سوريا 2013: العالمُ يفاوض بشاراً على دماء السوريّين

مثّل استخدام نظام بشار الأسد السلاحَ الكيميائيّ في المجزرة المتواصلة التي يرتكبها ‏ضدَّ الشعب السوريّ، نقطةً فارقةً في سياق الأزمة السوريّة، ليس فقط لأنها المرة الأولى التي ‏يستخدم فيها سلاح القتل الشامل هذا في القرن 21 وللمرة الثانية منذ انتهاء الحرب العالميّة ‏الثانية، إذ كان قد سبقه إليها صدام حسين عندما أمر بقصف الأكراد في مدينة حلبجة ‏الكردية في سنة 1988، بل لأن هذه الجريمةَ كشفت رياء الغرب الذي تعاطى مع ضحايا ‏القصف الكيميائيِّ بلاإنسانيّةٍ منقطعة النظير وغير مسبوقة، حين قرّر نسيانهم والتركيز على ‏ما جمع من مخزونٍ كيميائيٍّ ورؤوسٍ حربيّةٍ بهدف تدميرها كي لا تُستخدمَ ضدَّ إسرائيل ‏لاحقاً؛ مخيّراً إياهم بين رفض بقاء الأسد والموت ببراميله المتفجرة التي بلغت قبل أيام من ‏نهاية 2013 أكثر من 5,000 برميلٍ متفجّرٍ حصد أكثر من 20,000 شهيدٍ وأكثر من ‏‏100،000 جريح، أو الرضوخ بقبول بقاء الأسد ونظامه والعيش كأحياء أموات في ظلِّ نظامٍ ‏يعرّف الأمن والسلام على أنه خضوعٌ كاملٌ من الشعب لإرادته. ‏

وبموازاة موقف الغرب الدنيء برز الموقف القذر لحلفاء النظام الإقليميّين والدوليّين ‏الذي أحال استخدام الكيميائيّ إلى المعارضة رغم استحالة الأمر هذا علميّاً، بل اعتبر مرةً ‏الضحايا إرهابيّين ومرةً أخرى أنهم عائلاتٌ جُمعت من مناطقَ مؤيدةٍ للنظام وتمَّ قتل أفرادها ‏ونشرهم في ميدان المنطقة المستهدفة بالكيميائيّ كي يتهمَ النظام بالمجزرة.‏

كما أن هذا المجتمعَ الدوليَّ الفاقد لكلِّ إنسانيّةٍ، تناسى مئات ألوف القتلى والجرحى ‏والمفقودين وملايين النازحين واللاجئين، ولم يعد في إطار الصورة عنده سوى “الإرهاب ‏الإسلاميّ” و”السلاح الكيميائيّ”، بالطبع مع امتداح النظام المرتكب لكلِّ تلك الجرائم، لتخلّيه ‏عن ترسانته الكيميائيّة.‏

أما سياسيّاً، فلم يعد، واقعيّاً، إجراءُ انتخاباتٍ رئاسيّةٍ – سواء ببشار الأسد أو من دونه ‏‏– في الموعد الرسميّ في حزيران 2014 لضيق الوقت، وبهذا قد تكون روسيا ربحت رهاناً ‏بالتمديد للأسد بحكم الأمر الواقع وبغضِّ نظرٍ غربيّ؛ ومن ثَمَّ لم يعد ممكناً تصوّر سقوط ‏النظام الحالي لمصلحة نظامٍ جديدٍ ديموقراطيٍّ يأتي بواسطة صندوق الاقتراع. وربما بات ‏مؤتمر “جنيف 2” الذي توافق عليه الأميركيّون والروس ومبعوث الأمم المتحدة الأخضر ‏الإبراهيمي، في مهبِّ ريح التطورات المتلاحقة التي قد تغيّر كلَّ الترتيبات إلى حين عقده في ‏الموعد المعلن في 22 كانون الثاني 2014، بعدما عمل الغرب والشرق على تحويل أزمة ‏نظام بشار الأسد إلى انهيارٍ شاملٍ للمجتمع والدولة في سوريا.‏

ولا يعني ذلك أيضاً أن النظامَ المسنود بوضوحٍ من قبل إيران وروسيا لوجستيّاً وسياسيّاً ‏وديبلوماسيّاً، وميدانيّاً بوساطة “حزب الله” والمجموعات العراقيّة الطائفيّة المسلّحة وبعض ‏المرتزقة، هو نظامٌ باقٍ. فنظامٌ تقود ديبلوماسيّته روسيا وبيت ماله إيران، وتنفذ مهامه ‏الميدانيّة مجموعاتٌ من تحالف “‘حزب الله’ ـــ المليشيات الطائفيّة العراقيّة ـــ المرتزقة القادمون ‏من روسيا” مباشرة، وتنفذ “داعش” و حزب الاتحاد الديموقراطي (بالكردية: ‏Partiya ‎Yekîtiya Demokrat‏ ـــ ‏PYD‏) مهماته القذرة ضدَّ ناشطي المجتمع المدنيّ السوريّ ‏والإعلاميّين والصحافيّين المحليّين والعرب والغربيّين وضدَّ العناصر العلمانيّة في “الجيش ‏الحر”، هو وَهْمُ نظامٍ وصدىً لصوتٍ قديمٍ بات يتلاشى وصورة تبهت كلَّ يومٍ مع دخول ‏عناصرَ غريبةٍ جديدةٍ أرضَ المعركة.‏

لكن الأزمة السوريّة لا يمكن اختصارها فقط بأزمة نظامٍ متهاوٍ، بل قد باتت أزمةً ‏مركّبةً طرفها الثاني معارضة، وصفها ديبلوماسيٌّ غربيٌّ معنيٌّ بالوضع في سوريا لكاتب ‏المقالة هذه، بأن ممثليها القابعين في اسطنبول مجموعةُ أفرادٍ بات أمر جمعهم ضرباً من ‏المستحيلات، إذ إنه بدل أن يكونَ النقاشُ معهم موجّهاً نحو البديل من النظام، بات عملاً ‏مضنياً لمصالحتهم كأفراد بعضهم ببعضهم الآخر. أما معارضة الداخل فهي حائرةٌ بين ‏معارضة النظام ومعارضة المعارضة، وتبقى الضحية الكبرى تلك الفتيات والنساء والشبان ‏والرجال الذين خرجوا من رحم المجتمع المدنيِّ المقموع قاصدين فضاءات الحرية، لتفاجئهم ‏دمويّة النظام وتخاذل نصفي المجتمعين العربيّ والدوليّ، وخيانة النصفين الآخرين لخيارات ‏الشعب السوري.‏

هذا الخارج الذي ردّد صدى دعاية النظام الأسدي المغرضة، بأن الخيارَ هو بين نظام ‏الأسد العلماني وبين مجموعاتٍ إرهابيّةٍ تقودها “رجعيّةٌ نفطيّةٌ عربيّة” و”غربٌ إمبرياليّ” ‏بواجهة تظاهراتٍ سلميّة، بل باتت تلك الدعاية كتابَ الصلاة الذي يتلو منه الغرب والشرق ‏خطابه الميّال عمليّاً نحو إبقاء النظام وإجراء مقايضةٍ معه بين بقائه وتخليه عن كلِّ ما ‏يمكن أن يؤذي الحليف الإسرائيلي، الذي يبدو إلى الآن الرابح الوحيد من كلِّ المعادلة ‏القائمة، ولاسيّما بتحييد “حزب الله” عبر إشغاله في المستنقع السوريّ الذي لا خلاص منه إلا ‏بإعلان الموت السريري أو الصريح.‏

يعتقد الجوارُ الإقليميُّ والجار الأوروبيّ بإمكانية احتواء الحريق في الداخل السوري، ‏واستخدام ساحة الصراع السوريّة لتصفية الحسابات مع “محور الشر”، لكن يبدو أن ذاكرة ‏الغرب أضعف من ذاكرة سمكة ـــ حين ينسى أن استخدامَ “الجهاديّين” ضدَّ الاحتلال ‏السوفياتي لأفغانستان، ثم محاربتهم بعد دحر المحتلّ السوفياتي أضعف الحليف الباكستاني ‏وقوّض سلطته المركزيّة وباتت الدولة كلها في مهبِّ الريح، وجاء حصاده أيضاً في عملية ‏‏11 أيلول 2001 الإرهابيّة التي نفذتها القاعدة في أميركا، وتفجير القطار في إسبانيا في ‏آذار 2004، وتفجيرات قطارات الأنفاق في بريطانيا في أيلول 2005.‏

لقد بات خيار “قاعدة ـــ نظام” الذي ادّعاه النظام وحلفاؤه المباشرون المتمثلون بروسيا ‏وإيران والمجموعات الدائرة بفلك طهران، وغير المباشرين المتمثلون ببعض دول الجوار ‏والكثير من الدول الغربية، شعاراً بائداً، وأصبح الواقع القائم هو: دولةٌ ضعيفةٌ مفككة أو ‏الفوضى الشاملة، وأحلى الخيارين مرٌّ على سوريا وعلى المنطقة، بل وعلى مستوى العالم ‏كله.‏

إن استبدالَ حنجرة إبراهيم القاشوش، شاعر العفوية الحموي ضدَّ النظام عندما كان ‏سلاح المعارضة تظاهراتٍ سلميّةً في الشارع، والتي اقتلعها النظام، بخنجر تنظيم “داعش” ‏الذي لا همَّ له سوى نحر المجتمع المدنيّ والقوى العلمانيّة وحتى الإسلاميّة الثوريّة، لن يفيد ‏النظام ولا حلفاءه، إذ إن هذا التنظيم الطارئ على المجتمع السوريّ والقادم من خلف الحدود ‏هو حالةٌ طارئةٌ إلى زوال، لكن سرعة زوالها يرتبط بقدرة قادة المعارضة على التوقف عن ‏التحارب على مناصبَ وهميّةٍ وواهيةٍ هي مجرّدُ سرابٍ يرتسم أمامهم في منازلهم الدافئة في ‏إسطنبول.‏

أما سوريا، فعلى الرغم من كلِّ ما يجري، فلن تفقد موقعها المركزي في المنطقة، إذ ‏إن مستقبلها ـــ سواء أكان نظاماً جديداً أم فوضى ـــ سيعيد تشكيل المنطقة العربيّة برمّتها ‏فيزهر ربيعها أو يستحيل خريفاً، وسيلامس الجار الأوروبيّ سلاماً أو تأثراً بفوضى جديدةٍ ‏أكثر خطورةً من الفوضى التي خلقها الاحتلال الأميركيّ لأفغانستان والعراق بعد 11 أيلول ‏‏2001.‏

مجزرة الكيميائيّ والخذلان الدولي

‏ في 21 آب 2013 وقع هجومٌ بالأسلحة الكيميائيّة طال بلدة عين ترما في الجنوب ‏الغربي لدمشق، زملكا وعربين في الغوطة الشرقية، ومدينة المعضمية في الغوطة الغربية. ‏وتمَّ توثيق مقتل أكثر من 1300 شخصٍ بينهم مئات الأطفال، وقد وثّق “الائتلاف الوطني ‏لقوى الثورة والمعارضة السورية” الظروف التي أحاطت بالمجزرة وأسماء الضحايا والمواقع ‏التي سقطوا فيها، وكذلك المناطق التي أطلقت منها الصواريخ التي حملت الرؤوسَ المملوءة ‏بالغازات السامّة والضباط المسؤولين عن إعطاء الأوامر بالقصف، وتمَّ الإعلانُ عن ‏التفاصيل في مؤتمرٍ صحافيٍّ عقده في إسطنبول في 23 آب 2013، الأمين العام للائتلاف ‏المعارض بدر جاموس.‏

كان المتوقع، واستناداً إلى وضع الرئيس الأميركي باراك أوباما خطّاً أحمرَ تمثل ‏باستخدام السلاح الكيميائيّ من قبل النظام، أن تقودَ الولايات المتحدة المجتمع الدولي ـــ ‏بغضِّ النظر عن موافقة مجلس الأمن الدوليّ أو عدمها ـــ وتوجه ضربةً ضدَّ قدرات نظام ‏الأسد الصاروخيّة التي تتسبّب، بالكيميائيّ أو من دونه، في قتلٍ جماعيٍّ للمدنيّين.‏

وبدا أن الأمر محسومٌ فجر يوم الأربعاء 11 أيلول 2013 عندما أعلن أوباما أن ‏قواته جاهزةٌ لتوجيه ضربةٍ عسكريّةٍ على سوريا، “إن لم تفلح الجهودُ الديبلوماسيّة الجارية ‏حاليّاً من طرف المجتمع الدولي”، وكان سبق ذلك، اعتباراً من مطلع أيلول، تسريباتٌ ‏صحافيّة بنهائية الضربة الأميركية، كما أن المسؤولين الأميركيّين أبلغوا الائتلاف السوري ‏المعارض بأن الضربة واقعةٌ لا محالة، عندها جهزت الكتائب التابعة للجيش الحرّ وباقي ‏فصائل المعارضة خطةً لاقتحام دمشق مع بدء الضربات.‏

هذه الاندفاعة بدأت تخفت مع تصويت مجلس العموم البريطاني في مساء 29 آب ‏‏2013 ضدَّ المشاركة بتوجيه ضربةٍ لنظام الأسد. وبعد أقل من 24 ساعة على تأكيد الرئيس ‏الأميركي باراك أوباما في 11 أيلول 2013 أن قواته جاهزةٌ لتوجيه ضربةٍ عسكريّة على ‏سوريا، تفاجأ العالم بإعلان وزيرَي الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف ‏عن الاتفاق على بذل جهودٍ لتنفيذ المبادرة الروسيّة الخاصة بوضع الأسلحة الكيميائيّة ‏السورية تحت رقابةٍ دولية، ليأخذَ مسار الضربة الموعودة منحىً هبوطيّاً، ويتمّ وضع حدٍّ ‏لاحتمالات توجيهها نهائيّاً مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2118 في 28 أيلول 2013 ‏حول السلاح الكيميائيّ لنظام الأسد.‏

انقلابات ميدانيّة

ويمكن وصف مرحلة ما بعد مجزرة الكيميائيّ، بأنها بدايةُ خسارةٍ مرّةٍ للثورة السورية، ‏وتسجيل تراجعاتٍ على كلِّ المستويات، لكن لا بدَّ من التوقف عند محطاتٍ ميدانيّةٍ أساسيّة ‏وذات تأثيرات إستراتيجيّة أيضاً، ولاسيّما: القصير، معارك دمشق وغوطتيها وامتداداً إلى ‏معارك القلمون، معارك حلب وخسارة السفيرة.‏

‏– القصير: في الفترة من آذار 2013 وحتى منتصف أيار من العام نفسه، شهد لبنان ‏حملةً دعاويةً غير مسبوقةٍ في إزاء ما بثّته وسائل إعلامٍ محليّة تابعة و/أو متحالفة مع نظام ‏بشار الأسد، عن الخطر الداهم على لبنان من التكفيريّين “الذين يحتلون” مدينة القصير ‏الحدوديّة (تبعد 35 كلم عن مدينة حمص غرباً، وعن الحدود اللبنانية 15 كم)، وترافق مع ‏الحملة الدعاوية التخويفيّة تلك بداية قضم لقرى محيطة بالقصير ومدينة تل كلخ، كانت بيد ‏المعارضة، وذلك بعد حصارٍ خانقٍ دام ستةَ أشهرٍ لمنطقة القصير.‏

وفي يوم الأحد 19 أيار وبعد يومين من الهدوء شهدت مدينة القصير قصفاً شديداً ‏بالطائرات الحربيّة والمدفعيّة وقذائف الهاون ومنذ الساعات الأولى، ممّا أسفر عن سقوط ‏عشرات المدنيّين والثوار بين قتيلٍ وجريح، ولاحقاً، في اليوم نفسه، بدأ اقتحام قوات النظام ‏المدعومة من قبل المئات من ميليشيات “حزب الله” المدينة من عدّةِ اتجاهاتٍ واحتدم القتال ‏في تسع نقاطٍ في القصير وحولها خلال النهار. وتمكنت القوات المهاجمة من الدخول إلى ‏وسط المدينة، لكن الثوار تمكنوا من صدِّ تلك القوات،  واستمرّت المعارك حتى 5 حزيران، ‏حين سقطت المدينة بيد قوات النظام و”حزب الله”، بعد أن أخلى الثوارُ المدنيّين، الذين ‏لاحقتهم القذائف والغارات إلى الحقول والبساتين موقعةً مزيداً من الضحايا بينهم.‏

معركة القصير، التي دامت أكثر ممّا توقع المهاجمون، وأنزلت خسائرَ بشريّةً فادحةً ‏غير محسوبةٍ بين مقاتلي “حزب الله”، مثّلت نقلةً نوعيّةً في الحرب في سوريا، إذ إنها كانت ‏بمنزلة الإعلان الرسميّ عن التدخل “المتدحرج” لـ”حزب الله” عسكريّاً وبشكلٍ مباشرٍ في سوريا، ‏وإعادة تثبيت قوات نظام بشار الأسد في الميدان، بعدما أطلَّ الثوار على معاقل النظام في ‏الساحل السوريّ وجبال العلويّين، وهدّدوا القصر الجمهوري في دمشق، وأضعفوا عزيمة قوات ‏النظام إلى حدٍّ باتت هزيمتها قاب قوسين أو أدنى، لتنقلبَ الموازين بعد أشهرٍ عدّة، وتصبح ‏المعارضة في موقع الدفاع المتراجع، وحلف النظام ـــ “حزب الله” ـــ المليشيات الشيعيّة العراقيّة ‏في موقع المهاجم الذي يقضم المزيد من المواقع.‏

‏– حلب وإدلب: رغم تأخر حلب عن الانضمام إلى الثورة (المسلّحة) فإنها دخلت بعد ‏أشهرٍ قليلةٍ من بداية التحرّكات الشعبيّة السلميّة وبكثافة، ما دفع النظام إلى قصف جامعتها ‏بواسطة صاروخٍ من طائرةٍ حربيّةٍ. كما كانت محافظة حلب سبّاقةً في تحرير ريفها كلّه تقريباً ‏من قوات النظام.‏

لكن بعد تحرير ريفها وجزءٍ كبيرٍ من المدينة بدأت مسيرة التراجع، ولاسيّما بعدما ‏سيطرت على الوضع هناك مجموعاتٌ إسلاميّةٌ متطرفةٌ على معظم الريف، متتبعة بذلك ‏خطى المحافظة المجاورة ـــ إدلب ـــ التي سقطت بلداتٌ وقرى فيها بقبضة “الدولة الإسلاميّة ‏في العراق والشام” (داعش)، والشروع بملاحقة ضباط وجنود الجيش الحر وقتلهم، بعدما ‏تمكنوا من النجاة من محاولات النظام لاغتيالهم.‏

أما المفصل الأبرز في حلب فكان انسحابَ المقاتلين المعارضين ـــ وغالبيتهم تابعون ‏لمجموعاتٍ إسلاميّةٍ ـــ في مطلع تشرين الثاني الماضي، من مدينة السفيرة الإستراتيجيّة ‏الواقعة في ريف حلب الشرقي والقريبة من معامل الدفاع بعد مواجهاتٍ تخلّلتها عمليات كرٍّ ‏وفرٍّ عديدة، ودامت أكثر من 27 يوماً، لتتمكن قوات النظام من حسم المعركة لصالحها ‏بالسيطرة على كامل المدينة، بعدما كان قد حررها “الجيش الحر” قبل نحو عامٍ من ذلك.  ‏

‏– دمشق: مثل حلب، لكن قبلها بقليل، شاركت دمشقُ وريفها في الثورة، وتسلّحت ‏بعدما أمعن النظام قتلاً بالمتظاهرين السلميّين. في المرحلة الأولى ما قبل تدخل “حزب الله” ‏المباشر ومن ثَمَّ المليشيات الطائفيّة العراقيّة، والدخول المكثّف والمفاجئ لمجموعاتٍ إسلاميّةٍ ‏متطرّفةٍ وغريبة عن النسيج الوطنيِّ السوريّ، حققت تشكيلات “الجيش السوري الحر” ‏انتصاراتٍ بارزةً في الأحياء الجنوبيّة للعاصمة وفي الريف الدمشقيّ بلغت حدَّ السيطرة على ‏الحجر الأسود ومنطقة اليرموك فضلاً عن الغوطتين الشرقيّة والغربيّة والتسبّب بإغلاق مطار ‏دمشق الدوليّ، ودقّ أبواب القصر الرئاسيّ، والضرب في ومن داخل المؤسّسات الأمنيّة في ‏قلب العاصمة.‏

ـــ معارك جنوب العاصمة: يمكن التأريخ لما بعد القرار الدولي بشأن السلاح الكيميائيّ ‏لنظام الأسد على أنه تاريخُ تصدّع “الجيش السوري الحر” كتشكيلٍ مسلّحٍ تابعٍ للقوى السياسيّة ‏المعتدلة السوريّة المعارضة. ففي 11 تشرين الأول سقطت بلدتا الذيابية والحسينية في محيط ‏منطقة السيدة زينب بيد مسلّحي حزب الله والمجموعات الطائفيّة العراقيّة، وسجلت مجازر راح ‏ضحيّتها أكثر من 120 مدنيّاً. وفي 23 تشرين الأول سيطرت قوّاتُ النظام والمليشيات ‏اللبنانيّة والعراقيّة المتحالفة معها على كامل البلدات القريبة من طريق مطار دمشق الدولي ‏ليفرض النظام سيطرته شبه الكاملة على ريف دمشق الجنوبيّ والغربيّ وأجزاءٍ كبيرةٍ من ‏الشرقي.‏

وضمن مسلسل التراجع الميدانيّ، سقطت في 7 تشرين الثاني مدينة السبينة، بعدما ‏كانت قد حوصرت اعتباراً من 20 تشرين الأول، مع بدء الحملة على مدينة حرستا في ‏الغوطة الشرقية، الأمر الذي مهّد لتضعضع جبهة الأحياء الجنوبيّة لدمشق، ولاسيّما مخيم ‏اليرموك ومدينة الحجر الأسود، ما فاقم من الأوضاع أيضاً على مدينة المعضمية عند طرف ‏الغوطة الغربية.‏

القلمون: فيما كانت غوطتا دمشق وأحياء العاصمة الجنوبيّة تتعرض لهجمةٍ شرسةٍ ‏من النظام، لفت انسحاب مجموعاتٍ إسلاميّةٍ مسلّحة نحو القلمون، غرب العاصمة، المحاذية ‏لمنطقة البقاع اللبنانية.‏

ترافق الانسحاب من الغوطة والتجمّع في القلمون مع الإعلان عن انشقاقاتٍ عن ‏الجيش الحر وإطلاق مزيدٍ من العناوين الإسلاميّة على المجموعات المنشقة والمتوحدة في ‏جبهاتٍ إسلاميّة، على غرار جيش الإسلام بقيادة إسلام زهران.‏

وكان النظام و”حزب الله” قد بدأا قبل حين بقرع طبول الحرب على القلمون، التي قيل ‏إنها إذا سقطت سوف تقطع كلَّ خطوط الإمداد للمعارضة في العاصمة وغوطتيها، فضلاً ‏عن أنها تفتح الطريق أمام النظام بين دمشق وحمص، وامتداداً إلى الساحل السوري.‏

في 15 تشرين الثاني الماضي، بدأت قواتُ النظام مدعومةً بمليشيا “قوات الدفاع ‏الوطني” وبمليشياتٍ عراقيّةٍ شيعيّة بشكلٍ رئيسيٍّ وبدعمٍ أيضا من قبل “حزب الله” معركةَ ‏القلمون بالهجوم على مدينة قارّة التي سقطت بيد تلك القوات بعد أربعة أيام. وفي 28 تشرين ‏الثاني سيطر تحالف النظام ـــ المليشيات الشيعيّة على مدينة دير عطية. وفي 29 تشرين ‏الثاني باشر التحالف نفسه هجوماً على بلدة النبك التي سقطت بيد المهاجمين في 9 كانون ‏الأول. كما فقدت المعارضةُ المسلحة في القلمون السيطرةَ على عشرات القرى المحيطة ‏بالمدن الثلاثة، فيما بقيت مدينة يبرود، التي تُعتبر حصناً للمعارضة المسلّحة خارج سيطرة ‏النظام. كما أن المساحةَ الأكبر من القلمون بقيت أيضاً تحت سيطرة المعارضة رغم سقوط ‏المدن الثلاثة الإستراتيجيّة، علماً بأن الكتائبَ المسلّحة المعارضة سيطرت في الوقت ذاته ‏على مدينة معلولا الواقعة في القلمون والتي كانت بيد قوات النظام.‏

ـــ درعا ودير الزور: وعلى الرغم من الانتكاسات أمام النظام في دمشق وحمص ‏وحلب وأمام التطرّفِ الإسلاميِّ في إدلب وأمام حزب ‏PYD‏ في القامشلي، فإن الوضع في ‏درعا ودير الزور سار في دربٍ آخر، حيث سجلت المعارضة المسلّحة فيهما خلال 2013 ‏سلسلةَ انتصاراتٍ ضدَّ النظام وحرّرت غالبيّة مساحة المحافظتين، من دون أن يُسجَّلَ فيهما ‏تواجدٌ ذو ثقلٍ للتنظيمات الإسلاميّة الأكثر تطرفاً مثل “داعش” والتي بقيت تحت السيطرة ولم ‏تتمكن من بسط هيمنتها على القوى المحليّة في المحافظتين.‏

النظام فزّاعة والمعارضة وَهْمٌ

تؤكد التطوّراتُ الميدانيّة أن النظام هو مجرّدُ فزّاعةٍ، عصاها “حزب الله” والمليشيات ‏الشيعيّة وخلفيّتهم دعمٌ إيرانيٌّ ميدانيّ ولوجستيّ وماليّ ودعمٌ سياسيٌّ وديبلوماسيّ روسيّ.‏

فالنظام كان يخسر الأرض بشكلٍ متسارعٍ إلى أن دخل “حزب الله” مباشرةً على جبهة ‏الصراع انطلاقاً من منطقة القصير وامتداداً إلى غوطتي دمشق والعاصمة نفسها، وصولاً ‏إلى حلب، حيث أكدت تقاريرُ عديدةٌ أن مقاتلي “حزب الله” كان لهم الفضل في طرد ‏المعارضة المسلّحة من مدينة السفيرة في ريف حلب بعد أن حُسمت معركة القصير إلى ‏جانب النظام. كما أن المعارك التي دارت في أحياء العاصمة الجنوبيّة وفي محيط منطقة ‏السيدة زينب وعلى طريق مطار دمشق الدولي كان الحزب والمليشيات الطائفيّة العراقيّة رأس ‏حربتها. ولا يختلف الأمر كثيراً في منطقة القلمون، حيث كانت المليشيات الطائفيّة العراقيّة ‏رأسَ الحربة، وقد ارتكبت جرائم حربٍ موثقة في قارة ودير عطية والنبك.‏

واللافت أنه في مناطق لا يتواجد فيها “حزب الله” والمليشيات الطائفيّة العراقيّة، فإن ‏المعارضة المسلّحة تعتبر الطرف الأقوى، كما هو الأمر في محافظتي درعا ودير الزور.‏

وربما تتبدّى هشاشة النظام بعدم قدرته على الردِّ على الهجمات الإسرائيليّة التي ‏استهدفت مواقعَ عسكريّةً ومخازنَ صواريخ في ريف دمشق وفي اللاذقية، وتخلّيه عن سلاحٍ ‏كان يعدّه إستراتيجيّاً لموازنة الخلل القائم مع إسرائيل، أي السلاح الكيميائيّ، الذي استخدمه ‏ضدَّ الشعب السوري، وسلّمه للولايات المتحدة ما إن لوحت باحتمال توجيه ضربةٍ محدودةٍ له، ‏وذلك بهدف مبادلة هذا السلاح بالسماح الغربي للنظام بالبقاء.‏

ولا تقلُّ المعارضة هشاشةً عن النظام، إذ أوغلت بالعسكرة رغم التحذيرات الكثيرة من ‏قبل الناشطين بأن ذلك ما يريده النظام لتصوير الثورة السلمية على أنها حركةٌ عنفيّةٌ ومن ثَمَّ ‏‏”إرهابيّة” ـــ وهو ما حصل فعلاً. كما أن التوجهَ الإقليميَّ نحو الدعم العسكريّ لمجموعاتٍ ‏محدّدةٍ زاد من العسكرة وشتّت المعارضة الميدانيّة وأضعفها.‏

والخطأ القاتل الذي اقترفته القوى العلمانيّة المعارضة ـــ العسكريّة والسياسيّة ــ بأنها لم ‏تلفظ التنظيمات المتطرّفة من عباءتها بل احتضنتها تحت شعار التوحد ضدَّ النظام، علماً ‏أن الأخيرَ يملك حصةً وازنةً بالمجموعات المتطرّفة وهناك تأكيداتٌ علنيّةٌ على ذلك. وليس ‏مصادفةً أن قادة المجموعات الإسلاميّة كانوا كلّهم في سجن صيدنايا، وهؤلاء هم من انسحب ‏من الغوطة ليسمح بحصارها، وانسحب من قارة وديرعطية والنبك. فضلاً عن أن “داعش” ‏برزت بقوّةٍ بعد الهروب الكبير ـــ المدبّر ـــ من سجن (أبو غريب) في العراق. هذا إضافةً إلى ‏التنسيق الكبير والمبكر بين النظام وPYD‏.‏

أما المعارضة الخارجيّة فقد وضعت كلَّ بيضها بسلّةِ القوى الغربيّة التي خذلتها ولم ‏تفِ بتعهداتها بتسليح الجيش الحر، لا بل عملت على شرذمة المعارضة السياسيّة بدل ‏جمعها، فضلاً عن أن المعارضةَ السياسيّة عبارة عن معارضين أشخاص وليست كيانات ‏وبسبب التصارع الإقليمي في سوريا أخذ كلُّ طرفٍ إقليميٍّ مجموعةً ودعمها ولم يساهم في ‏توحيد المعارضة كي يبقى تأثيره كبيراً.‏

لقد تسبّب ذلك بفقدان الثقة في الشارع بالمعارضة السياسيّة الخارجيّة، وبسبب عدم ‏تسليح الجيش الحرّ وإنشاء مجموعاتٍ مسلّحة بتمويلٍ إقليميٍّ على هامشه، تمَّ إضعاف ‏الجيش الحر.‏

وأخيراً تلقّى الجيش الحرُّ الذي دخل مرحلةً متقدمةً من التفكك وانقسامات وتعدد ‏مرجعياته، صفعةً جديدةً مع تعليق كلٍّ من واشنطن ولندن مساعداتهما العسكريّة غير الفتاكة ‏إلى شمال سوريا بعد استيلاء “الجبهة الإسلاميّة” على مقرِّ قيادة الأركان في باب الهوا على ‏الحدود التركيّة وعلى مستودعات الأسلحة هناك.‏

وكان الجيشُ الحرُّ قد خسر أيضاً منطقة الرقة التي استولت عليها “داعش” وغالبيّة ‏محافظة إدلب، وفقد السيطرة على حمص بعد خسائره أمام النظام وحوصر في بقع ضيقة في ‏الغوطتين الشرقيّة والغربيّة وداخل الأحياء الجنوبية للعاصمة.‏

وفي هذا السياق نقلت وكالةُ “فرانس برس” في تقريرٍ لها في كانون الأول عن الباحث ‏السويدي في الشؤون السوريّة آرون لوند قوله إن “من الواضح أن هيئة الأركان في الجيش ‏السوريّ الحر” المرتبطة بالائتلاف الوطنيِّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة والمدعومة من ‏الغرب، “تضعف أكثر فأكثر وتفقد من سلطتها”.‏

الحلُّ المفروض والحلّ المستدام

مع لفظ 2013 آخر أيامها وإطلالة 2014، يبدو حلُّ الأزمة السوريّة بيد اللاعبين ‏الخارجيّين، بعدما فشل النظام بقمع الثورة رغم تفوّقه الهائل بالسلاح والحلفاء والداعمين وآلة ‏القمع، وفشلت المعارضة من تنظيم نفسها والاستفادة من المدِّ الشعبيِّ الهائل والتضحيات ‏الخارجة عن نطاق المعقول التي قدّمها الشعب السوريّ ومايزال.‏

بات الحلُّ ـــ وفق الحالة القائمة ـــ بيد الخارج، المتفق فيما يبدو على فرض معادلةٍ ‏على الشعب السوري تقضي ببقاء الأسد ونظامه مع حكومةٍ تتمثل فيها شخصيّات وقوى ‏معارضة، مع تخيير السوريّين بين القبول بتلك المعادلة والعودة إلى وضعٍ يشبه ما كان قائماً ‏قبل الثورة مع تحسيناتٍ هنا وهناك، أو العيش تحت نير سلطة “داعش” وسياسة قطع الرؤوس ‏السائدة ولاسيّما في بعض المناطق في ريف حلب وفي محافظة إدلب، أو العيش في فوضى ‏دائمةٍ وما يعنيه ذلك من استمرار الموت المجاني إلى ما لا نهاية.‏

مضمون هذه السيناريوهات الثلاثة عرضها المدير السابق لوكالة الاستخبارات ‏المركزيّة الأميركيّة (سي آي ايه) مايكل هايدن ـــ في 12/12/2013 ـــ أمام المؤتمر السنويِّ ‏السابع حول الإرهاب الذي نظمه معهد جيمس تاون، مفضلاً من بين السيناريوهات تلك أن ‏‏”ينتصر الأسد” وهو الخيار الذي “سيكون الأفضل بين هذه السيناريوهات المرعبة جداً جداً”، ‏وفق هايدن.‏

إن هذا التصوّرَ، يستند إليه التحالف الأميركي ـــ الروسي لعقد مؤتمر “جنيف 2″، وهو ‏الذي طالما أرادته إسرائيل ونظمت حملات ضغطٍ لدى حلفائها من كياناتٍ وشخصياتٍ ‏مؤثرة، وهو ما يبدو ـــ من ظاهر الأمور ـــ أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تسعى إلى ‏تمريره مقابل تخفيف التوتر مع إيران وتحقيق اتفاق على البرنامج النووي الإيراني يخلع من ‏قفازه مخالب السلاح الذي يهدّد أمنَ إسرائيل، كما نزع مخلب السلاح الكيميائيّ من قفاز ‏النظام السوري، بعدما منع ـــ بعمليّةٍ تمييعيّةٍ ــ تسليح المعارضة العلمانيّة في بدايات الثورة ‏السوريّة، وورّط إيران ماليّاً و”حزب الله” بشريّاً في المستنقع السوري الذي قد يصبح إخراجهما ‏منه بيد الولايات المتحدة، ما يسمح لها أيضاً بفرض مزيدٍ من التنازلات على “محور الشر” ‏المتحالف موضوعيّاً في الوقت الحالي مع “الشيطان الأكبر”.‏

في مقابل التحالف الأميركي ـــ الروسي (الموضوعي) لإجهاض الثورة السوريّة بعدما ‏جعلت من سوريا ساحة صراعٍ بأسلوب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ‏السابق، يبرز دورٌ مستجدٌّ للملكة العربية السعودية: دعم في مصر إزاحة الإخوان المسلمين ‏عن السلطة بخلاف ما كانت إدارة أوباما تريد؛ وهو يتهيأ الآن لمنع تمرير معادلة بقاء الأسد ‏‏(أو نظامه) هو أقل السيناريوهات المرّة مرارة. بدا ذلك واضحاً من خلال المقالة التي نشرتها ‏صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في 17/12/2013، لسفير المملكة العربيّة السعوديّة لدى ‏بريطانيا الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز، التي قال فيها: “إننا نعتقد أن الكثير من ‏سياسات الغرب حيال إيران وسوريا يجازف باستقرار الشرق الأوسط وأمنه”. وأضاف “هذه ‏مغامرةٌ خطيرةٌ لا يمكننا لزوم الصمت حيالها ولن نقفَ مكتوفي الأيدي”. وتابع: “سنستمرُّ في ‏إظهار تصميمنا من خلال تقديم الدعم للجيش السوري الحر وللمعارضة السورية”. وإذ أقرَّ ‏بخطر المجموعات المرتبطة بتنظيم “القاعدة” في سوريا، قال: “من السهل للبعض استعمال ‏تهديد القاعدة بأعمالٍ إرهابيّةٍ كحجةٍ للتردّد أو لعدم التحرك”، مؤكداً أن “الوسيلة لتحاشي ‏تمادي التطرّف في سوريا وفي أماكنَ أخرى تكون بدعم الاعتدال ماليّاً وماديّاً ونعم عسكريّاً ‏إذا تطلب الأمر”.‏

إن في تصريحات السفير محمد بن نواف ما يشير إلى صعوبة فرض حلِّ الأمر ‏الواقع في “جنيف 2” ـــ المشكوك في انعقاده بصورته الحالية ـــ وإلى احتمال تدحرج الأزمة ‏السورية إلى منحنياتٍ غير محسوبةٍ لدى التحالف الأميركي ـــ الروسي، تماماً مثلما لم تكن ‏تطورات إسقاط حكم الإخوان محسوبةً أميركيّاً، وإفشال مخطط “إبقاء الأسد” أو “الحفاظ على ‏النظام نفسه من دون الأسد”، هو احتمالٌ يأتي في هذا السياق.‏

وفي كلِّ الأحوال، فإن خيارَ بقاء الأسد أو نظامه، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما جرى في ‏العراق بعد الانسحاب الأميركي عبر التوافق بين واشنطن وطهران على دعم نظام نوري ‏المالكي، الذي عمل على “تمكين الشيعة” و”تهميش السنة” فأحيا “القاعدة” مجدّداً بعدما ‏ضعف التنظيم الإرهابيّ هذا في العراق إلى أقصى الحدود، علماً أن مخططَ إضعاف ‏‏”القاعدة” في العراق الذي نفذه الجنرال ديفيد بترايوس في 2007 جاء عبر مصالحةٍ مع ‏عشائر السنة في الأنبار، وتمويل إنشاء ما عرف في حينه بـ”مجالس الصحوات”، التي ما إن ‏أضعفتها سياسة نوري المالكي حتى عادت “القاعدة” إلى العمل بفاعليّةٍ دمويّةٍ أكبر.‏

أما إذا ما اعتقد التحالف الدوليُّ الجديد (الروسي ـــ الأميركي) أن الحلول المؤقتة ‏تصبُّ في مصلحته، فإن التجاربَ من أفغانستان إلى العراق وحاليّاً سوريا، تؤكد أنه لا يمكن ‏السيطرة على الصراعات ـــ في عصر “الإعلام والمعلوماتية” ـــ في بقعةٍ ضيقةٍ والتحكم بها ‏كليّاً، فنتائج الفوضى الشاملة في سوريا ستتجاوز حدودَ الإقليم لتصلَ إلى أوروبا ـــ الجار ‏الأقرب ـــ ثم تنتشر في كلِّ الأنحاء؛ وتقويض ثورةٍ سلميّةٍ لشعبٍ مسالمٍ عبر تحويلها إلى ثورةٍ ‏معسكرةٍ بفعل القتل العشوائيِّ والجماعيّ المسكوت عنه دوليّاً، ثم إلى صراعٍ بين تطرّفٍ ‏‏”قاعديٍّ” وتطرّفٍ “أسديّ” وإلزام السوريّين بالاختيار بين التطرّفين، إن نجح التحالف الدولي ‏الجديد بفرضه، فلن يكون سوى حلٍّ هشٍّ لن يتأخرَ السوريّون كثيراً في رميه جانباً، تماماً ‏مثلما نجح المصريّون بإفشال فرض حلّ الدولة “الإخوانية” في سرعةٍ قياسيّة.‏

ثمّة أحاديثُ كثيرةٌ عن حلولٍ متصوّرةٍ في سوريا، مثل تقسيم البلاد إلى كياناتٍ ‏طائفيّةٍ: علويّةٍ ومسيحيّةٍ ودرزيّةٍ وسنيّةٍ، وقوميّةٍ بين كرديّةٍ وعربيّةٍ وربما تركمانيّة أيضاً،  ‏وحلٍّ عبر فدراليّةٍ طوائفيّة وقوميّة أيضاً، وحلٍّ عبر إبقاء النظام الحالي لكن مع بعض ‏التحسينات.‏

إنّ كلَّ تلك الحلول لن يُكتبَ لها النجاح وإن نجحت فلن تعمّرَ طويلاً. أما الحلُّ ‏المستدام، فيأتي عبر اختيار الشعب السوريّ مستقبله بلا ضغوطٍ “قاعديّة” أو “أسديّة” ـــ ‏إقليميّة أو دوليّة ـــ ومن خلال استعادة ثورة الشابات والشبان السلميّة بين آذار 2011 ونهاية ‏تلك السنة، وتحقيق هدف إقامة سوريا ديموقراطيّة يختار مواطنوها فيها نظامَ حكمهم وقيادات ‏هذا النظام بحريّةٍ وعبر آليّات الديموقراطية الحديثة.‏

التحميل

للإطلاع على الورقة بصيغة PDF وتحميلها :

Download (PDF, Unknown)