سورية، من الحريّة إلى أرضٍ للرباط

في البداية

ليس منصفاً القولُ إنّ الثورةَ لم تفعل سوى أنّها رفعت الغطاءَ عن القِدر السوريِّ ليظهرَ على “حقيقته” التي أخذت تتبدّى مؤخّراً عبر الانهدامات العميقة التي طالت الاجتماع السوريَّ، والتي كانت الطائفيّةُ وجهها الأبرز. ذلك القول ليس منصفاً من نواحٍ عديدةٍ، فهو أولاً يضمر أنّ مكوّنات هذا القِدر تنتمي إلى حقل الطبائع الأبديّة الثابتة، التي لا تنفع معها أيُّ صناعةٍ ولا أمل في تغيير أحوالها، ولولا هذا القِدر الحاضن لها، وهو هنا دلالةٌ على النظام السياسيِّ، لكانت قد اندثرت منذ زمنٍ، وما يحصل الآن شاهدٌ على هذا. يفضي هذا التصورُ، وهذا ثانياً، إلى تبرئة النظام في أسوأ الأحوال، وإلى التخفيف من دوره في أحسنها، في الوصول إلى ما نراه من مآلاتٍ حاضرةٍ الآن بعد ما يزيد على العامين والنصف من عمر الثورة في سورية؛ وبحيث يغدو هو، النظام، شكلاً متقدّماً، وحتميّاً لا يمكن أن يحتملَ المجتمع سواه، إذا أراد أن يبقى مجتمعاً. إنّ واقع الحال الذي وصلت إليه مؤخّراً، يبدو في ظاهره وكأنّه تصديقٌ على المقولة السلطويّة التي سعى النظامُ لتثبيتها على مدار عقودِ حكمه، أنّ بقاءه هو بقاءٌ للبلاد، وذهابه يعني زوالها. ولكن ما يغفله هذا القول هو دورُ النظام في تثبيت هذه المعادلة، وما تلك العبارةُ التي صدّرها معسكره منذ بداية الثورة، “الأسد أو نحرق البلد”، إلا تطبيقٌ أمينٌ لتلك المعادلة. بقاء البلاد من بقاء النظام، ليس تقريراً لحقيقةٍ ما، إنّها غريزةٌ أساسيّةٌ في النظام، وتهديد.الاصطفاف الحاليّ يُظهر أنّ معظمَ المحتجين على نظام الأسد من بيئاتٍ اجتماعيّةٍ سنّيةٍ، دون أن يعني هذا أنّ هاجساً كان يعتري الثورة لاستقطاب السنّة دون غيرهم، أو لجعل شكل المواجهةِ مع النظام ينحو باتجاه التطييف. وقامت محاولاتٌ عديدةٌ لتجنّب المسارب التي سار فيها النظام في تصدّيه للثورة منذ البداية، والتي ذهبت إلى إلباس الحراك لباساً سلفيّاً جهاديّاً، أو الإيحاء بأنّ نوازعَ طائفيّةً تحركه وتشكّل ماهيّته. حتّى إنّ خطاباً “إسلاميّاً” لم يأخذ بالتبلور إلّا بعد مضي العام الأوّل من الثورة، حيث بدأ بعد أن تصاعد المزاجُ المسلّح للمنتفضين، كردٍّ على العنف الذي قابل فيه النظام ثورتهم، وكان لتدخّلاتٍ دوليّةٍ، ولاسيّما من بوابة التمويل لفصائلَ مسلحةٍ معارضةٍ للنظام، دورٌ في تعبيد الطريق أمام أسلمةٍ ستأخذُ بالبروز مع الزمن.

زامن ظهورُ “السنيّة” في الثورة مع ظهورِ جبهة النصرة كانون الثاني 2012، والتي قدّمت أنّ معركتها في سورية هي مع “نظام نصيريٍّ”، وحلفائه من الشيعة، لا مع نظامٍ مستبدٍّ، وأنّ أهدافها هي تحكيمُ الشريعة عبر قيام الدولة الإسلاميّة. وفي منتصف آذار 2012، مع تبنّي جبهة النصرة لتفجيرات دمشق وحلب، بدأ نجمها بالصعود، ولاسيّما مع تزايد نشاطها العسكريِّ ضد منشآتٍ عسكريّةٍ تابعة للنظام. على الطرف الآخر، بدا واضحاً أنّ القاعدةَ الاجتماعيّة للنظام كانت ترتكز على الأقليّات وقطاعاتٍ لا بأس بها من سنيّي المدن السورية، ولاسيّما دمشق وحلب. ورغم التحاق بعض النخب التي تنحدر من الأقليّات، بالثورة منذ الأيّام الأولى لها، إلّا أنّه بات واضحاً أنّ ثمّة اصطفافاً أقلويّاً غالباً في صفِّ النظام، وإن بدا هذا عند العلويّين أكثر من غيرهم. وأثناء محاولاتِ البحث عن تفسير هذا الأمر، لم يخلُ هذا من بعض الاستسهال والتبسيط الذي سلكه بعض المحلّلين لفهم هذه الظاهرة. كذلك الحديث الذي دار حول زرعِ النظام للخوف في قلوبِ الأقليّات وتقديم نفسه على أنّه الحامي لهم من إبادةٍ حتميّةٍ سيقوم بها أهلُ الأغلبيّة، السنّة، فيما لو تمكّنوا من السلطة في سورية.

على الرغم من توفّر جانبٍ من الصحّة في هذا القول، إلّا أنّه لا يجيب عن سؤال: لماذا، وكيف، نجح النظام في زرع مثل هذا الخوف في قلوبِ هؤلاء؟!.. يغفل هذا القولُ بعضَ المسارات الاجتماعيّة والسياسيّة التي مرّت بها البلاد، والتي وفّرت للنظام بعض المداخل إلى الحياة السوريّة بما يتيح له التحكّم بمفاصلها ويؤمّن استقراره. كذلك لا يكفي القول إنّ الأقلّيات في سورية، دخلت إلى هذه الأخيرة بعد عزلةٍ عاشتها عن المكوّن السنّي في المنطقة، ممّا ساهم في تشكيل الأوهام عنه، ولاسيّما أنّ هذا المكوّنَ كان يسيطر على السياسة والاقتصاد والثقافة في المنطقة. إذ إنّ هذه “العزلة” التي ميّزت أقليّات، عندما تكتّلت في مناطقَ بعينها وانطوت على نفسها، ومن دون الخوضِ في بعض أسباب تلك العزلةِ، فهي تصحُّ على الأقليّات المحسوبة على الإسلام، بينما نجد أنّ المسيحيّين انتشروا في كلِّ المدن السوريّة و أريافها، وبدأ حضورهم الاقتصاديُّ والسياسيُّ والاجتماعيُّ في تصاعد منذ التنظيمات العثمانيّة، ممّا أمّن لهم وجوداً اجتماعيّاً لافتاً، وشراكةً مع سنيّي المدن في ترتيب الحياة داخل هذه المدن، ولاسيّما على الصعيد الاقتصاديِّ. ومع هذا يصحُّ على المسيحيّين، تقريباً، ما يصحُّ على غيرهم من أقليّاتٍ، في الموقف من الثورة السوريّة. لا يتّسع المجالُ هنا للخوض بتفصيلٍ أكبرَ في خلفيّات هذا الموقف للأقليّات أثناء الثورة، ونكتفي بذكر تحوّلين في التاريخ المعاصر للبلاد، سيكون لهما، لاحقاً، أثرٌ في تعزيز القرابة بين النظام والأقليّات.

يعود الأول فيهما إلى عام 1963 مع استلام البعثِ للسلطة، والذي قام، بتأثيرٍ من عقيدته الاشتراكيّة ورغبته في إيجادِ مراكزَ قوىً مواليةٍ له ومنافسةٍ للنخب المدينيّة التي كانت مهيمنةً؛ قام بالانفتاح على الريف السوريِّ عبر بوابة الإصلاح الزراعيِّ وبعض المشاريع الاقتصاديّة وفتح أبواب الدولة ومناصبها لوافدين من الريف. أتاح هذا للبعث قاعدةً اجتماعيّةً واسعةً من أبناء الريف بقيت مواليةً له حتّى وقتٍ قريبٍ، وكان من هؤلاء أبناءُ أقلياتٍ إسلاميّةٍ وجدت في دولة البعث خلاصاً لها من أوضاعٍ سابقةٍ كان التهميشُ هو السائد فيها. ستأتي أحداث الثمانينيّات المنصرمة بين الإخوان المسلمين والنظام، وهي هنا الحدثُ الثاني، لتعزّز من أسهم هذا الأخير عند الأقليّات، العلويّين منهم أكثر من غيرهم، الذين استُهدفوا بوصفهم عشيرةَ النظام. سيكون الأثر مزدوجاً على هؤلاء الأخيرين، فمن جهةٍ سوف تتأجّج مظلوميّةٌ علويّةٌ تسعى إلى استحضار كلّ صور الماضي الأليم، الحقيقيّ والمخترَع منه، بحيث يغدو الالتحاق بهذا النظام شرطاً لاستمرار الوجود، من جهةٍ ثانيةٍ.

ومع هذا شهدت أوساط العلويين تنوّعاً ظهر في بروز معارضةٍ للنظام كان من نتائجها زجُّ مئاتٍ منهم في المعتقلات. مثل هذا التنوّع انحسر كثيراً بعد قيام الثورة السوريّة 18 آذار 2011، ولاسيّما أنّ قاعدةَ الثورة تكاد أن تغطي معظم الجغرافية السوريّة، بينما فشل الإخوان المسلمون في الثمانينيّات في حشد السنّة السوريين وراءهم، هذا ما سهّل على النظام حصارهم وضربهم. لقد مثّل النظامُ بالنسبة للعلويين، والأقليّات الدينيّة والمذهبيّة كافةً، شعوراً بالأمان والنديّة، وأتاح لهم التماهي مع “وطنيّةٍ” سوريّةٍ سيغدو التمسّك بها مشروطاً ببقاء الحامي، النظام. الآليّة التي سيعتمدها النظامُ في إلحاق الأقليّات، ولاسيّما العلويّين منهم، هي ذاتها التي لجأ إليها لتصبح سورية: “سورية الأسد”. إنّه حصنُ البلاد في وجه أعدائها الذين يتآمرون عليها من خارجها وداخلها، وهو في الوقت ذاته ملاذ الأقليّات وحاميها. وبالنسبة للعلويّين، لقد عمل النظامُ على مسح أيِّ هامشٍ اجتماعيٍّ مستقلٍّ عندهم، وكرّس نفسه ممثلاً وحيداً لهم، على كلِّ الأصعدة. وسيعمل النظامُ عبر نخبه في تلك البيئة، على تكريس مجموعةٍ من القيم والرموز التي تُعنى بصناعةٍ ذاتيّةٍ علويّةٍ متمايزةٍ، تستحضر عناصرها من ماضٍ يتمُّ تضخيمه وتغذيته بتراجيديا لا ذاكرة لها إلّا الويلات والمظالم، ومن حاضرٍ ينعمون فيه بالأمن والأمان والشغل. الذاتيّة المطلقة غير معنيةٍ بالتاريخ الذي يتحوّلُ إلى أسطورةٍ تروي قصةَ الوجود والآلام والانتصارات على آخرين يشكّلون تهديداً حقيقيّاً لهذا الوجود، ومسبّباً أصيلاً للآلام. يبدو الماضي البعيدُ راهناً، وقائعه عصيّة على التغيير، فالأعداءُ الكارهون هم أنفسهم فكيف نطمئنّ لهم؟ إنّهم أباليس! لم ينجح النظامُ فقط بإقناع العلويّين بأنّه يحميهم من الغول الإسلاميِّ، بل يبدو أنّه فعل ذلك أيضاً مع باقي الأقليّات، ومع علمانيّين. ولكن بالنسبة للعلويّين، والأقليّات، ستأخذ هذه الأمورُ طابعاً أكثر غرائزيّةً، يؤسّس مخاوفه على اعتباراتٍ عقائديّةٍ يقبع في صلبها روايةٌ تسرد الظلمَ الذي تعرّضوا له عبر تاريخهم، فقط لكونهم علويّين أو مسيحيّين أو دروزاً مثلاً. هذه الرواية ضروريّة يصنعها الناس ولكنّها بعد حين تقوم هي بصناعتهم عندما سترتقي إلى مرتبة الهويّة التي تؤمّن تماسك الجماعة.

ساهمت الفوضى العراقيّة بعد سقوطِ نظام صدام حسين 2003 في الالتصاق بــ “الاستقرار” الذي يمثلّه النظامُ السوريُّ، ومدحه. هذا الموقف لم يكن خاصّاً بالأقليّات، بل بعموم السوريّين؛ ولكنّه مضاعفٌ عند الأقليّات بسبب طبيعة القوى التي ظهرت على الساحة العراقيّة، ودوّامةِ الموت الطائفيِّ الذي ساد بها.

الثورة

كان من الطبيعيِّ أن تقوم هذه الثورةُ أمام هذا الإقصاء للناس عن شؤون حياتهم وتقريرِ مصيرهم. ويضاف إليه ذلك التراجعُ في مستوى المعيشة الذي ارتبط بسياساتٍ اقتصاديّةٍ أرهقت الناس ومركزت الثروة في أيدي قلّةٍ قليلةٍ، أبرزهم سيكونون من أقرباء الأسد. وفي مواجهة هذه الثورة، التي فاجأت النظامَ بالفعل، لم يكن أمام هذا الأخير إلّا الرجوعُ إلى غرائزه الأصليّة، العنف والتخوين والوعود بتغييراتٍ لن تمسّ جوهرَ السلطة وأبديتها. النظام، كان ولا يزال، لا يعترف بأزمةٍ وطنيّةٍ تعصف بالبلاد، وأنّه العاملُ الرئيسُ في وجودها.

لم يكن الهاجسُ الطائفيُّ غائباً مع قيام الثورة السوريّة، وما قلناه سابقاً عن عدم وجود دافعٍ “سنيٍّ” يقف وراء الثورة السوريّة لا ينفي هذا. إذ إنّ تلويح النظام بورقة الطائفيّة، بالإضافة إلى ابتعادِ الأقليّات عن الثورة، وكذلك القلق من أن تتطوّر الأمورُ نحو مواجهاتٍ طائفيّةٍ في بعض المناطق ذات التعدّد الطائفيِّ، جعل من هذا الهاجس حاضراً. قام المتظاهرون عبر الشعارات التي كانوا يرفعونها أو يهتفون بها بمحاولة تعريف مختلف شرائح السوريّين بغاياتهم وأهدافهم، فأخذوا يهتفون بأنّ “الشعب السوريّ واحد”، وبعد ما يقاربُ الشهر على انطلاقةِ الثورة السوريّة، في 22 نيسان 2011، وكان يوم الجمعة، أطلق المتظاهرون اسم “الجمعة العظيمة” كرسالةٍ الهدف منها استمالة المسيحيّين إلى الثورة. وبعد ذلك بنحو الشهرين، في 17 حزيران 2011، سيكون هناك جمعةٌ باسم “جمعة صالح العليّ” أيضاً في رسالةٍ للعلويّين تهدف إلى تطمينهم واستمالتهم إلى الثورة وإقناعهم أنّ مصلحتهم هي ذاتها مصلحة باقي السوريّين في إزالة هذا النظام.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الجمعةَ وجدت انقساماً في بعض الأوساط في الثورة، فبعضهم لم يتبنَّ تسميتها باسم “صالح العليّ” وأطلق عليها اسم “جمعة الشرفاء”، وثمّة أسماءٌ أخرى أُطلقت على هذه الجمعة من جهاتٍ أخرى في الثورة. ومع ذلك فقد تمَّ التزامُ هذه التسمية في معظم التظاهرات التي خرجت آنذاك. إنّ هذه التسمية (صالح العليّ) التي جاءت بعد ثلاثة أشهرٍ من بدء الثورة، بالإضافة إلى السجالِ الذي دار حولها في أوساط الثورة، يعكس أنّ ثمّة “مسألةً علويّةً” بدأت بالظهور، وتشكّل أحد السياقات التي ينبغي على الثورة التعامل معها، ولا سيّما أنّها ستغدو أحد المسائل الحاضرةِ في تناول الصراع مع النظام. في الأشهر المتقدّمةِ من الثورة، ومع تزايد عنف النظام تجاه مجتمع الثورةِ وكوادرها، وانتقال الثورة إلى طورها المسلّح، وتصاعد الصدامات الطائفيّةِ في بعض المناطقِ ولاسيّما في حمص، وتأييد معظم العلويّين للنظام وانخراط كثيرٍ منهم في العمل المسلّحِ إلى جانبه، وانتشار فيديوهات لعناصرَ محسوبةٍ على النظام وهي ترتكبُ بعضَ الجرائم أو تشارك في أعمال القمع للثورة يوحي الكثير منها أنّهم علويّون، كلّ هذا سيدفع باتجاه تصدّر “المسألة العلويّة” كواحدةٍ من أهمِّ عناوين الصراع في سورية. لاحقاً، سيبرز المكوّنُ الإسلاميُّ في الثورة، وينزاح بعضه نحو تبنّي النسخة الجهاديّة، التي ستسعى ليس فقط إلى “تسنين” الثورة، بل إلى بناء ذاتيّةٍ سنيّةٍ لا تعي نفسها إلّا عبر التناقض مع الكافرين، وهم، في السياق السوريِّ، العلويّون أوّلاً. النظام سيغدو مع هؤلاء “نظاماً نصيريّاً”، والعلويّون من القوم الكافرين، قتالهم واجب1.

سورية.. أرض الرباط والجهاد

أولُ الجهاد في سورية جاء بعد عشرة أشهرٍ من قيام الثورة، في 25 كانون الثاني 2012 يوم الإعلان عن تنظيم “جبهة النصرة لأهل الشام”، كفصيلٍ إسلاميٍّ جهاديٍّ مقاتلٍ على الأرض السوريّة، ضدّ النظام. وأوّل الظهور لهذه الجبهة كان عبر عدّة فيديوهات انتشرت على اليوتيوب، تظهر ملثّمين في أماكنَ مختلفةٍ تعلن ولاءها لأبي محمّد الجولانيِّ المسؤولِ العامِّ للجبهة، وتعلن الجهاد ضدّ النظام “الكافر”. كان من بين هذه الفيديوهات واحدٌ لزعيم الجبهة الجولانيِّ، يقول فيه إنّه جاء إلى سورية من إحدى ساحاتِ الجهادِ، لإسقاط حكم الطاغوت ومساعدة أهل الشام على تحقيق ذلك دون مساعدة “الغرباء”، ويقصد بهؤلاء الأخيرين الغرب أولاً ثم الأتراك وحتّى أنظمة “الكفر” العربيّة، ويعلن أنّ هدف الجبهة هو “إعادةُ سلطان الله إلى أرضه”، وهو ما يجعل من خطاب الجبهة قريباً من ذلك الذي يتبنّاه تنظيمُ القاعدة، والذي ستبايعه مؤخّراً. شكّكت المعارضةُ السوريّةُ ممثلةً بالمجلس الوطنيِّ السوريِّ بجبهة النصرة، واتهمت النظام بأنّه وراءها، ولاسيّما بعد تبنّي الجبهة لتفجيراتِ دمشق وحلب 2 . وسينضمّ لهذا التشكيك الشيخ أبو بصير الطرطوسيّ وهو أحد الشيوخ الكبار في عالم الجهاد، ويروى أنّه عرّاب “حركة أحرار الشام” الإسلاميّة والمقاتلة في سورية أيضاً. بالمقابل ستحظى الجبهة بتزكية شيوخٍ آخرين كالشيخ أبي سعدٍ العاملي، والشيخ أبي الزهراء الزبيدي (لبنان)، والشيخ أبي محمد الطحاوي (الأردن)، والشيخ أبي المنذر الشنقيطي (موريتانيا).

 سيلقى أبو بصير نتيجة موقفه هذا نقداً لاذعاً من قبل زملاءَ له في الجهاد، ولاسيّما بسبب موقفه “اللين” من الجيش الحرِّ، حيث إنّه دعا في البداية إلى الانضواء تحت لوائه والقتال معه، وأنّ انشقاق عناصره وقتالهم للنظام يعادل “البراءة من الطاغوت وكفر به” الذي سبق لهم أن كانوا بخدمته، بينما رفض ذلك الشنقيطي وعديدٌ غيره، لأنّ رايته علمانيّةٌ (العلم السوري الذي يرفعه) وهو يسعى لتحقيق الغاية التي يعبّر عنها هذا العلم. وعلى سبيل المثال، رأى نقّاد أبي بصير في القسم الذي اعتمده “الجيش الحرّ” دليلاً على خطأ رأيه في أنّ هذا الجيشَ يقاتل الطاغوت. يقول القسم: “نقسم بالله العظيم، أن نحافظَ على الوطن، برّاً وبحراً وجوّاً، وأن نعمل على إرساء أسس نظامٍ ديمقراطيٍّ تعدّديٍّ، وأن نحترم جميع الاتفاقيّات الدوليّة المبرمةِ مع الدول كافّةً، وأن نحافظ ونلتزم بأخلاقيّات ومبادئ الدولة.. إلخ” 3 ، فيأتي الردّ على أبي بصير من أحد الجهاديّين: “هل إرساءُ نظامٍ ديمقراطيٍّ تعدّديٍّ هو في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله أم هو لإعلاء كلمة الطاغوت؟ وهل احترامُ الاتفاقات الدوليّة حتّى ولو كانت معقودةً على بيع المقدّسات الإسلاميّة والاعتراف بالنظم الطاغوتيّة والإبقاء على أسرى المسلمين في سجون الصليبيّين، هي لإعلاءِ كلمة الله؟” 4 .

ستأخذ التنظيماتُ المقاتلةُ ذاتُ الهويّة الجهاديّة بالتكاثر على الأرض السوريّة، وكان آخر ما وصلنا هو “دولة العراق والشام الإسلاميّة”، وأميرها شخصٌ مجهولٌ، يطلق عليه اسم “أبي بكر البغداديّ”، والتي تعود في أصلها إلى ما يسمى ب ـــ “دولة العراق الإسلاميّة”. التغيير الذي طال اسم الدولة، جاء على إثر بيانٍ أطلقه “أمير المؤمنين” أبو بكر البغداديّ، ادّعى فيه تبعيّة جبهة النصرة للدولةِ في العراق، ليعلن إلغاءَ الجبهة واستبدالها باسم الدولة الجديد الذي سيطلق عليه اختصاراً: “داعش”. سيرفض أميرُ النصرة، الجولانيّ، ما ادعاه البغداديّ، معلناً مبايعته لأيمن الظواهريّ أمير تنظيم القاعدة. بعد ذلك ستظهر ميليشياتٌ مسلّحةٌ في سورية تحمل راية “داعش”، سيكون لها مساهمتها في العمل المسلّح، ولكن ليس ضدّ النظامِ وحسب، وإنّما ضدّ تشكيلاتٍ أخرى مقاتلةٍ ومعاديةٍ للنظام، وإسلاميّةٍ، كما حصل مؤخراً في مدينة الرقّة من صدامٍ مسلّحٍ بين عناصر “داعش” وآخرين من لواء “أحفاد الرسول”، كانت نتيجته أن سيطرت “داعش” على معظم المدينة.

هذه التنظيماتُ الجهاديّة وأهدافها العامّة ونشاطاتها على الساحة السوريّة، يكاد المرء لا يلمح اختلافاً أساسيّاً أو تميّزاً عن تجارب جهاديّةٍ في ساحاتٍ أخرى، سواء في الجزائر أو الصومال أو العراق. الأهداف المعلنة نفسها، وهي النيلُ من الأنظمة الكافرة لإقامة الدولة الإسلاميّة، والعداء تجاه الغرب، ووجود جهاديّين من جنسيّاتٍ مختلفةٍ ضمن هذه التنظيمات. ربما بعض الاختلاف يحضر، في سورية والعراق، بسبب التعدديّة الاجتماعيّة / الطائفيّة فيهما، ففي العراق يحضرُ الشيعةُ بوصفهم موضوعَ الجهاد، والعلويّون في سورية بوصفهم عشيرة النظام، أي يتمّ تلزيم فئاتٍ اجتماعيّةٍ معينةٍ بالنماذج السياسيّة المجاهدة. إلّا أنّ المساهمة السوريّة في هذه التجربة الجهاديّة، هي ظهورُ ما يمكن أن نسميه بـــ “الجهاديّة الشيعيّة”. منذ بدء الظاهرة الجهاديّةِ، كانت مرتبطةً بقراءةٍ معينةٍ للإسلام تجد مراجعها في المذهب السنّي. التجربة الثوريّة التي خاضها الإسلام الشيعيُّ في إيران، سرعان ما استقرت في دولةٍ بعد انتصارها 1979، ومحاولات تمدّدها إلى خارج الحدود كان عبر ما تتيحه السياسة أو عبر دعم جماعاتٍ مسلحةٍ في فلسطين ولبنان رفعت شعارَ المقاومة للعدو الإسرائيليِّ المحتلّ. وبعد زوال نظام صدام حسين، برزت إيران في العراق من خلال دعمها للجماعات الشيعيّة التي آلت إليها أمورُ الحكم، والتي تستعين بمنطق الدولةِ في ضرب خصومها، ولاسيّما الجهاديّة السنيّة. وكذلك حين اجتاح حزبُ الله بيروت 2008، فعل هذا بالاستناد إلى حججٍ لم يكن الجهادُ واحداً منها، بل وكان له حينها، حلفاء من مختلف الطوائف اللبنانيّة.

اختلف الأمر في سورية. فنتيجة تكاثر الجبهات العسكريّة التي يخوض النظامُ معاركه فيها، وحاجته إلى كوادرَ بشريّةٍ مقاتلةٍ بعد خروج مساحاتٍ واسعةٍ من البلاد عن سيطرته والانشقاقات الواسعة التي حصلت في جيشه؛ كانت الخطوة التي سيقدمُ عليها مع حلفائه الإقليميّين، إيران والعراق وحزب الله، هي إمداده بمقاتلين شيعةٍ، بعد تصنيع قضيّةٍ لهم تجعل من قتالهم جهاداً، كحماية المراقد الشيعيّة في سورية ودحر التكفيريّين. صار الحديثُ يتردّد في سورية، عن مقاتلين شيعةٍ منضوين في لواء “أبي الفضل العبّاس” معظم مقاتليه من العراق، مهمته حماية المراقد في مدينة دمشق وريفها، و مقاتلين شيعةٍ عراقيين يخوضون معارك إلى جانب قوّات النظام في ريف دمشق، أو مقاتلين من حزب الله في حمص وحلب يرفعون راية الحسين. وأخذت تنتشر فيديوهات لمتديّنين شيعةٍ يذكرون في أناشيدهم الحماسيّة ما يحدث في سورية، مشحونة بمضامينَ ورموزٍ دينيّةٍ، ودعواتٍ للجهاد. مكمن الخطورة في هذا الكلام، أنّ الصراعَ القائمَ في سورية أضاف أبعاداً جديدةً وراديكاليّة للظاهرة الجهاديّة، ودفعاً باتجاه تصعيدٍ أكبر يحملُ عناوينَ طائفيّةً قد تصلُ تداعياته إلى دولٍ أخرى في المنطقة، وكذلك بروز احتمال أن تغدو سورية مركزاً يستقطبُ القوى المرتبطة بهذا التصعيد وساحةً أساسيّةً للحرب التي ترتبط به. يبدو الركون إلى الطائفيّة كتفسيرٍ لهذه المستجدّات غير كافٍ، وربّما من الصحيح القول إنّ هذه الطائفيّة الجهاديّة المستجدّة هي في أحد أهمِّ جوانبها، غطاءٌ لصراعٍ إقليميٍّ، بمباركةٍ من النظام السوريِّ.