُعدُّ مؤشراً إلى التحالف الدولي الجديد الذي استدعاه خطر هذا التنظيم.
وأيّاً يكن الأمر، فإن تنظيم ”داعش” يستثير العديد من التساؤلات حول منشئه وطبيعته ومصدر تمويله.
1-1: ما هو تنظيم ”داعش”؟
في الوقت الذي يرى فيه العديد من المحللين أن التنظيم هو “خليقة” النظام السوري، وأنه نشأ وتمدّد برعايته وتحت أنظاره، يرى آخرون أن هذا التحليل تبسيطيٌّ لا يضيف شيئاً على معرفتنا به؛ هذا عداك عن اتهامهم هذا التحليل بأنه لا يخرج عن إطار “التكهنات”، وأنه قد يكون من الصحيح أن نظام الأسد كان قد عمل على توظيفه ورعايته بشكلٍ غير مباشر، وذلك في سبيل توظيفه ضدَّ خصومه من المعارضة السورية، إلا أن المعطيات الواقعية تشير إلى أنه تنظيم مستقل، وأن نظام الأسد سيدفع، بل إنه يدفع الآن ضريبة “لعبه بالنار”، وهو ما رأيناه في عجزه عن مواجهة التنظيم في أكثر من موقعةٍ عسكرية، آخرها كان مطار الطبقة الإستراتيجي.
كما أن المسألة في تحليل ونقاش بنية ““داعش”” وآليات اشتغاله لا يمكن إحالته، أو قل اختزاله، إلى العلاقة مع “الدين الإسلامي”؛ فالنقاش حول إن كان هذا التنظيم هو الإسلام الأول أم لا، لا يعدو كونه محاولةً إلى نقل النقاش من حقله السياسي الذي تنتمي إليه “ظاهرة” “داعش”، إلى حقلٍ أيديولوجيٍّ- ثقافيٍّ عابرٍ للتاريخ. وهو – أي النقاش- لا يعطي أهميةً إلى الزمن البنيويّ الراهن الذي ينتمي إليه تنظيم ”داعش” والتنظيمات التي تشبهه. ويغيب عن الذهن أن الإسلام السياسيَّ، وتحديداً الفصائل الأشد تطرفاً، ومنها ”داعش” بطبيعة الحال، هي نتاجُ التناقضات الراهنة لمجتمعاتٍ فشلت نظمها في السير بتنميةٍ مقبولة، كما فشلت في نقل مجتمعاتها إلى عصر الحداثة.
1-2: ”داعش” المنشأ والسياق
أول ظهورٍ لتنظيم ”داعش” في سوريا كان في نيسان من عام 2013، وكان نتيجةً لإعلان التنظيم العراقيّ الاندماجَ بين تنظيمي دولة العراق الإسلامية التابع للقاعدة، وتنظيم جبهة النصرة السورية، قبل أن ترفضَ الأخيرة هذا الاندماج وتعلن معاداتها لتنظيم “الدولة”، وهو ما سيحدّد طبيعة العلاقة بين هذين الطرفين كعلاقة صراع، وصل إلى الاحتراب والاقتتال منذ مطلع عام 2014( ).
يعود تنظيم ”داعش” بمنشئه إلى العراق، حيث نشأ التنظيم هناك تحت اسم “جماعة التوحيد والجهاد” ليصبح فيما بعد تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي عام 2004( ).
بعد مقتل “الزرقاوي” عام 2006 على يد القوات الأمريكية، تمَّ تنصيبُ أبي حمزة المهاجر لقيادة التنظيم، والذي سيصبح اسمه تنظيم “دولة العراق الإسلامية”؛ حيث سيُنصَّبُ أبو عمر البغدادي زعيماً له، والذي ستنجح القوات الأمريكية في قتله ونائبه أبا حمزة عام 2010، ليتمَّ تنصيب أبي بكر البغدادي فيما بعد في زعامة التنظيم الذي سيصبح تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.
وعلى الرغم من أن أبا بكر البغدادي كان شخصيةً مغمورةً من بين قيادات تنظيم القاعدة، إلا أن مبايعة القائد حجي بكر( ) له لخلافة التنظيم بعد مقتل أبي عمر البغدادي، قد سهلت وصوله السلس إلى قيادة التنظيم.
وحجي بكر، الرجل الذي أدّى دوراً محوريّاً في صعود أبي بكر البغدادي، هو عقيدٌ ركنٌ سابق في الجيش العراقي. حيث تشير المعطيات إلى أن مبايعة المجلس العسكريّ ل أبي بكر البغدادي كأميرٍ للتنظيم، كانت بمبادرةٍ من حجي بكر الذي اعتبر صاحب المرحلة الجديدة في حياة “الدولة” والقائد في الظل( ).
منذ عام 2013 والتنظيم يتخذ من العراق وسوريا مكاناً لنشاطه وعمليّاته العسكرية والسياسية ، ومن المعروف أن التنظيم كان قد خرج من عباءة تنظيم القاعدة في العراق، والذي سيتنصّل منه فيما بعد ويصبح واحداً من أشدِّ التنظيمات الجهادية تطرفاً، وأيضاً عداءً لتنظيم القاعدة ذاته، وهو ما يجعل من تنظيم ”داعش” الجيل الأحدث للتنظيمات الجهادية في العالم.
في عام 2011 اعتمد تنظيم دولة العراق الإسلامية على محمد الجولاني) ( في سوريا، وكان أحدَ قادة التنظيم الموثوق بهم، والذي كُلِّف بالإشراف على السلفيّين الجهاديّين في سوريا وتنظيم صفوفهم، وفي عام 2012 تمَّ الإعلان لأول مرة عن تشكيل “جبهة النصرة”( )، والتي باشرت بتنفيذ مجموعةٍ من العمليات الانتحارية داخل سوريا وتحديداً في العاصمة دمشق، مستهدفةً مقرّاتٍ أمنيّةً وحكوميةً تابعة لنظام الأسد.
بعد فترةٍ قصيرة من إعلان تشكيل “جبهة النصرة” نشأ أوّلُ خلافٍ بين الجولاني وأبي بكر البغدادي، عندما طلب الأخير من الجولانيِّ في اجتماعٍ في استانبول توجيه ضرباتٍ ضدَّ الجيش الحر، وهو ما رفضه الجولاني في تلك الأثناء، مما أسس لخلافاتٍ جذريّةٍ بين القيادتين، والتي ستفضي فيما بعد إلى الاقتتال فيما بينهما( )؛ حيث انتهى الأمر وكما هو معروفٌ برفض الجولاني للاندماج مع تنظيم أبي بكر البغدادي مطلع عام 2014( ).
تكمن قوة هذا التنظيم في عدّة نقاطٍ؛ أهمُّها قدرة خطابه الأيديولوجي على التعبئة والدفع بالعديد من الشبان من مختلف أصقاع العالم إلى الالتحاق به والانخراط في عملياته العسكرية، وبحسب ريتشارد باريت( ) “إن كنت شاباً يريد الفعل، فستذهب مع البغدادي”، في إشارةٍ إلى الدينامية التي بات يمتلكها التنظيم والممارسة العملية التي باتت تستقطب العديد من الشبان المقاتلين.
وبحسب عدّة مصادر، فإن العديدَ من مقاتلي التنظيم هم من الأجانب الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، منهم أكثرُ من ألفي مقاتلٍ من أصلٍ مغربيّ، انضموا للقتال في صفوف التنظيم( )، بينما العشرات من القادة الميدانيّين للتنظيم هم من الخارج ممن اكتسبوا خبراتٍ قتاليةً في العراق والشيشان وأفغانستان.
لا جدال اليوم في أن تنظيم ”داعش”، هو واحدٌ من أقوى التنظيمات المتطرفة في العالم، إن كان من حيث القدرة التنظيمية أو من جهة التمويل والقوة الاقتصادية، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول مصادر تمويل التنظيم لعملياتٍ عسكريّةٍ يرى العديد من المحللين أنها تقترب من طبيعة العمليات العسكرية التي تتولاها دولٌ برمتها.
1-3: مصادر التمويل.. غابة شائكة من التكهنات
يقترب الحديث حول مصادر تمويل تنظيم ”داعش” من الخرافات والأساطير، إذ لا وثائقَ تثبت وجهات النظر، ولا مصادر موثوقة يمكن أن يركن إليها ولا حتى شهادات، كلُّ هذا يجعل من البحث في مصادر تمويل التنظيم أقرب إلى التكهنات المحكومة بالسياسة في كثيرٍ من الأحيان.
لذا ساد اتهام تنظيم ”داعش” بتلقي التمويل من قبل نظام الأسد وإيران التي تقف خلف حكومة المالكي العراقية( )، حيث يرى هؤلاء أن تنظيم ”داعش” أشبه بحصان طروادة بالنسبة لنظام الأسد وحليفه الإيراني لضرب قوى الثورة السورية.
بينما يرى آخرون، أن السعودية تقف خلف تمويل التنظيم( )، وذلك بحجة أن للسعودية مصلحةً فعليةً في خلق كيانٍ قادرٍ على مواجهة المدِّ الشيعيّ في العراق، والوقوف في وجه التوسع الإيراني في المنطقة، ولاسيّما بعد أن سلمت الولايات المتحدة الأميركية العراق للنفوذ الإيراني؛ عداك عن أن السعودية كانت تموّل القاعدة فيما مضى ضدَّ السوفييت والحكومة الموالية لهم في أفغانستان، فلِمَ لا تموِّل تنظيم ”داعش” لضرب أعدائها؟
إضافةً إلى كلِّ ما سبق، هناك تكهناتٌ حول وقوف بلدان أخرى خلف تمويل تنظيم ”داعش”، كالكويت وقطر وتركيا وحتى إسرائيل، حيث يقف خلف جميع هذه الاحتمالات المصالح السياسية والجيوسياسية التي يمكن أن يوفرها دعم تنظيم كتنظيم ”داعش” لهذه البلدان.
وأياً يكن الأمر، فإننا مهما بحثنا لن نجد ما يدعم ويؤكد أيّاً من هذه السيناريوهات، إلا أنه وبالاستناد إلى عدة مصادر، سنجد أن لتنظيم ”داعش” مصادرَ تمويلٍ ذاتية تعدُّ جزءاً أساسياً من آليات عمل التنظيم وهيكليته التنظيمية، ولها أهميةٌ حاسمةٌ تجعل من البحث عن مصادر تمويل أخرى بلا معنى، حيث يوضح هذا الشكل من التمويل عدم الحاجة الفعلية لمصادر أخرى.
فمنذ استلام أبي بكر البغدادي زعامة التنظيم، عمد، وبالتنسيق مع حجي بكر سابق الذكر، إلى إعادة هيكلة التنظيم بالكامل؛ فتم تشكيل “خليةٍ” أمنيةٍ تقوم مهمتها على حماية التنظيم من أي اختراقٍ أمنيٍّ محتمل، تحت إمارة ضابطٍ سابق يُدعى “أبا صفوان الرفاعي” يتبع مباشرة قيادة التنظيم. ومهمة هذا الجهاز هي تصفية من ينشق أو يعصي أمير الدولة سواء من القادة الميدانيّين أو القضاة الشرعيّين.
بينما على صعيد تأمين تمويل عمليات التنظيم واحتياجاته المالية، فقد حرص الاثنان –أبو بكر وحجي بكر- “على ضمان توفير الموارد المادية الدائمة؛ فتواصل العمل بما قرره «أبو عمر البغدادي» من مصادرة أموال الشيعة والمسيحيين وغير المسلمين، وعملاء النظام، حتى لو كانوا من السنة. إضافة إلى الاستيلاء على مصادر النفط ومحطات توليد الطاقة والوقود، وأي مصادرَ ماليةٍ حكومية في «دولة العراق»، وما لا يمكن الاستيلاء عليه بالكامل يقع إجبار صاحبه على دفع معلومٍ شهريٍّ تحت مسمّى ضريبة. كما أن موارد الدولة المالية تأتي من عائدات نقاط تفتيش على الطرق البرية المكلفة بتحصيل أموال من الشاحنات التجارية”( ).
ومع تمدّد التنظيم داخل العراق وداخل الأراضي السورية، تمكّن التنظيم من إحكام سيطرته على آبار النفط من جهة، والمعابر الحدودية وطرق الترانزيت من جهة أخرى، وهو الشيء الذي وفر للتنظيم مصادرَ تمويلٍ لا تنضب –وصلت الضريبة على الشاحنات حتى 200 دولار- ولاسيّما بعد اعتماد التنظيم على سياسة بيع النفط الخام بأسعارٍ مخفضة ولكن بكمياتٍ كبيرة، وفرت له ملايين الدولارات التي لا تنتهي.
وكانت قد قدرت عدة تقارير استخباراتية حجمَ الأموال الطائلة التي استولت عليها «الدولة الإسلامية في العراق والشام» من المصارف العراقية، والتي تقدرها التقارير بما يصل إلى 495 مليون دولار ، يقول جيفري وايت الباحث في معهد واشنطن للدراسات: خلال العمليات العسكرية الأخيرة التي شنّها تنظيم ”داعش” في العراق تمكن من “الاستيلاء على كمياتٍ كبيرةٍ من المعدّات العسكرية، ونهب مئات الملايين من الدولارات من المصارف العراقية، والبدء بتكوين نفوذه كسلطةٍ حاكمةٍ على مساحةٍ كبيرة من الأراضي السنية”( ). وهو أمرٌ لا يشكل في حقيقة الأمر إلا جزءاً يسيراً من الأموال التي استولى عليها التنظيم خلال السنوات القليلة الماضية( )، والتي ستزداد باطِّراد مع كلِّ توسّعٍ للتنظيم في سوريا ومع كلّ استيلاءٍ جديدٍ على خطوط الإمداد وحقول النفط السورية. ففي 2 فبراير 2014 على سبيل المثال تمكن تنظيم ”داعش” من الاستيلاء على حقل غاز “كونوكو” والمعروف بقيمته الاقتصادية، حيث يدرُّ مئات آلاف الدولارات أسبوعياً( )، بينما يشكل حقل غاز “شاعر” الذي تمكن التنظيم من الاستيلاء عليه مؤخراً واحداً من أضخم حقول الغاز في سوريا.
على صعيدٍ ماليٍّ واقتصاديٍّ، يعتقد الباحث أن تنظيم ”داعش” كان عبر سنوات نموّه وتشكله قد تمكن من تحقيق اكتفاءٍ ذاتيٍّ( ) سمح له عبر قنواتٍ مالية متعددة من تأمين تكاليف عملياته الباهظة، ودفع مستحقات مقاتليه وما إلى ذلك، بيد أن ذلك لا يعني على الإطلاق استقلالية التنظيم، فالاستقلالية الاقتصادية –إن وجدت- فهي لا تقود إلى استقلاليّةٍ سياسيةٍ، وهو ما يعدُّ مربطَ الخيل بالنسبة لتنظيم ”داعش”.
فهل للتنظيم استقلاليةٌ سياسية توازي استقلاليته الاقتصادية والمالية؟
2-1: تاريخ مشبوه

ككلِّ التنظيمات السياسية، ينقسم تنظيم ”داعش” إلى طبقتين أساسيتين: الأولى وهي القيادات السياسية العسكرية والدينية للتنظيم، والثانية هي القاعدة العريضة التي يتشكل منها التنظيم، والتي تضمُّ جميع المقاتلين الشبان على الجبهات، والدعاة والإعلاميين وغيرهم؛ وهذا التمييز يكتسي أهميةً حاسمةً، ولاسيّما عندما نعلم الطبيعة الشمولية لتنظيم ”داعش” والتي تضع حدّاً فاصلاً بين القيادات، والتي تبادر باتخاذ جميع القرارات الحاسمة للتنظيم، وقاعدة التنظيم والتي في مطلق الأحوال تبقى بمعزل عن صناعة القرارات وتكتفي بتلقي الأوامر وتطبيقها. وهي ملاحظةٌ سنكتشف لاحقاً أهميتها.
2-2: أمراء ”داعش” وقادته السياسيّون
يحيط بالعديد من قيادات تنظيم”“داعش”” الرفيعة الكثير من الشكوك وإشارات الاستفهام، حول درجة ارتباطها المباشر أو غير المباشر مع أجهزة مخابرات دولٍ مختلفة، وفي مقدمتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للنظام السوري.
فعلى سبيل المثال: المدعو أبو أحمد حاووط، وهو واحدٌ من أهم القيادات في تنظيم ”داعش” ويشغل منصب مسؤول أمن حلب، كان أثناء الثورة السورية يشغل منصبَ ضابطٍ في مخابرات أمن الدولة التابع للنظام السوري في حلب، ولم ينشق إلا بعد مضي نحو عامين ونصف على الثورة، وبعد انشقاقه بفترةٍ قصيرة –نحو الشهر- وبحسب وكيليكس ”داعش”: “التحق بداعش واستلم المهمة نفسها وهي مسؤول أمن ”داعش” في حلب، وقام بمجازرَ كأيام خدمته للأسد، حتى إنه أعدم بيده ابنَ أخيه “نور” بعد تعذيبٍ طويلٍ له ولأصحابه ممن اعتقلوا معه لاشتراكهم في الثورة، الحاووط عَذّب وأصدر أحكام إعدام بحقِّ كثيرٍ من الشباب السوري وأغلبهم وجدت جثثهم في مقبرةٍ جماعيةٍ عند انسحاب ”داعش”( ).
وبحسب أحد الذين كانوا معتقلين في سجون تنظيم ”داعش”، والذي تمكن من الفرار لاحقاً فإنه يقول: “أبو أحمد الحلبي –وهو اللقب الآخر لأبي أحمد حاووط- رئيس مخابرات حلب وهو رجلٌ يُعرَف بانتمائه لحزب البعث سابقاً، وانطوى تحت تنظيم الدولة بعد ظهور الدولة بشهر من انشقاقها عن جبهة النصرة، وقد كان قبل هذا ينتمي لدولة النصيرية، وقد كان مسجوناً معي ابن أخيه نور حاووط وشابٌّ آخر اسمه مجد مستو وهم يعرفون تاريخه السابق، فهو ممن كان يعطي المعلومات للشبيحة عن مواقع المجاهدين والثوار، فكيف أصبح رئيس مخابرات حلب للدولة؟”( ).
والأمر لا يقتصر على تنظيم ”داعش”، بل يتعداه ليطالَ أغلب التنظيمات المشابهة، فأبو خالد السوري، وهو واحدٌ من أبرز قيادات تشكيل أحرار الشام الإسلامي، والذي كانت ”داعش” قد وضعته على رأس قائمة المطلوب تصفيتهم من قبلها، والذي فعلاً تمَّت تصفيته لاحقاً، هو محمد بهايا مواليد حي البيّاضة في حلب عام 1963، انتسب للطليعة المقاتلة سنة 1979، ثم انتقل إلى الباكستان ملتحقاً بعبد الله عزام الذي أسس هناك «بيت الأنصار»، الذي تحوّل فيما بعد إلى «بيت قاعدة الجهاد» الذي أصبح أبو خالد أميراً له، ثم أصبح مدرباً للمقاتلين، ثم تنقل عام 1992 بين تركيا ولندن وإسبانيا، ليعودَ من جديد إلى افغانستان ليصبح مرافقاً شخصياً لأسامة بن لادن، حتى عام 2001 حيث غادر إلى باكستان لتعتقله القوات الأمريكية في عام 2005، سنةً كاملةً، وتقوم بترحيله إلى سوريا، ليُعتقل في صيدنايا حتى 17 كانون الأول 2011، في سياق حملة الإفراج المنظمة عن معتقلي صيدنايا الجهاديين( ).
وأيّاً يكن الأمر، سنلاحظ أن العديدَ من المصادر والتقارير الاستخباراتية تشير إلى تورط العديد من قيادات ”داعش” بعلاقة ارتباطٍ تجمعهم مع عدّة أجهزةٍ استخباراتية في العالم، ومنهم على سبيل المثال المدعو “أبو أحمد العلواني” وهو المسؤول المباشر للّجنة الأمنية المسؤولة عن تنفيذ الاغتيالات، والذي تمّت تزكيته بالأصل من قبل حجي بكر الذي سمح بانخراطه بتنظيم ”داعش” وسلمه العديد من المناصب، وبحسب عدة مصادرَ، فإن العلواني هو ضابطٌ بعثيٌّ سابقٌ ومعتقلٌ أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق تمكن من الفرار من المعتقل! “له ارتباطاتٌ بقيادة حزب البعث في سوريا قبل الثورة وبعدها، وهو على رأس التنسيق مع النظام، وهناك إثباتات على عمالة العلواني للنظام السوري وتسليمه لما يقارب 100 مجاهدٍ من مهاجرين وأنصار”( ).
ولا شيء يمكن أن يثبت عكس ذلك بالنسبة لتورط نظام الأسد في تغذية التنظيمات الإرهابية، والتلاعب بها من أجل ضرب خصومه أو الضغط عليهم لأسبابٍ سياسيّةٍ وغيرها، وبحسب بيتر نيومان فإنه “في سنوات ما قبل الانتفاضة، تشكلت قناعةٌ لدى الأسد ومخابراته بأنه يمكن رعاية الجهاد والتلاعب به لصالح غايات النظام. وكان ذلك هو الحين الذي دخل فيه الجهاديّون الأجانب إلى سوريا، وساهموا في بناء الهياكل وخطوط الإمداد التي تستخدم اليوم في قتال النظام. إلى ذلك الحدّ، الأسد شريكٌ في خلق العدوّ الذي يقاتله اليوم”( ).
اكتسب نظام الأسد خبراتٍ كبيرةً بالعلاقة مع التنظيمات الإسلامية، فمنذ أواخر السبعينيات وحتى انفجار الصراع في سوريا شباط 1982، تمكن نظام الأسد من تطوير خبرات أجهزته الأمنيّة، والتي تمكنت من بناء صلاتٍ واسعةٍ مع التنظيمات الإسلامية والقيادات المعروفة فيها. وفي “أحداث الثمانينيّات” تعلّمت الأجهزة الأمنية للنظام السوري درسها جيداً، وعلمت تماماً كيفية التعاطي مع هذه التنظيمات وكيفية احتوائها وتحويلها إلى أدواتٍ يسهل التلاعب بها عوضاً من أن تكون خصوماً لها.
وكان الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فرصةً مناسبةً كي توظفَ الأجهزة الاستخباراتية السورية خبرتها وصلاتها في سبيل نشر الفوضى في العراق وإفشال التجربة الأمريكية هناك، وذلك لأسبابٍ عديدةٍ أهمُّها قناعةٌ راسخةٌ عند نظام الأسد أن دوره سيكون التالي بعد نظام صدام حسين.
ومن يعود إلى أحداث عام 2003 وما تلاها، سيتذكر جيداً الشخصيات الإسلامية البارزة التي وظفها نظام الأسد في سبيل التشجيع على الجهاد في العراق ضدَّ الأمريكان، كشخصية أبي القعقاع الحلبي والذي كان واحداً من أهم الدعاة من أجل الجهاد في العراق، والذي ساهم في تأمين سفر عشرات القوافل الذاهبة لقتال الأمريكان، والذي قُتِلَ في ظروفٍ غامضةٍ عندما انتهت مهمته .
وبحسب العديد من التقارير، فإن نظام الأسد نجح في تكوين شبكةٍ واسعةٍ من المهربين( ) الذين كانت مهمتهم تقوم على إيصال الجهاديين إلى العراق مروراً بالأراضي السورية.
وعبر هذا التنسيق نجح نظامُ الأسد في بناء صلاتٍ مهمةٍ وراسخةٍ نسبياً مع التنظيمات الجهادية في العراق على وجه التحديد، وبشكلٍ خاصٍّ مع ما سوف يصبح لاحقاً تنظيم ”داعش”.
عبر هذه العلاقة تمكن نظام الأسد من تحقيق اختراقاتٍ واسعة داخل هذه التنظيمات، وبحسب بيتر نيومان فإن( ) “«السلاح السرّي» للنظام ضدَّ الجهاديّين، كان التسلّل إلى شبكاتهم وتحويل المشبوهين إلى متعاونين.. حسب ويكيليكس الخارجية الأميركية، قال رئيس أحد فروع المخابرات لمسؤولين أميركيين في سوريا «نحن لدينا الكثير من الخبرة والمعرفة بهذه المجموعات»، وتابع: «لا نهاجمهم ولا نقتلهم … نحن نتداخل بهم.. وفقط في اللحظة المناسبة نتحرك»”.
وأيّاً يكن، فإن تنظيمَ ”داعش”، وكباقي التنظيمات الجهادية المتطرفة، أحيط تاريخه بالكثير من الشبهات التي لفّت أغلب قياداته من الصف الأول والثاني، والذين في مجملهم تنقلوا بعلاقاتهم بين عددٍ من الأجهزة الأمنية، وغيروا في هذا السياق من حلفائهم وأعدائهم، وكانوا في كل الحالات يتقنون لعب السياسة والتي لا تحتكم سوى إلى المصالح.
وقد يكون من الصحيح أن نظام الأسد كان قد جنّد العشرات من المقاتلين في صفوف تنظيم ”داعش”، وأنه تمكن من اختراق التنظيم ذاته عبر العديد من القيادات التي استلمت مناصب رفيعة فيه، إلا أن ذلك لا يمنع من انقلاب السحر على الساحر وتحوّل هذا الوحش الذي ساهم نظام الأسد في نموّه واشتداد عوده إلى واحدٍ من ألدّ أعدائه، وكما يقول بيتر نيومان عن حق إن “النظام كان قد خلق ظاهرةً لم يعد يستطيع التحكم بها”.
2-3: مقاتلو ”داعش” وحاضنته الشعبية:
إذا كان تاريخ أغلب قادة تنظيم ”داعش” مشكوكاً بنزاهته، ويثير العديد من إشارات الاستفهام حول درجة ارتباطهم بأجهزة المخابرات العالمية، فإن ذلك لا ينطبق على مقاتلي التنظيم، والذين غالباً ما يكونون في الصفوف الأمامية في المعارك الأشد ضراوةً وفي تنفيذ العمليات التفجيرية وما يشبهها.
هؤلاء المقاتلون، والذين ينتمون إلى جنسياتٍ مختلفة (أوربا، أميركا، الباكستان، الشيشان.. وغيرها العديد)، مختلفون عن أولئك المقاتلين من الجنسية السورية، لذا سيتم التركيز على هؤلاء الأخيرين في ورقتنا هذه مهملين عن قصدٍ طبيعةَ المقاتلين الأجانب والبيئات الاجتماعية والثقافية التي ينتمون إليها.
بحسب ما أفاد به رامي عبد الرحمن، مؤسس المرصد السوري، شبكة “رويترز” فإن الدولة الإسلامية جندت ما لا يقلُّ عن 6300 رجلٍ في يوليو تموز من العام الجاري (2014)، وهي زيادةٌ كبيرةٌ عن تقديراتٍ سابقةٍ تشير إلى أن عددَ مقاتلي التنظيم نحو 15 ألفاً. وأضاف عبد الرحمن: إن أكثر قليلاً من ألف مقاتلٍ من الأجانب وإن الباقين من السوريين( ).
على الرغم من أن تنظيم ”داعش” عرف بجذبه الكبير للمقاتلين الأجانب، إلا أن تواجد المقاتلين السوريين في صفوفه لا يُستهان به، والسؤال الذي من الجدير طرحه هنا: من هم هؤلاء السوريون المنضوون تحت إمرة تنظيم ”داعش”؟ وما هي بيئاتهم الاجتماعية والثقافية؟ وما هو تحديدهم الطبقي؟
في مطلع العام الجاري قام تنظيم ”داعش” بتشكيل “جيش الأنصار” في محافظة الرقة الواقعة تحت سيطرة التنظيم، ويضمُّ هذا “الجيش” مسلّحين من عشائرَ عربيةٍ في مدينة الرقة وبلدة سلوك ومدينة تل أبيض، التي بايعت الدولة الإسلامية في العراق والشام بحيث يتم تجنيد شابٍّ من كلِّ عائلةٍ، أو أن تقوم العائلة التي لا يُجنَّد منها أحد، بتسليح شابٍّ من الجيش المشكَّل( ).
وبحسب رومان كانييه، مع الإشارة لخطأ توصيف مسعى قطاعٍ واسعٍ من الناس للحماية بـ “انتهازية”، فإن ”داعش” “تحظى بدعم سكان القبائل الذين يشاركونها الثقافة نفسها، سواء في الرقة أو دير الزور أو الحسكة”، ويعود ذلك إلى أسبابٍ عديدةٍ، أهمّها ربما تكون بالنسبة إلى هذه العشائر هو “الانتهازية الكامنة خلف ولاءاتها السياسية، التي كانت تتحالف مع نظام بشار الأسد سابقاً، وتبحث عن جهةٍ تحميها حالياً، كما تسعى هذه القبائل إلى الاستفادة من عوائد تجارة النفط في دير الزور بشكلٍ خاصٍّ”( ).
وفي كثيرٍ من الحالات، كانت العوامل الاقتصادية تقف خلف انضمام المقاتلين أو الموالين لتنظيم ”داعش” فرادة وجماعات .
أدت الحرب الدائرة في سوريا عبر الأعوام الماضية إلى انهيار الاقتصاد السوري بشكلٍ دراماتيكي، وتزامن مع ذلك انتشارٌ للبطالة بمعدلاتٍ لا سابق لها، كما خسر العديد من السوريين مصالحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، كلُّ هذا جعل أكثر من نصف سكان سوريا يرزحون تحت وطأة الفقر والفاقة.
وفي ظلِّ هذه الظروف القاسية، أُجبر الآلاف من الشبّان السوريين على الانضمام إلى التشكيلات العسكريّة المعارضة، وتحديداً تلك التي تدفع أجوراً لهم ولعائلاتهم.
وفي الوقت الذي تلكأت فيه العديد من التشكيلات المعارضة في دفع مرتبات مقاتليها وذلك لأسبابٍ عدّة، في مقدمتها نقص التمويل وتجفيف منابعه، كانت الفرصة سانحةً أمام تنظيم ”داعش” الذي تمكن من استقطاب المئات من الشبان المفقرين الذين لا يملكون قوت يومهم.
وبحسب عدة مصادر، فإن تنظيم ”داعش” كان وما زال يدفع بسخاء، مرتبات لمقاتليه، حيث “يتقاضى المقاتلُ السوريُّ راتباً شهرياً مقداره 400 دولار. أما المقاتل السوري المتزوج، فيتقاضى مبلغاً قدره 50 دولاراً عن كلِّ طفلٍ، و100 دولار عن كلِّ زوجة، إضافةً للراتب الشهري الأساسي “400 دولار”، كما يتمُّ تأمين مسكنٍ له، إذا لم يكن يملك مكاناً للسكن، بالإضافة لتأمين وقودٍ لسيارته من محطات الوقود التي يديرها تنظيم ”داعش”، بالإضافة لحصوله على وقود للتدفئة”( ).
على صعيد المدن والبلدات السورية التي سيطر عليها التنظيم، فقد سعى قدر الإمكان إلى توفير ما أمكن من مستلزمات للسكان بدءاً بالسلات الإغاثية وصولاً إلى نشر الأمن ومنع السرقات والتعدي على السكان، وبحسب رومان كاييه سابق الذكر فإنه “على صعيد السكان، فإن المحسوبية هي التي تنتصر نظراً لأن الدولة الإسلاميّة في العراق وبلاد الشام هي التي تؤمن الخبزَ وسلسلةً كاملةً من الخدمات العامة ابتداءً من الشرطة وانتهاءً بالعدالة مروراً بمكتب حماية المستهلك.. يحصل السكان على نوعٍ من الأمن على الرغم من هذا النظام القاسي.
واللافت في الأمر، أنه وفي الوقت الذي فشلت فيه أغلب التشكيلات المعارضة العسكرية منها والمدنية في بلورة تجربةٍ لائقةٍ على صعيد إدارة المدن والبلدات التي سيطرت عليها، وتأمين المستلزمات الأولية للسكان المدنيّين، فإن تنظيم ”داعش” تمكّن ونجح في بناء تجربةٍ غايةٍ في الأهمية في محافظة الرقة التي سيطر عليها منذ عامٍ تقريباً. “فالتنظيم الذي اشتهر بجزِّ الأعناق والصلب والإعدامات الجماعية، أصبح يوفر الكهرباء والمياه، ويدفع الرواتب وينظم حركة المرور في الشوارع، ويدير كلَّ شيءٍ تقريباً من المخابز إلى البنوك والمدارس والمحاكم والمساجد. ويقول سكانٌ يعيشون في المحافظة ومقاتلون في التنظيم وناشطون معارضون إن «داعش» أقام هيكلاً مشابهاً لحكومةٍ حديثةٍ في أقلِّ من عامٍ تحت قيادة زعيمه أبي بكر البغدادي”( ).
وبحسب العديد من الشهادات، فإن التنظيم عمد إلى الإبقاء على العديد من الموظفين في مواقعهم الوظيفيّة التي كانوا يشغلونها في زمن حكم الأسد، كعمال سدِّ الفرات ومؤسسة الكهرباء والمطاحن.. وغيرها العديد، ويتلقى هؤلاء الموظفون رواتبهم أسوةً بغيرهم من العاملين في صفوف تنظيم ”داعش”.
وبحسب شهادة أحد المعارضين الذين ما زالوا مقيمين في الرقة: “إن المدنيين الذين ليس لهم أي انتماءاتٍ سياسيّةٍ تكيفوا مع وجود ”داعش”؛ لأن الناس سئموا وملّوا.. وللأمانة.. لأنهم يقومون بعملٍ قائمٍ على المؤسسات في الرقة”. وأضاف أنه منذ ذلك الحين “استعاد التنظيم كلَّ المؤسسات المرتبطة بالخدمات وأعاد هيكلتها، بما في ذلك مكتب حماية المستهلكين والقضاء المدني”( ).
وأكثر من ذلك فقد عمد التنظيم إلى الاعتماد على كفاءاتٍ علميّةٍ خبيرةٍ قدمت من بلادٍ أجنبية مختلفة؛ “فالرجل الذي اختاره البغدادي على سبيل المثال لإدارة قطاع الاتصالات في الرقة وتطويره تونسيٌّ يحمل الدكتوراه في هذا التخصص كان قد غادر تونس وانضم للتنظيم”.
وأيّاً يكن الأمر، فإذا ما أخذنا جملة العوامل والشروط التي يخضع لها السوريون اليوم في ظلِّ الحرب الدائرة وما ولدته من فقرٍ وجوعٍ وغيابٍ للأمن والأمان، فإننا سنلاحظ أن جملة هذه العوامل مجتمعةً تقف خلف “القبول” الاجتماعي لتنظيم ”داعش”، وهو شئنا أم أبينا ما بات يشكل الحاضنة الاجتماعية للتنظيم في المناطق التي يسيطر عليها؛ وأن قسماً كبيراً من الشبان السوريّين الذين انضموا إلى ”داعش”، هم من بيئاتٍ فقيرةٍ أصلاً وازدادت فقراً وتهميشاً في ظلِّ الحرب الدائرة اليوم.
من جهةٍ أخرى، يقف الشعور باليأس والإحباط من أداء قوى المعارضة بشقّيها السياسيّ والعسكري، كأحد العوامل التي لا تقلُّ أهميةً عن سابقتها في دفع العديد من الشبّان إلى الالتجاء إلى مشروع تنظيم ”داعش”، والذي شكل بديلاً مقبولاً بالنسبة لهم عن معارضةٍ اخترقها الفساد من رأسها حتى أخمص قدميها، وتشكيلاتٍ عسكرية كانت مستعدةً أن ترتكب مجازرَ بحقِّ رفاق الأمس بسبب اقتسام “الغنائم” سيئة الصيت؛ عداك عن اتهام العديد من التشكيلات العسكرية بالسرقة وما بات يعرف “بالتشويل” في أماكن و “التعشيب” في أماكن أخرى في إشارةٍ إلى سرقة المال العام والخاص تحت تبريراتٍ شتّى.
هذا الشعور بالإحباط دفع بالعديد من الشبّان السوريّين إلى أن يروا في مشروع تنظيم ”داعش” مشروعاً يمسّهم ويعبّر عنهم، كما يقدم إجاباتٍ حول تساؤلاتهم المصيرية التي راحت تفرزها ظروف الحرب.
أما على صعيد الجماعات والتشكيلات العسكرية المعارضة التي اختارت مبايعة تنظيم ”داعش” والانضواء تحت إمرته، كما حدث بالنسبة للواء داوود العامل في منطقة إدلب، والذي يعدُّ واحداً من التشكيلات القوية في المنطقة، فالأسباب التي تقع خلف هذه الخيارات لا تبتعد كثيراً عن تلك التي تقع خلف خيارات الأفراد الذين اختاروا مبايعة التنظيم.
فمنذ مطلع عام 2013 وبالاستناد إلى عددٍ من المصادر، باشرت الجهات الداعمة للعديد من مجاميع المعارضة العسكريّة بتطبيق سياسة تجفيف منابع الدعم؛ وهو ما أثر سلباً وبشكل مباشر على تلك التشكيلات ضعيفة التمويل أصلاً، حتى باتت خلال أشهرٍ قليلةٍ تعجز عن دفع مستحقات مقاتليها، وهو ما دفعها بحسب زعمنا إلى الاضطرار إلى الانضمام إلى تشكيلاتٍ وتجمعاتٍ عسكريّةٍ كبرى ومنها تنظيم ”داعش” بطبيعة الحال.
ويشكل كلُّ هؤلاء المقاتلين وحتى الموظفين المدنيّين، العمود الفقري والركيزة المحورية التي يقوم عليها تنظيم ”داعش”. وكما رأينا أعلاه، فإن طبيعة هؤلاء الشبّان وتركيبتهم ودوافعهم للعمل في صفوف التنظيم تختلف جذرياً عن طبيعة ودوافع قيادات التنظيم من الصف الأول والثاني. وهو ما يشير بطبيعة الحال إلى الشروط الموضوعية التي دفعت بالشبان للالتحاق بتنظيم ”داعش”، بخلاف الأسباب السياسية والأيديولوجية التي تحكم خيارات قادة التنظيم.
خاتمـــــــــــة
نشأ تنظيم “داعش” وتمدّد داخل الأراضي السورية بسرعةٍ قياسيّة، وتمكَّن في الوقت نفسه من السيطرة على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي السورية، وتزامن مع كلِّ هذا تمكنه من تكوين حاضنةٍ شعبيّةٍ له، وجذب المئات من الشبان السوريّين للقتال في صفوفه. وسعينا في بحثنا أن نحيطَ بأهمِّ العوامل والشروط المعقدة التي ولدت “داعش” من أحشائها، حيث لاحظنا أن للعوامل الداخلية التي نشأت في ظلِّ الحرب الدائرة في سوريا الدور المحوريَّ في هذا النشوء. فالعنف الذي قوبلت به انتفاضة السوريّين من قبل نظام الأسد ساهمت في بلورة المناخ الذي تغذت منه “داعش”، وتمكنت عبره من التغلغل داخل خلايا المجتمع السوري. فالعنف المنفلت من كلِّ عقالٍ كان قد استدعى لغةً وممارسةً متطرفةً اعتمدها الخطاب الإسلاموي الذي انتشر بين صفوف المنتفضين. وتبيّن أن ما أُنتج قبل “داعش” لم يكن كافياً بتصاعد التطرّف والأحقاد، وولدت التنظيمات الأشد تطرفاً لتلبّي رغبة الضحايا بالثأر والانتقام وصولاً لحالة “الاكتمال” الذي يمثلها تنظيم “داعش”. فانخرط في صفوف التنظيم شبابٌ يائسٌ من حركة التغيير التي طال زمنها. ولبّى “داعش” كلَّ ما في أعماق الشبان من غضبٍ ورغبةٍ بالانتقام، وتساوت الضحية التي تمثلت أفكار التنظيم مع الجلاد. وصار السؤال المطروح: ما الحدُّ الفاصل بين نظام الأسد المجرم ونقيضه الثوري؟ وكيف السبيل إلى الخروج من موجة العنف والعنف المضاد؟
عبر سنوات الصراع السابقة، تغذّت “داعش” من همجية نظام الأسد وما ولدته من ردود أفعال لدى ضحايا هذه الهمجية، وانتعشت فرصها بالاستمرار مع كلِّ مجزرةٍ ارتكبتها قوات الأسد بحقِّ المدنيّين. وتبيّن أنه لا سبيلَ إلى كسر هذه الدوّامة من العنف بطائراتٍ أمريكية ولا بتحالفٍ دوليٍّ ضدَّ الإرهاب، إنما بإزالة الشروط والظروف الموضوعية التي ولدت ظاهرة “داعش” في المجتمع السوري. هذا أن الفقر والتهميش وغياب الفرص واستمرار طغيان نظام الأسد هو المناخ الخصب لنموِّ وترعرع التشكيلات الجهادية شديدة التطرف. من هنا كان أقصر طريق للتخلص من كل أشكال التطرف، ومنها “داعش” بطبيعة الحال، يكمن في فتح أفقٍ على المستقبل، أفقٍ يقدم إجابات مقبولة لأولئك الأكثر تضرراً من الوضع الراهن، ويعيد المعنى إلى حياة الآلاف من الشبان المخذولين. عندها وعندها فقط ربما يصحُّ الحديث عن القضاء على تنظيم “داعش” وأخواته، وعندها فقط ربما يمكن الحديث عن عبورٍ سلسٍ للمجتمع السوري نحو حداثةٍ ما.
للاطلاع على البحث بصيغة pdf، ومع المراجع، الرابط أدناه:

Download (PDF, Unknown)