علويّو سوريا من العزلة إلى لعنة السلطة

تنويه: الدراسة للباحث طارق عزيزة وقعها باسم آخر نتيجة الظرف الأمني، وكونه خرج من سوريا فوجب التنويه.

تنكشف سوريا، يوماً بعد يوم، على مزيدٍ من التعقيدات والمشكلات. ما استجدّ منها في عامين ونيّف من عمر الثورة، أو التي تعود إلى ما قبل آذار2011، وتفاعلت بزخمٍ أكبر بعده.

من المسائل القديمة والمستجدّة في آن، وُصِفَ النظام بالطائفيِّ، بما يحتمله الوصف من قراءاتٍ عدّة:

هل هو نظامٌ يستخدم الطائفيّة 1 يروّج لها لإدامة حكمه، أم أنّه بيد طائفةٍ بعينها يقوم ويستمرّ بها ويعبّر عن مشروعها السياسيِّ، أو أنّه يجمع الأمرين.

أيّاً يكن المعنى، فإنّ كون رأس النظام، وأبرز رموزه ينحدرون من الطائفة العلويّة، يجعل من الأهميّة بمكان فهم وضعيّة العلويّين في ظلّ هذا النظام منذ نشوئه حتى الآن، خصوصاً مواقفهم واصطفافاتهم الراهنة، ومحاولة فهم أسبابها. ولاسيّما وأنّهم كبرى الأقليّات المذهبيّة، في بلدٍ متعدّد القوميّات والأديان والمذاهب والطوائف، حيث يلي الأغلبيّة السنّيّة، من حيث الحجم النسبيّ، العلويّون بنسبة 12 بالمئة من السكان2، وفي تقديراتٍ أخرى تتراوح النسبة بين 12 و15 بالمئة 3 . وللطائفة امتداداتٌ في تركية ولبنان، الجارين المتفاعلين بشدّةٍ مع الوضع السوريّ.

تحاول الورقة تناول الإشكاليّة من خلال سردٍ تاريخيٍّ موجزٍ، واستعراضٍ لبنية النظام وتحوّلاته والدور العلويّ فيه، ثمّ علاقة النظام بالطائفة، وصولاً إلى إستراتيجيّة النظام لاحتواء العلويّين ووضعهم في مواجهة الثورة.

عرض تاريخيّ موجز

العلويّون من الطوائف المنشقّة عن مذاهب الشيعة، في القرنين العاشر والحادي عشر. يقيمون اعتباراً واحتراماً كبيرين للإمام عليّ بن أبي طالب، الخليفة الرابع وابن عم الرسول محمد وصهره. لكنّهم ذهبوا في تبجيلهم للإمام علي أبعد من الشيعة الاثني عشرية التقليديّة4، إلى درجة أن أسبغوا عليه بعض الألوهيّة 5.

وتتحدّث بعض المصادر عن “العلويّة” كطريقةٍ صوفيّةٍ، كما صرّح بذلك المكزون السنجاري، أكبر فلاسفتهم، في أكثر من قصيدة. وأكّده شيخهم في العصر الحديث، العلّامة الشيخ سليمان الأحمد، في رسالةٍ إلى محمد كرد علي، فقال: “إنّما لهم طريقةٌ كالنقشبنديّة والرفاعيّة وغيرها من الطرق الصوفيّة بالنسبة إلى أهل السنّة”6. والعلويّة، كبقيّة الطرق الصوفيّة، ترى أنّ للدين الإسلاميّ وجهين، أحدهما خاصٌّ بعامّة الناس، والثاني خاصٌّ بالصفوة. وبتعبيرٍ آخر، للدين باطنٌ وظاهرٌ، أو حقيقةٌ وشريعة. وجوهر العلم الباطنيّ الإيمانُ بالله ومعرفة أسمائه وصفاته، وكلُّ آيةٍ، بل كلُّ كلمةٍ في القرآن، تخفي وراءها معنى باطناً لا يكشفه الله إلّا للخاصّة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في نفوسهم. وإنّ للصلاة والصوم والحجّ والزكاة معنى ظاهراً ومعنى باطناً. ولا يُعطى علم الباطن إلّا للمنتسب إلى هذه الطريقة، عن طريق شيخه بعد أن يحلّفه على كتمان السرّ. كأيِّ طريقةٍ صوفيّةٍ أخرى7.

اعتبرت المؤسّسةُ السنيّة في دمشقَ والقاهرة وبغداد، وصولاً إلى السلطنة العثمانيّة، العلويّين والدروز والإسماعيليّين، وإلى حدٍّ ما الشيعة الإثني عشريّة، هرطقةً على الإسلام القويم، وتعاملت معهم على هذا الأساس. فكان العلويّون طائفةً مضطهَدةً، يسكنون الأرياف والجبال ويعيشون على هامش المجتمع السوريّ 8.

يقيم أغلب العلويّين في الجبال المعروفة باسمهم، الممتدة من جبال إسكندرون شمالاً حتّى جبل لبنان جنوباً، يحدّها شرقاً ملحقات حلب وحماه وحمص، وغرباً ساحل البحر الأبيض المتوسّط9. وقد تعرّضوا، على مدى قرونٍ، لحملاتٍ ضدّهم من الأيوبيّين (1188م)، والمماليك (1285 ـــ 1305) الذين حاولوا إجبارهم على اعتناق المذهب السنيِّ بقوّة السلاح، فكان موسم إبادةٍ ضدّ العلويين عضدته سلسلة فتاوى كان يصدرها قاضي الشرع في دمشق العلّامة ابن تيميّة (1263 ـــ 1328) ضدَّ شيعة لبنان وموارنته، ولكنّه خصّ العلويّين بتهمة أنّهم “أكثر خطراً على الإسلام من المسيحيّين، وواجب كلِّ مسلمٍ الجهاد ضدّهم”. إضافة إلى حملات تركية لتحويلهم إلى مذهب السلطان العثمانيّ السنّي. فزادت عزلة العلويّين وابتعادهم عن المدن، ونظر إليهم السنّة، وهم أغلبيّةُ سكّان المدن، كهراطقة ومنبوذين. كما اقتحمت حملة إبراهيم باشا (1832) جبال العلويّين، فقتل الكثير منهم وحرقت الأرزاق، ونهب العسكر المصريّ الغالي والنفيس من منازلهم 10.

لا يختلف العلويّون عن غيرهم من السوريّين في الأصالة العربيّة، وقد ظلّوا محافظين على عروبتهم رغم الاضطهاد الذي تعرّضوا له أجيالاً11. وإذا كان الاضطهاد الذي حلّ بالعلويّين عدّة قرونٍ قد مكّن في نفوسهم الطاعة العمياء للحكومة وذوي النفوذ، فإنّه لم يسلبهم الوداعة في المعاشرة ولا غيرها من المزايا العربيّة، كإكرام الضيف والوفاء إزاء من يزورهم أو يلجأ إليهم. وممّا يجدر ذكره أنّ عدداً غير يسير من أبناء اللاذقية المسلمين والمسيحيّين قد لجأ إلى القرى الجبليّة العالية، فراراً من الجنديّة، وبقوا في حمى إخوانهم العلويّين طوال مدّة الحرب معزّزين مكرّمين، دون أن يتعرّض أحدهم لما يزعجه أو يكدّر خاطره 12.

حتّى القرن العشرين، كان العلويّون يُعرفون باسم “النُصيريّين”، وجبالهم جبال النصيريّة، نسبةً إلى محمد بن نُصير، رجل دين من القرن التاسع الميلاديّ (من أتباع الحسن العسكريّ، الإمام الحادي عشر عند الشيعة). ومع قدوم الانتداب الفرنسيّ وإطلاق الفرنسيّين لقبَ “علويّين” على أتباع هذا المذهب، ومفرده “علويّ” نسبةً إلى الإمام علي، انتشرت العبارة في الكتب والصحف والتقارير الرسميّة الفرنسيّة، وباتوا يُعرفون بالعلويّين 13.

خلال انتدابهم على سوريا، واجه الفرنسيون مقاومةً مسلّحةً حيناً، وسياسيّةً أغلب الأحيان. تجلّت المقاومة المسلّحة، بصورةٍ أساسيّةٍ، في الثورة السوريّة الكبرى (1925 ـــ 1927) بقيادة سلطان باشا الأطرش، وسبقتها مرحلةٌ أولى (1919 ـــ 1921)، في مناطق الساحل السوريّ ذات الأغلبيّة العلويّة، بقيادة الشيخ صالح العليّ، حيث تمكّن العلويّون من صدِّ الجيش الفرنسيّ ومنعه من احتلال جبالهم لعامين 14.

قسّم الفرنسيّون البلاد على أساسٍ طائفيٍّ ومذهبيٍّ لتسهيل السيطرة عليها. فقام الجنرال غورو، المفوّض الساميّ، بتقطيع سوريا، ففصل منها دولة لبنان الكبير (1 أيلول 1920)، وجزّأ الباقي إلى دويلات: دولة دمشق، دولة حلب، حكومة جبل الدروز، حكومة العلويّين. رفض غالبيّة العلويّين فكرةَ الانفصال عن سوريا، فالتيّار الوطنيّ الاندماجيّ كان أكبر وأقوى بكثيرٍ في الوسط العلويِّ من التيّار الانفصاليّ15. خلافاً لما تحاول بعض أوساط المعارضة السوريّة ترويجه في الأزمة الراهنة، من خلال التركيز على وثيقةٍ يؤكّد فيها وجهاءُ علويّون من المتعاونين مع فرنسا، على استقلال “دولة العلويّين” تحت الانتداب الفرنسيّ، دون أن تلقى دعواتهم استجابةً في أوساط الطائفة. بل إنّ بعض “الانفصاليّين” عادوا وانضمّوا إلى الأصوات العلويّة المطالبة بوحدة سوريا واستقلالها 16.

دشّنت فترة الانتداب مرحلةً جديدةً للعلويّين أفضل نسبيّاً مما سبقها من قرونٍ ظالمةٍ ومظلمةٍ؛ إذ اعترف الفرنسيّون رسميّاً بوجود العلويّين كمذهبٍ وككيانٍ سياسيٍّ، ما أخرجهم من عزلةٍ وثباتٍ داما قروناً، ووضعهم مجدّداً على الخريطة السوريّة17. كانت إحدى أدوات الإغراء الفرنسيّة تجنيد شباب العلويّين (وغيرهم من أبناء الأقليّات) في قوّات المشرق الخاصّة، (قوة محليّة أنشئت في عام 1921، تحت إمرة ضباط فرنسيّين). انضمّ إليها العلويّون، مثلهم في ذلك مثل الشراكسة والدروز، لانعدام أيِّ فرصةٍ لعملٍ آخرَ على الأغلب. وأدّت الخدمة العسكريّة مع الفرنسيّين إلى تأسيس بدايات تقليدٍ عسكريٍّ علويٍّ أصبح مركزيّاً في صعود الطائفة اللاحق فيما بعد 18، إذ تصاعد نفوذ الضبّاط العلويّين في القوّات الخاصّة ونمت التجربة العسكريّة في أوساط شباب الطائفة 19.

سياسة الانتداب في ديمقراطيّة التعليم ونشر المدارس الحكوميّة ببرامجَ موحدةٍ، منعت ازدهار التعليم المذهبيّ الطائفيّ كما حدث في لبنان 20، وساهمت في انتشار التعليم بين أبناء العلويّين. وانخرطت أعدادٌ متزايدةٌ منهم في الأحزاب والحركات السياسيّة التي ظهرت أثناء الانتداب وبعد الاستقلال، كالحزب الشيوعي والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ وحزب البعث وغيرها.

ومع تغلغلهم في الجيش والأحزاب السياسيّة تنامى دور العلويّين في الحياة العامة، فشاركوا في مختلف التطوّرات التي شهدتها سوريا، وبشكلٍ أكبر منذ الانقلاب الذي نفّذته “اللجنة العسكريّة” 21 ، بالتعاون مع ضبّاط ناصريّين وآخرين مستقلّين (أبرزهم زياد الحريري قائد جبهة الجولان)، وأطاح حكومة الانفصال في 8 آذار 1963، ليفتتحَ مرحلةً طويلةً من التاريخ السوريّ. وعبر نصف قرنٍ من الحكم شهد النظام، الذي بدأ مع ذلك الانقلاب، تحوّلاتٍ وصراعاتٍ وإعادةَ ترتيبٍ للأدوار ومراكز القوى، دون أن تغيّر من جوهره كنظامٍ شموليٍّ أشبه بنُظم “الديمقراطيّات الشعبيّة” و”الحزب الواحد”، التي ظهرت في أوروبّا الشرقيّة بُعيد الحرب العالميّة الثانية، مع خصائص أخرى ينفرد بها.

بنية النظام وتحوّلاته والدور العلويّ

أسّس انقلابيّو 8 آذار مجلساً لقيادة الثورة من عشرين عسكريّاً (12 بعثيّاً و8 ناصريّين) ومدنيّين اثنين، يتمتّع بالسلطات التنفيذيّة والتشريعيّة المطلقة في البلاد. اختير لؤي الأتاسي رئيساً للمجلس وقائداً للجيش، ومنح قادة الانقلاب لأنفسهم مناصبَ رفيعةً: أصبح الحريري رئيساً للأركان، والناصريّان محمد الصوفي وزيراً للدفاع وراشد القطيني نائباً لرئيس الأركان. واحتفظت “اللجنة العسكريّة” بمناصبَ هامّة: عمران قائداً للّواء الخامس في حمص ثمّ اللواء 70 المدرّع، وصلاح جديد مسؤولاً عن مكتب شؤون الضبّاط، وأحمد سويداني رئيس المخابرات العسكريّة، ومزيد هنيدي رئيس الشرطة العسكريّة، وحافظ الأسد قائداً لقاعدة الضمير الجويّة 22.

ومع كلّ مناصبهم في الدولة الجديدة، لم يشعر أعضاءُ اللجنة بالأمان والثقة بمقدرتهم على حكم البلاد، لكونهم ضبّاطاً صغاراً من الأقليات ويفتقرون لأيِّ قاعدةٍ شعبيةٍ، فاحتاجوا واجهةً سنّيةً إضافة إلى الأتاسي، ووجدوا ضالّتهم في أمين الحافظ الذي لم يكن بعثيّاً ولكنّه كان صديقاً للجنة، وسمّوه وزيراً للداخليّة 23.

سرعان ما تخلّصت “اللجنة العسكريّة” من شركائها، فأقصت زياد الحريري وجماعته في 23 حزيران 1963، أثناء زيارته إلى الجزائر كوزيرٍ للدفاع ورئيسٍ للأركان، حين صدرت قرارات تسريح أو نقل 25 ضابطاً من المحسوبين عليه، وأُعطِيَ هو تعليمات بالتوجّه إلى واشنطن لاستلام منصب ملحقٍ عسكريٍّ في السفارة السوريّة هناك. وفوجئ الحريري بهذه الإجراءات ففضّل الابتعاد ولجأ للإقامة في باريس 24. وانتهى أمر الناصريّين بعد قيامهم في 18 تمّوز 1963، بقيادة جاسم علوان مدعوماً من “حركة القوميّين العرب” والمخابرات المصريّة، بالهجوم على إذاعة دمشق ومبنى الأركان، فقُتل وجرح المئات، وجرت محاكماتٌ وإعداماتٌ سريعةٌ خلال ساعات25.

بعد التخلّص من خصومهم، بدأ الصراع على السلطة بين البعثيّين أنفسهم، وتفجّرت ضمن الحزب كلّ التناقضات العسكريّة والمدنيّة، وكان الخلافُ بين يمين الحزب يقوده ميشيل عفلق وصلاح البيطار والضابط محمد عمران (علويّ)، ويساره بقيادة نور الدين الأتاسي، ويوسف زعين، وإبراهيم ماخوس (علويّ)، وانتهى ذلك إلى انقلاب 23/2/1966 بقيادة صلاح جديد26  (علويّ). وشرعت السلطة في “تطهير” القوّات المسلّحة، فاعتُقِلَ وسُرّح مئات الضبّاط للتأكّد من خلوِّ الجيش من المجموعات المناهضة. فدخلت سوريا العام 1967 بعددٍ ضئيلٍ من الضباط برتبٍ رفيعة 27. وكان لذلك دوره في هزيمة حزيران 1967.

أدّت الهزيمة إلى شرخٍ عميقٍ في صفوف القيادات العسكريّة والمدنيّة. ولم يكن الضبّاطُ والساسة العلويّون كتلةً واحدةً في الصراعات الداخليّة لنظام الحكم العسكريّ/البعثيّ الناشئ، إذ انقسموا على خلفيّة الاستقطاب الحادّ بين سياستين متعارضتين، حيال المسائل الداخليّة والخارجيّة. بدا الأمر نوعاً من “الصراع على السلطة داخل الطائفة العلويّة” 28. وانشغلت سوريا من 1967 إلى 1970 بأزمة حكم بين القيادة المدنيّة ومن ورائها صلاح جديد، والقيادة العسكريّة ممثّلةً بحافظ الأسد، حول إستراتيجيّة الصراع ضدّ إسرائيل، ومسائل التنمية الاقتصاديّة، والحياة السياسيّة والعلاقات الخارجيّة 29.

باتت الخلافاتُ بين الرجلين واضحةً جليّةً في المؤتمرات القطريّة والقوميّة للحزب 30. وبينما نجح الأسد في فرض سيطرته على معظم القوّات المسلّحة، أحكم جديد قبضته على جهاز الحزب المدنيِّ بشغل أهمِّ المراكز المدنية بمؤيّديه، فنشأت حالةٌ من “ازدواجية السلطة” 31. لكنّ الأسد حسم الموقف لصالحه على مرحلتين: 25 ـــ 28 شباط 1969، حين أمر الدبّابات باحتلال نقاطٍ إستراتيجيّةٍ داخل العاصمة، وعزل رجال جديد من الصحف الرسميّة والحزبيّة (البعث والثورة) وعيّن أشخاصاً محسوبين عليه. واحتلّ مباني إذاعتي دمشق وحلب، وطرد رجال جديد من مكاتب الحزب والدولة في اللاذقيّة وطرطوس. وقام شقيق الأسد، رفعت، باعتقال رجال عبد الكريم الجندي، رئيس أمن الدولة الموالي لجديد. ولكنّ العمليّة انتهت دون استلام الحكم 32. ذلك أن القيادةَ السياسيّة ردّت ببيانٍ ندّد “بعصيان الجيش على الحزب” ودعا الأسد للعودة عن إجراءاته، ولقي موقف القيادة السياسيّة دعمَ الشارع، إذ إنّ المنظّمات الشعبيّة ومعظم كوادر الحزب هرعت لدعم موقفها ضدَّ الانقلابيّين 33.

حسم الأسد الأمورَ نهائيّاً بين 13و16 تشرين الثاني 1970، بعد المؤتمر القوميّ العاشر لحزب البعث. عشيّة المؤتمر أجرى الأسد تنقّلاتٍ طالت ضباطاً محسوبين على القيادة السياسيّة (جديد)، التي ألحّت عليه في المؤتمر أن يلغيَ التنقلات، فرفض. وعندها شنّت القيادة سلسلة اتهاماتٍ ضدَّ الأسد وزملائه: أنّه خلق “ثنائيّة سلطة” في سوريا وخرق نظام الحزب واعترض تنفيذَ قراراته واعتقل بعض أعضائه، وأنّه يروّج “لخطٍّ انهزاميٍّ ورجعيٍّ في الصراع مع إسرائيل”، ما شكّل جريمةً لا تُغتفر في قاموس البعث 34. وفي المؤتمر كان جديد لا يزال يسيطر على الأكثريّة بين كوادر وقيادات الحزب العليا فاستعملها لتمرير قراراتٍ تجرّدُ الأسد وصديقه المخلص مصطفى طلاس من مناصبهما القياديّة في الجيش والحكومة، إلّا أنّ الأسد كان قد اتّخذ احتياطاته ونشر قوّاته حول قاعة المؤتمر35. وعندما انفضّ المؤتمر مساء 12 تشرين الثاني دون التوصّل إلى اتّفاق، أمر الأسدُ فجر 13 تشرين الثاني وحدات من الجيش باحتلال مكاتب الحزب والمنظّمات الشعبيّة واعتقال عددٍ من الضبّاط وكبار القادة السياسيّين 36. وبعد تردّد ثلاثة أيّام صدر بيانٌ مساء 16 تشرين الثاني يعلن استلام الأسد للسلطة 37.

عيّن الأسد قيادةً قطريّةً مؤقّتةً من أربعة عشر عضواً سرعان ما تمَّ توسيعها إلى واحدٍ وعشرين. وكانت على قمّة هرم السلطة، فأصبحت تحت قيادة الأسد وكانت الكلمة الفصل له دائماً 38.

عيّنت “القيادةُ القطرية المؤقّتة” أعضاءَ مجلس الشعب بالكامل وأعلن في 17 شباط 1971. فكان أوّل عملٍ للمجلس المعيّن تزكية حافظ الأسد لمنصب رئيس الجمهوريّة 39. وجرى استفتاءٌ شعبيٌّ في 12 آذار 1971 صوّت للأسد بنسبة 99,2 بالمئة ليصبح رئيساً للجمهوريّة لفترة سبع سنوات (وهو أولُّ علويٍّ يتولى الرئاسة). وعمل الأسد على إنشاء نظامٍ رئاسيٍّ يضع صلاحياتٍ واسعةً في شخص رئيس الجمهورية 40، وفقاً لـــ “الدستور الدائم للجمهوريّة العربيّة السوريّة”، والذي نصّت مادّته الثامنة على قيادة حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ للدولة والمجتمع 41.

التفوّق الذي حظيت به جماعةُ حافظ الأسد قلّل كثيراً من الفرص أمام غير العلويّين لتشكيل كتلِ قوى مستقلّةٍ قادرةٍ على تهديد مركز النظام. وإنّ التحديّات الأبرز لمركزه نبعت أساساً من داخل الطائفة العلوية، وهو ما بدا واضحاً نتيجة الاعتقالات والتسريحات، في حزيران1971، لعسكريّين ومدنيّين علويّين من أنصار صلاح جديد، اتهموا بالتورط في نشاطاتٍ تخريبيّةٍ ضدَّ النظام 42. وفي كانون الأوّل 1972 تمَّ اعتقالُ المزيد من أنصار وحلفاء جديد العسكريّين والمدنيّين بتهمة التآمر ضدَّ النظام، ومرّة أخرى كانت النسبة الكبرى من المعتقلين علويّين. ولكون معظم تلك التحديّات نبعت من داخل الطائفة العلويّة، وضع الأسد ثقته المتزايدة في أشخاصٍ مقرّبين إليه كأفراد عائلته أو قريته وما يجاورها، لكي يؤمّنَ نفسه ضدَّ من هم من طائفته الدينيّة نفسها 43، وهو ما يُفسّر انتخاب رفعت الأسد عضواً في القيادة القطريّة في نيسان 1975 44.

اعتمد الأسد على الجيش والأمن بشكلٍ متزايد، فعزّز دورهما الفعليّ في الحكم على حسابِ حزب البعث الذي بقي كواجهةٍ أيديولوجيةٍ للنظام، يقود الأحزاب الأخرى التي دُجّنت في “الجبهة الوطنيّة التقدمية”، وهي تحالفٌ سياسيٌّ شكليٌّ يوحي بوجود تعدّديّةٍ حزبيّةٍ ومشاركةٍ في السلطة، في حين لم يكن يُسمح لأحزابها بأيِّ نشاطٍ سياسيّ. لتُطوى عمليّاً صفحة “دولة البعث” وتبدأ مرحلة “سوريا الأسد”، حيث عملت آلة الإعلام والدعاية الرسميّة على صناعة “كاريزما القائد” لتكريس “عبادة الفرد”، بالتركيز على شخصيّة الأسد ودوره، فهو “باني سوريا الحديثة” و”رمز الثورة العربيّة” و “بطل التحرير”، وحاولت إعطاءه صورةَ الزعيم القومي كعبد الناصر.

واجه النظام، بين أواخر السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات، تحدّي الإخوان المسلمين، الذين أخذوا من موقعهم السنّيّ يهاجمون نظامَ الحكم بأنّه “حكمٌ علويٌّ”، وأنّ ادّعاء النظام العلمنةَ ليس سوى جريمةٍ أخرى تعكسُ هرطقة العلويّين وكفرهم 45. ليبدأ صراعٌ دمويٌّ مرير، لم يخلُ من دور للخارج، استمرّ حتّى أوائل عام 1982 46.

اتّخذت مواجهةُ الإسلاميين للسلطة منحىً طائفيّاً، إذ لم يتركوا مجالاً للشكّ في رأيهم في العلويّين، من خلال ما أعلنوه مراراً في نشرة “النذير” بصفتها “صوت الثورة الإسلاميّة”، فقد أشاروا إليهم بـــ “العدوّ النصيريّ” و”الكفرة النصيريّين المارقين عن ملّة الإسلام”، ووصفوا صراعهم ضدّ النظام على أنّه “بين الأغلبيّة المسلمة (السنّيّة) المكبوتة والأقليّة النصيريّة الكافرة” 47. في حين لم تكن الطائفةُ العلويّة هي التي تحكم سوريا، إنّما يسيطر علويّون على الحكم البعثيّ. حيث اقتصرت المشاركة الفعّالة في هذا النظام على جزءٍ محدودٍ من الطائفة العلويّة تربطه أواصر إقليميّة وعشائريّة 48. وفُتحت الإدارات والمؤسّسات العامة لكلِّ الطوائف، وقد استلم رجالُ سنّة أعلى المناصب، إلّا أنّ القاعدة الأمنيّة للنظام كانت بأيادٍ علويّةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ 49.

وجد قياديّو النظام أنفسهم محصورين بين مجتمعٍ معادٍ لهم، وخارجٍ يتحدّاهم ويؤثّر على أوضاعهم الداخليّة، ويتدخّل أو يمكن أن يتدخّل لتخريب أو تعديل موازين القوى التي أقاموها بقوّة السلطةِ الفعليّةِ مع مجتمعهم، فلجؤوا إلى “طائفتهم” العلويّة50. ووضعوا العلويّين في مواجهة مجتمعهم عبر سلسلةٍ من التدابير هدفت إلى إقناعهم باستحالة وجود أو قيام روابطَ تاريخيّةٍ أو طبيعيّةٍ تشدّهم بطريقةٍ إيجابيّةٍ إلى أبناء وطنهم، كما رمت إلى ربطهم بالسلطة ربطاً يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال مواطنيّتهم أو انتمائهم إلى المجتمعين المدنيّ والسياسيّ 51. وقد ساعدهم في ذلك الخطاب والسلوك الطائفي للمعارضةِ الإسلاميّة، مع التركيز على استحضار ذاكرة الاضطهاد الذي تعرّض له العلويّون تاريخيّاً.

لكنّ ذلك لم يمنع انخراطَ أعدادٍ كبيرةٍ من شابّات وشبّان الطائفة العلويّة في الأحزاب المعارضة لنظام الأسد، اليساريّة منها والقوميّة (بشكلٍ أساسيٍّ: حزب العمل الشيوعيّ، الحزب الشيوعي ـــ المكتب السياسي، حزب البعث العربيّ الديمقراطيّ)، وغصّت بهم السجونُ والمعتقلات، ومنهم من قضى تحت التعذيب. ذلك أنّ النظام، وجد في معركته ضدّ التمرّد الإسلاميّ فرصةً للقضاء على كلِّ أشكال المعارضة، في النقابات والأحزاب السياسيّة.

ومع القضاء على التمرّد الإسلاميّ، كانت النتيجةُ التحوّل إلى النظام القمعيّ 52 وإلى دولةٍ أمنيّةٍ ديكتاتوريّة 53. وإن أهمَّ خصائص نموذج “الدولة الأمنيّة” وجودُ أجهزةٍ هائلة الامتداد والقوّة، حيث لا تغفلُ عينها عن أيِّ سلوكٍ أو حركةٍ لأيِّ فرد. التفكير المعرفيُّ، التفكير السياسيّ، التعبير، التجمّع، التحزّب، وأيُّ وجهٍ من وجوه النشاطات الخاصّة بحياة الفرد، مراقبٌ، محصورٌ، ومضبوط. وجميع المستويات المكوّنة للمجتمع: اقتصاد وسياسة واجتماع تتحرّك بقرارٍ من أجهزة الأمن الممسكة بتلابيب الحياةِ المجتمعيّة 54. ذلك أنّ الأجهزةَ الأمنية قد غدت منذ الثمانينيّات سيّدة الدولة، أي “أصحاب الحكم”، وتحوّلت معها الدولة السوريّة في علاقاتها إلى نمطٍ من أنماط “الدولة الأمنيّة”، أو المتغوّلة على نحوٍ مفرطٍ في علاقة الدولة مع المجتمع 55. وبات في سوريا نظامٌ مزدوجٌ يرتكز على خطّين متوازيين، الصخرة الأساسيّة في القاعدة هي أمن النظام، بنية تحتيّة من السيطرة، أقيمت عليها طبقةٌ أخرى من الإدارة، والنشاط الاقتصاديّ، والمؤسّسات شبه التمثيليّة، والوظائف العامّة، والكسب الخاصّ 56.

لم يتغيّر جوهرُ النظام بعد رحيل حافظ الأسد وتولّي ابنه بشّار الرئاسة، فالنظامُ الذي يترأسه الرئيس بشّار ما زال إلى درجةٍ هامّةٍ هو النظام الذي ابتكره والده57، الذي كان أهمُّ إنجازٍ أساسيٍّ حقّقه كحاكمٍ لسوريا هو تحويل النظام السياسيِّ السوريّ من نظامٍ أنهكته الانقلابات، ومن شبه الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى نموذجٍ حقيقيٍّ للاستقرار الفاشستيّ. وبقيامه بذلك أسّسَ بنية السلطة في سوريا التي استمرّت في تعريفِ وتحديد الخيارات السياسيّة الجوهريّة لابنه58. تلك السلطة ذات الطابع الدولتيِّ، التي تخضعها نخبتها القائدة لمصالحها الجزئيّة المتعارضة مع المصالح العليا للمجتمع، فتبحث عن تغطيةٍ “شعبيّةٍ” أو طبقيّةٍ لنفسها، وتندفع وراء تفكيك الهيئة الاجتماعيّة تفكيكاً مدروساً يكفل لها التفوّق على المجتمع وعلى أيّة واحدةٍ من مكوّناته، وسيلتها إلى ذلك استغلال عناصر ومكوّنات قاعديّة، كالطائفيّةِ والعشائريّة والجهويّة، التي يتعارض وجودُها مع اتجاه المجتمع نحو دمج مكوّناته في كيانيةٍ واحدة59. وإنّ ما طرأ من “تغييراتٍ” خلال العقد الأوّل من حكم الأسد الابن، لا يعدو أن يكونَ عصرنةً للخصائص التسلطيّة، مع بقاء هياكلها القديمة التي تآكلت وظائفها متعايشةً مع هياكلَ وتنظيماتٍ جديدةٍ في طور التكوّن 60.

النظام والطائفة العلويّة

خلافاً للروايات التي سعى النظامُ لترويجها، من أنّ الأسد هو من جعل لهم مكانةً واعتباراً، بعد أن كانوا قبله حبيسي جبالهم وقراهم، فإنّ وقائع التاريخ السوريّ تثبت عكس ذلك، فقد كان لهم دورٌ وطنيٌّ هامٌّ، منذ نشوء سوريا الحاليّة، كما مر بيانه. وإنّ الطائفةَ العلويّة في عهد الأسد، لم تكن في أفضل أيّامها.

على الرغم من الأفكار الشائعةِ عن وجود طبقةٍ علويّةٍ ثريّةٍ وصاحبةِ امتيازات تسيطر على سوريا، فإنَّ النظامَ الحاليَّ لا يكاد يقدّم فائدةً ملموسةً تُذكر لمعظم المواطنين العلويّين. وفي حقيقة الأمر، ومنذ توفير الأسد الأب للخدمات الأساسيّة في السبعينيّات والثمانينيّات، لم تتطور معظمُ القرى العلويّة سوى بمقدارٍ ضئيلٍ، باستثناء القرداحة، موطن عائلة الأسد 61. وإنّ الريفَ العلويَّ بقي من دون أيِّ إنماء، والكثير من السكّان التحقوا بالجيش لغياب أيِّ بديلٍ اقتصاديٍّ فعليّ، وكان موظفو الأجهزة الأمنيّة ذوي دخلٍ قليلٍ، بينما يعملون لفتراتٍ طويلةٍ، والأفراد حديثو السنّ من العلويّين، انتسبوا في غالبيّتهم إلى القوى العسكريّة والأمنيّة. هذا وإنّ العلويّين العاديّين نادراً ما استفادوا من الفساد، في أعلى هرم النظام، ولاسيّما تحت حكم بشّار الأسد 62.

وبينما كان النظامُ يشجّع العلاقات الاعتماديّة، ما بين السنّة والمؤسّسات الدينيّة، عمل على ربط العلويّين به، من خلال ضرب أيِّ حالةٍ اعتراضيّةٍ على النظام ضمن الطائفة العلويّة، ومحاولة ربط الطائفة مباشرةً بعائلة الأسد 63.

في عام 1981، أنشأ النظام مؤسّسةَ الإمام عليّ المرتضى، بهدف ضمان الطاعة بين العلويّين، وترأّسها جميل الأسد شقيق الرئيس، وسعى عبرها إلى زيادة سلطته، في منطقة اللاذقية. وكان هدفُ المؤسّسة، بحسب رئيسها، هو بناء شخصيّةٍ علويّة. وسعت لترشيح شخصيّاتٍ علويّة تابعة لآل الأسد، مقابل المرشحين البعثيّين الآخرين. ولكنّها انتهت عام 1983، إثر انتقاداتٍ كبيرةٍ تعرّضت لها. ولم يسمح بعدها بنشوء أيِّ مؤسّسةٍ أخرى في المجتمع العلويّ. فعائلةُ الأسد عمدت حينها إلى ربطِ الجموع العلويّة بها، من خلال العلاقات الزبائنيّة والعائليّة. ولم يسمح النظامُ بنشوء المجلس العلويِّ الأعلى، على غرار المجلس الشيعيِّ الأعلى، أو المجلس الإسماعيليّ الأعلى، ولم يسمح بأيِّ إشارةٍ رسميّةٍ إلى المجتمع العلويّ، ليس من منطلق “علمانيّة” النظام، بل من أجل إلغاء إمكانيّةِ نشوء أيِّ جسمٍ يمنع أو يحدُّ من سيطرة آل الأسد على الطائفة العلويّة. كما عمد النظامُ إلى تشجيع الولاءات العشائريّةِ في الطائفة العلويّة، ما شجّع التفرقةَ بين أبنائها

64.

وعمل النظام على عسكرة الطائفةِ وإفراغها من أهل الفكر والثقافة والمعرفة، بتحويل أغلب شبابها إلى جنودٍ في الجيش يتوجّبُ عليهم الخضوع للنظام ورموزه وحمايته، في وحداتٍ عسكريّةٍ مدجّنةٍ ومروّضة، فتحوّلوا إلى طبقةٍ من الجند والحرّاس، وهي أكثرُ الطبقات امتهاناً وضِعَةً في المجتمع، يتراكمون في الحارات المهملة والضائعة في دمشق. ففقدوا كرامتهم وحريتهم وتعرّضوا لكلِّ أشكال الامتهان والاستغلال والقهرِ في مؤسّساتهم العسكريّة، باستثناء نخبةٍ من الضباط العلويّين نالوا امتيازاتٍ واسعةً لضمان ولائهم، فكانوا وبالاً على أبناء طائفتهم، مارسوا كلَّ أعمال الاستلاب والقهر والإذلال ضدَّ أبنائها. وانخفض مستوى التعليم في الطائفة بتأثير الدعوات المستمرّة للشباب بالتطوّعِ في الجيش. لقد كانت هذه العسكرة أحدَ المصائب الكبرى لأبناءِ الطائفة العلويّة الفقيرة  65.

العلويّون والثورة

مع انطلاق الثورة أواسط آذار 2011، كان من بين من تظاهروا في دمشقَ، يوم 15/3/2011 في سوق الحميدية، واعتصموا يوم 16 منه أمام وزارة الداخلية، نساءٌ ورجالٌ من الطائفة العلوية. كما أنّ علويّين، من غير الناشطين السياسيّين، شاركوا في مظاهرات الأيّام الأولى للثورة، في اللاذقية وجبلة وحمص مرحّبين، في البداية، بمطالبِ الإصلاح السياسيّ، لكنّهم التزموا الصمتَ منذ فترةٍ طويلةٍ وعادوا لحضن النظام منذ تسلّح الثوّار وبداية دور المتشدّدين السنّة

66. فقد عمل النظامُ على ترويج التخويف الطائفيّ في السرِّ والعلن، لتحويل الثورة إلى صراعٍ طائفيٍّ بين الأكثريّة السنيّة والأقليّات المسيحيّةِ والعلويّة والدرزيّة. ونجح إلى حدٍّ كبيرٍ في بثِّ الخوف والرعب بين الأقليّات خوفاً من استبداد الأطراف المتشدّدة  67 بالتزامن مع تكريس روايته الرسميّة منذ البداية، بوصف المحتجّين بأنّهم “مجموعاتٌ إرهابيّةٌ”، ومسلّحون ومندسّون، مرتبطون بأجنداتٍ خارجيّةٍ تهدف إلى إنتاج الفتنة الطائفيّة في سوريا. والمفارقة أنّ تصريحاتٍ مبكّرةً، لبعض من أعلنوا دعمهم للثورة، قدّمت للنظام معطيات ركّز إعلامه عليها جيّداً، ليضفي على روايته شيئاً من المصداقيّة، تدعم جهوده الحثيثة في تجييش العلويين وبقيّة الأقليّات إلى جانبه.

فالشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين، حمل في خطبة الجمعة بتاريخ 25/3/2011 (أي بعد عشرة أيام من اندلاع الاحتجاجات)، رموزاً طائفيّةً عندما انتقد الرئيس السوري والطائفة العلويّة، وقال إنّه “أسير طائفته”، وإنّ “الشعب السوري يعامله على أنّه سنيٌّ”، ما أسهم في زيادة حدّة الاستقطاب الذي بدأ يظهر آنذاك، إذ أذكى خطابه نوعاً من الانحياز والتهجّم اللفظيِّ على الأقليّةِ العلويّة التي ينتمي إليها الرئيس، وقد أنتج هذا الخطاب تفاعلاً ولغطاً تقسيميّاً جرى تداوله ضمن الرأي العامّ، ولاسيّما في ظلِّ الرواية الرسميّة للنظام عن الفتنة الطائفيّة

68.

كما ظهر الشيخ عدنان العرعور بفتاويه الانفعاليّة، الطائفيّة، ولم تخلُ حلقةٌ من حلقاته في الفضائيّة “صفا” من الحديث عن “العلويّة” و”السنّة” و”الشيعة”، إضافةً إلى دعواته للجهاد 69. وقد اكتسب متابعةً كبيرةً في الأوساط الشعبيّة المحتجّة في سوريا، ولاسيّما في حمص ودرعا وإدلب وحماه ودير الزور، وقد رفع المحتجون في كثيرٍ من الأوقات لافتاتٍ وشعاراتٍ تؤيّده وتحبّذ خطابه، وهو ما يمكّن من قياس مدى التأثير الذي يقوم به في الرأي العامّ من جهة، والانحراف في مسار الثورة ومطالبها من شعاراتٍ جامعةٍ تحت مسمّيات الحريّة والديمقراطيّة إلى مسمّياتٍ شعاريّةٍ لخّصت في جزءٍ منها نزوعاً نحو الطائفيّةِ والانتقاميّة والكراهية 70.

ومع اعتماد النظام العنفَ المفرط في قمع المتظاهرين، مستخدماً أجهزته الأمنيّة، مدعومةً بميليشيات “الشبّيحة” التي شُكّلت لهذه الغاية (اعتمدت بصورةٍ أساسيّةٍ على عناصر علويّة)، ثمّ الزجّ بالجيش لاقتحام المناطق المنتفضة، جنحت الانتفاضة نحو التسلّح والعسكرة، وهو توجّهٌ دعمته جهاتٌ عربيّةٌ وإقليميّة. وبدأ يبرز وجهٌ دينيٌّ إسلاميٌّ للانتفاضة السوريّة، بالتوازي مع ظهور المعارضة المسلّحة 71، على حساب الحراك المدنيّ السلميّ. في حين أنّ الناشطين والمعارضين من أبناء الطائفة العلويّة، يعدّون العمود الفقري للجهات الأكثر علمانيّةً في المعارضة، كما أنّ العلويّين عموماً، هم الأكثر تخوّفاً من احتمال قيام “دولة إسلاميّة” في وقتٍ تعلن فيه الفصائل المتطرّفة من الإسلاميّين في المعارضة السوريّة سعيها إلى إقامة دولةٍ إسلاميّةٍ في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشّار الأسد 72.

تعززت مخاوف العلويّين وبقيّة الأقليّات مع ظهور جماعاتٍ مقاتلةٍ تندرج ضمن السلفية الجهاديّة، التي تحتذي نموذج تنظيم القاعدة 73. وكانت ملامحُ العقليّة “الجهاديّة” قد بدأت تظهر بوضوح، مع تزايد الحضور الإعلاميّ للميليشيات المعارضة المسلّحة، سواء ما انتظم منها ضمن “الجيش السوريّ الحرّ”، أو غيرها، إذ إنّ أسماء معظمها، وبياناتها وتسجيلاتها المصوّرة، والمتاحة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، تزخر جميعاً بالعبارات الدينيّة والجهاديّة، عدا عن “الكتائب الإسلاميّة”، التي تقاتل بهدف إقامة “دولة إسلاميّة” بالفعل، وليس وفقاً لرواية النظام. وقد 74 كانت “جبهة النصرة” وعددٌ من المجموعات الجهاديّة الأخرى المنتشرة شمال البلاد قد أعلنت، في 19/11/2012، عن تأسيس “دولة إسلامية” 75.

كلُّ ذلك زاد من حدّة الاصطفاف العلويِّ المضادّ للثورة. ولعلّ من أهم أسباب استمرار العلويّين في “تأييد” النظام، خوفهم من سعي السنّة إلى الانتقام لفظائع الأسد في الماضي والحاضر، وليس ضدَّه فقط، وإنما ضدَّ العلويّين كافّةً كمجموعةٍ أيضاً، ولاسيّما أنّ النظام ورّط أبناء الطائفة في أعمال قتلٍ وتنكيل، وربط مصيرها بمصيره. حيث زادت دمويّةُ السلطة من هلع قاعدتها الطائفيّة، حين استخدمتها في عنفها الدمويّ بشكلٍ سافرٍ؛ فمن طبيعة الاجتماع البشريّ أن تهلع الأقليّات من عنفها الخاص حين توجّهه لأغلبيّةٍ، وإن كانت الأخيرةُ غيرَ مسلّحةٍ بعد، أو قليلة التسليح، فهذا لن ينقصها وسائل الردّ، إن اقتنعت بأنّها مستهدفةٌ كطائفة 76. كما أن وعود المعارضة السوريّة ببناء دولةٍ مدنيّةٍ حديثةٍ لا تفرق بين طائفةٍ وأخرى، لم تنجح حتّى الآن في تطمين الأقليّة العلويّة 77. ومع تصاعد وتيرة الحركة المسلّحة ضدّ النظام الحاكم وأتباعه من الطائفة العلويّة، خرج بعضهم من دمشقَ وغيرها من المدن وذهبوا في اتجاه جبال العلويّين والساحل الغربيّ، وتحديداً إلى مناطق اللاذقية وطرطوس، معقلهم التاريخيّ.

كان لإمعان النظام في عسكرة الطائفة، وبثِّ التخويف الطائفيّ في أوساطها، وهيمنة عائلة الأسد المباشرة عليها، دورٌ حاسمٌ في ابتعاد غالبيّة العلويّين عن الثورة، وساهم تصاعد دور السلفيّةِ الجهاديّة في نجاح جهود النظام لزجّهم ضدّها. إلّا أنّ الثورة لم تخلُ من علويّين واصلوا انخراطهم فيها، وحمّلوا النظام، منذ البداية، مسؤوليّةَ التحريض والعنف الطائفيّين، رافضين ربط الطائفة به، ومعلنين انحيازهم للثورة 78. وقد نشط العديدُ من أبناء الطائفة ميدانيّاً، عبر النشاط المدنيّ والإغاثيّ والإعلاميّ (لم تُسجّل مشاركة لهم في المعارضة المسلّحة). وسياسيّاً، من خلال شخصيّاتٍ علويّةٍ معارضةٍ، ذات حضورٍ فاعلٍ في أغلب تشكيلات المعارضة (هيئة التنسيق، المجلس الوطنيّ، المنبر الديمقراطيّ، وتشكيلات أخرى يساريّة، وغيرها). حتّى إن عدداً من المعارضين العلويّين، عقدوا مؤتمراً لهم بصفتهم تلك، في آذار 2013 79، وقد رفضوا في البيان الختاميِّ للمؤتمر الدمجَ بين الطائفة والنظام، واعتبروا أنّ من مهام الثورة السوريّة تحرير الطائفة العلويّة من أسر النظام 80. والمفارقة أنّ الناشطين العلويّين لا يسلمون من تخوين زملائهم في المعارضة بسبب انتمائهم المذهبيّ، وهم يتعرّضون، في الوقت عينه، لأذى مضاعفٍ من أبناء جلدتهم، ومن النظام بوصفهم “خانوا” الطائفة 81، وهي سياسةٌ درج النظام على انتهاجها بحقِّ معارضيه من العلويّين82.

إستراتيجيّة النظام للزجّ بالعلويّين في مواجهة الثورة

كان لبروز الطابع الإسلاميّ، وتصاعد دور الجهاديّين فيها، دورٌ هامٌّ في ابتعاد غالبيّة العلويّين عن الثورة السوريّة، كما مرّ بيانه. غير أنّ هذا لم يكن السببَ الوحيد، كما أنّه ليس السبب الأهمّ. ذلك أنّ النظام، ومن خلال اتخاذه لسلسلةٍ من الإجراءات المدروسة والممنهجة، بغية تحقيق هذه الغاية، عمد، منذ الأيّام الأولى للثورة، إلى خلق شرخٍ بين الطائفة العلويّة والثورة، وسعى جاهداً لإجهاض أيّة إمكانيّةٍ لانخراط العلويّين فيها، على خلفيّةٍ اقتصاديّةٍ أو سياسيّةٍ متوفّرةٍ في الواقع، وصولاً إلى جرّهم للدفاع عن النظام، وإقناعهم بما سيجلبه عليهم زواله من أخطار.

وإذا كان النظامُ قد كثّف من حملاته الدعائيّة في صفوف الأقليّات، فإنّ العلويّين هم في مقدّمةِ من استهدفتهم تلك الدعاية83. ذلك أنّه، مع مواظبة الإعلام الرسميِّ على وصف المحتجّين بأنّهم سلفيّون وتكفيريّون، عمد النظام، في الوقت عينه، إلى تشكيل رأيٍ عامٍّ في أوساط الطائفة العلويّة، في مختلف مناطق انتشارها، عبر أدواته من رجال دينٍ ووجهاء محليّين مرتبطين به، مفاده أنّ العلويّين، وليس النظام، هم المستهدفون من هذه الثورة، وأنّ دوافعها طائفيّةٌ بحتة، وإن ادّعى المعارضون غير ذلك. وجرى استنفارٌ ما تختزنه الذاكرة الجمعيّة من اضطهادٍ تاريخيٍّ تعرّضت له الطائفة في الماضي. لذا، فهم إذ يواجهون الثورة اليوم، إنّما يدافعون عن أنفسهم وأعراضهم ووجودهم، وليس عن النظام 84.

وقد كان للإعلام السوري الرسمي دورٌ أساسيٌّ ضمن خطّة النظام للتعامل مع الطائفة العلويّة. حيث رافق التغنّي بحديث “الوحدة الوطنيّة” والشعارات التوحيديّة النابذة للفتنة ظاهرياً، جرى الغمز بالطائفيّة، والعزف على أوتارها. أمام حالاتٍ كهذه تصبح الأقليّة مرهفةَ الإحساس برموزها، فتمّحي الحدود، بين المتديّن وغير المتديّن، ويغلب على الجميع التصرفُ الطائفيُّ ذاته، إذ يرون في هذا التصرّف “التضامنيّ” حمايةً لهم، ولرموزهم ولهويتهم 85.

فقد عمل إعلام النظام، بشقّيه الرسميِّ وشبهِ الرسميِّ، على استثارة مشاعر العلويّين، من خلال أشكالٍ متعدّدةٍ من السلوك الإعلاميّ. منها، لا على سبيل الحصر، تعمّد تكرار بثّ مشاهد تشييع جثامين عناصر الجيش والأمن، من أبناء القرى العلويّة بشكلٍ خاصٍّ، ومن ضمنها مقتطفاتٌ مؤثّرةٌ من أحاديث ذويهم وأطفالهم 86، بحيث امتزجت دموع الأطفال والعجائز، ومشاهد الحزن والمآتم، مع اللهجة العلويّة للمتحدثين أمام كاميرات الإعلام الرسميّ.

كان من بين الرسائل التي استهدفت “المشاهدَ العلويَّ” أيضاً، تسجيلٌ مصوّرٌ، يظهر امرأةً علويّةً عجوزاً، من محافظة طرطوس، في إحدى مسيرات التأييد، تتحدّث فيه العجوز، بانفعالٍ ظاهرٍ، عن الفقر والبؤس الذي عاصرته، في إشارة لما ينتظر العلويّين في حال سقط النظام. تكرّر بثّ التسجيل مراراً، وجرى الاحتفاء لاحقاً بالمرأة نفسها، واستضيفت على القنوات المؤيّدة 87.

وفي يوم الجمعة 17 حزيران 2011، وعلى نحو ما جرت عليه تظاهرات أيّام الجمع، من إطلاق تسمياتٍ تحمل دلالاتٍ ورسائلَ سياسيّةً، اختار المحتجّون تسمية جمعتهم تلك بـــ “جمعة الشيخ صالح العليّ”88، الرمز الوطنيّ العلويّ، الذي قاد المقاومة ضدَّ الفرنسيين في الساحل السوريّ، في محاولةٍ واضحةٍ لاستمالة العلويّين، ونفي الصفة الطائفيّة التي يريد النظام وسم الحراك الشعبيّ بها. فاستنفر الإعلامُ الرسميُّ كلّ طاقاته لملاقاة الحدث، واستضاف على إحدى قنواته التلفزيونيّة، في بثٍّ مباشرٍ، سيّدةً من عائلة الشيخ صالح، أعادت مع المذيعين الرواية الرسميّة عن المؤامرة والفتنة، وأكّدت الوقوف ضدّها، لقطع الطريق على أيّة أصداء إيجابيّة قد تلقاها التسمية في أوساط الطائفة العلويّة.

من جهةٍ ثانية، وضعت السلطة في أولويّة اهتماماتها، قمع الناشطين المنتمين إلى الطائفة العلويّة، لأنّها تدرك أنّهم الأخطر، نظراً لكون مجال نشاطهم يتركّز في الأوساط التي تُعتبَرُ ظهراً لها. فعملتْ على عزلهم عن بيئاتهم، عبر سلسلةٍ من الإجراءات تبدأ من السجن، ولا تنتهي عند الشائعات ضدّهم في قراهم ومدنهم وأحيائهم بغيةَ تخويف الناس من التعامل معهم 89. عدا عن التصفية الجسديّة التي طالت العديد منهم، وهو نهج ما يزال مستمرّاً 90.

وفي مقابل هتافات المتظاهرين برحيل الأسد ووحدة الشعب السوريّ، روّج النظام لشعاراتٍ من قبيل “الأسد أو لا أحد”، و”الأسد أو نحرق البلد”، كتبها أنصاره، على حيطان صفحاتهم الفيسبوكيّة، كما على الجدران في أحياء المناطق المؤيّدة قبل غيرها. مع الترويج المكثّف لمقولة غياب أيِّ بديلٍ عن الأسد من بين العلويّين، وأنّ استمراره يشكّل ضمانةً لوحدة الطائفة، بل لحمايتها. ولا يبدو هذا السياق، بعيداً عن تصريحات المسؤولين الروس، التي تتحدث عن حماية الأقليّات، وأنّ الأسد يشكّل ضمانةً لأمنها 91، وتلّوح بأنّ رحيلَ الأسد سيعني استمرار الحرب الأهليّة وحمّام الدم في سوريا، في92 تعبير عن دعمهم الدبلوماسيِّ المطلَق للنظام، الذي يتكامل مع دعمهم العسكريّ والاقتصاديّ له.

على مستوىً آخر، فإنّ ظاهرة “التشيّع”، كانت من بين الأسبابِ التي أدّت دوراً لدى المتأثّرين بها (ومن بينهم علويّون) في مساندة النظام، والوقوف ضدّ الثورة، على خلفيّة قراءةِ ما يجري من منظور الصراع السنّي الشيعيّ، والذي عُمل على استحضاره من قبل الطرفين، النظام والمعارضة، في إطار عمليّاتِ التعبئة والتعبئة المضادّة.

فقد شهدت بعضُ المناطق السوريّة نشاطاً “تشيّعياً”، قامت به مرجعيّاتٌ عراقيّةٌ وإيرانيّةٌ ولبنانيّةٌ قبل بضع سنوات، حيث اتّسعت الظاهرة في مناطقَ قريبةٍ من السيّدة زينب، أحد الأحياء العشوائيّة الفقيرة في ريف دمشق، والتي افتتح فيها في عام 2009 أكثر من عشر “حسينيّات”، لتعليم الوافدين الجدد إلى الطائفةِ مع مساعدتهم ماليّاً. وامتدّ النشاط التشيعيّ إلى أرياف إدلب وحماه وحمص وبعض قرى الساحل السوريّ93. لكنّ غضّ الطرف من قبل السلطةِ عن هذا النشاط أدّى إلى حالة احتقانٍ عامّةٍ ذاتِ طابعٍ طائفيٍّ لم تنحصر في الوسط السنّي، وإنما امتدّت إلى الأوساط العلويّة، حيث نتج شعورٌ داخليٌّ أن هذا النشاط يهدّد الطائفة كيانيّاً، نظراً إلى تقاربِ المذاهب، وللحالة الماديّة الصعبة التي قد تدفع ببعض أبناء الطائفة إلى قبول التمذهب الجديد مقابل المساعدات الماليّة والدعم في مجال التعليم 94.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ النفوذ المعنوي للشيعة في الأوساط العلويّة لا يرتبط بظاهرة “التشيّع” فقط، والتي لم تلقَ استجابةً على نطاقٍ واسعٍ ضمن الطائفة، وإنما تعود، في جانبٍ أساسيٍّ منها، إلى أدلوجة النظام حول “المقاومة والممانعة”، والتي تُماهي، في بعض مقولاتها، بين المقاومة اللبنانيّة ضدّ إسرائيل، ممثلّةً بحزب الله اللبنانيّ، وأمينه العامّ حسن نصر الله، وبين النظام ورموزه، بوصفه الداعم الأوّل للمقاومة.

 يمكن ملاحظة ذلك من خلال انتشار الصور التي تجمع الرئيس السوريّ بشّار الأسد وأمين عام حزب الله حسن نصر الله، بل إنّ بعضَها تضمّ إلى جانبهما الرئيس الإيرانيّ (السابق)، محمود أحمدي نجاد. بالإضافة إلى ذلك، يرفع مؤيّدو النظام أعلامَ حزب الله وصور أمينه العامّ إلى جانب العلم السوريّ وصور الأسد، في المناسبات “الوطنيّة” كلّها، والمسيرات المؤيّدة. حتّى إنّ بعضَ الأغاني الشعبيّة، المنتشرة في مناطق الساحل، لا تخلو من عبارات تمجّد نصر الله إلى جانب بشّار، من قبيل “الله يا الله احفظ حسن نصر الله”، “يا الله ويا جبّار تحمي القائد بشّار” 95. فكان من بين أدوات التعبئة والتجييش التي اتّبعها النظام، ولاقت صدىً بين العلويّين، تضمين روايته عن “المؤامرة الكونيّة”، التي تقف وراءَ الثورة، سعي الأعداء لضرب المقاومة، انطلاقاً من إسقاط نظام دمشق الداعم لها 96.

كلُّ ذلك وغيره، كان له عميقُ الأثر في شحن وتجييش قطّاعاتٍ واسعةٍ من أبناء الطائفة العلويّة، ولاسيما الشباب منهم، ما سهّل عمليّة تسليحهم، بحجّة الدفاع عن مناطقهم وأحيائهم ضدَّ الهجمات التي يخطّط لها التكفيريّون (السنّة). وسرعان ما تطوّر الأمر إلى قيام أطرافٍ من الأجهزة الأمنيّة، ومن آل الأسد وبعض المرتبطين بهم، بتنظيم هؤلاء الشبّان ضمن ميليشيات أطلقوا عليها اسم “اللجان الشعبيّة”. وهي ذاتها ما بات يُعرف باسم “الشبّيحة”، وجرى إخضاعهم لدوراتٍ سريعةٍ على أيدي المخابرات لمساعدتها في قمع الثورة. ولاحقاً انخرطت في العمليات العسكريّة ضدّ المعارضة المسلّحة، وبشكلٍ أوسع بعد أن تمَّ تنظيمُها ضمن ما سمّي “قوّات الدفاع الوطنيّ”.

تجدر الإشارةُ إلى أنّ هذه الميليشيات لم تقتصرْ على العلويّين، أو أبناء الأقليّات الأخرى من مسيحيّين ودروز وغيرهم، والذين شكّل النظامُ وأعوانه لجاناً شعبيّة منهم أيضاً، في مناطق تواجدهم. فهي وإن اعتمدت عليهم بشكلٍ أساسيٍّ، لكنّها ضمّت، في كثيرٍ من الحالات، سنّة يتبعون لرجال أعمال وزعماء عشائر مرتبطين بالنظام، كما في حلب مثلاً

97. كما عمل النظام على تسليح عناصر حزبِ العمّال الكردستانيّ، وبعض قبائل المنطقةِ الشرقية، كما دفع النظامُ الفصائلَ الفلسطينيّة التابعة له إلى تشكيل ميليشيا من مروّجي المخدّرات والمجرمين 98.

وإنّ تسميةَ “الشبّيحة”، التي راج استخدامُها بعد انطلاق الثورة، كانت تُطلق، في الأصل، على مجموعاتٍ أشبه بعصابات المافيا، تتبع لآل الأسد وأقاربهم وشركائهم من مختلف الطوائف. وهي تعمل خارج القانون وتحت حماية السلطة. كان من أبرزِ نشاطاتها التهريب، والسيطرة على مكاتب النقل والترانزيت في مرفأي اللاذقية وطرطوس، وفرض الأتاوات وتحصيل نسبٍ كبيرةٍ من أرباح رجال الأعمال. وقد عاثوا فساداً وترهيباً في مناطق الساحل في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، وعانى منهم العلويّون الشيء الكثير، إذ سُلبت عقاراتٌ ومحالّ تجاريّة في بيوع إجباريّة بأثمانٍ بخسة، تحت الضغط والتهديد، لفلانٍ أو فلانٍ من العائلة الأسديّة. كما لم تسلم أسرٌ علويّةٌ بكاملها من غضب هؤلاء عند رفضِ “إعطاء” ابنتها لهم. المفارقة أنّ آل الأسد، الذين أذاقوا العلويّين الويلات بشبّيحتهم، يدّعون اليوم حماية الطائفة بالشبّيحة أيضاً، ويعدّ هلال الأسد، أحدُ أقارب الرئيس، أبرزَ قادة الشبّيحة في مناطق الساحل السوريّ حاليّاً 99.

“جمعيّة البستان الخيريّة”، والتي أسّسها عام 1999 رامي مخلوف، أحد أبرز رموز النظام، في عهد الأسد الابن، أدّت دوراً أساسيّاً في نشر الدعاية المضادّة للثورة، كما في تجنيد الشباب العلويِّ ضمن فرق الشبّيحة، مستغلّةً السمعة الجيّدة التي تحظى بها، نتيجة الخدماتِ الطبيّة والخيريّة الواسعة التي قدّمتها منذ إنشائها، وانتشارها الواسع في قراهم ومناطق تواجدهم، حتّى في عشوائيّات دمشق، كحيِّ المزة 86 ذي الغالبيّة العلويّة 100.

وبالإضافة إلى دورها في قمع المظاهرات، والمشاركةِ في اقتحام المناطق الثائرة، فإنّ لميليشيات “الشبّيحة” وظائفَ هامّة على صعيد ضبط الشارع العلويّ. فهي حاضرةٌ بقوّةٍ لقمع كلِّ نشاطٍ احتجاجيٍّ، على المستوى الشعبيّ في الأحياء العلويّة، أيّاً كان نوعه. على نحو ما شهده حيّ الزهرة في حمص، والذي تقطنه غالبيّةٌ علويّةٌ، حيث قام عددٌ من أهالي الحي (من الطائفة العلويّة)، في شباط 2013، بتنفيذ اعتصامٍ ضدَّ النظام في ساحة الحي. فما كان من “اللجان الشعبيّة”، التابعة لعضو مجلس الشعب السوريّ “شريف الهدبة” و”الشبّيح” كاسر العلي، من حيّ الأرمن المجاور للزهرة، إلّا أن عملوا على فضّ الاعتصام بالقوّة، الأمر الذي أدّى إلى اشتباكاتٍ عنيفةٍ، جرى فيها تبادلُ إطلاق الرصاص من أسلحةٍ ناريّةٍ، سقط على إثرها عددٌ من الضحايا من الأهالي المعتصمين، بين قتيلٍ وجريحٍ، نقلوا على الفور إلى المشفى الأهليّ التخصّصي في الزهرة 101.

حادثة حي الزهرة لم تكن وحيدةً من نوعها، إذ تحدّثت بعضُ المصادر عن وقوع اشتباكاتٍ في بلدة وادي العيون العلويّة، الواقعة في ريف حماه الغربيّ، بين السكان العلويّين وقواتٍ تابعةٍ للنظام، وذلك بعد دفن عددٍ من الضحايا، من أبناء البلدة، سقطوا في العمليّات العسكريّة، حيث اتهم السكان العلويّون النظامَ بقتل أبنائهم 102. واللافت أنّ القنوات التي تعتبر نفسها داعمةً للثورة، لا تتطرّق إطلاقاً لأخبار كهذه. بل إنّ بعض التنسيقيّات، في مناطق تقطنها الأقليّات، تشكو من تجاهل تلك القنوات لما يرسله ناشطو تلك المناطق، من صورٍ ومقاطع فيديو لمظاهراتٍ واعتصاماتٍ تجري هناك، في ما بدا استمراراً لسياسةٍ تنتهجها تلك القنوات، تهدف إلى إضفاء طابعٍ معيّنٍ على الحراك 103.

ثمّة مسألةٌ أخرى، تتيح فهماً أفضل لنجاح النظام في دفع أغلبيّة العلويّين إلى مناهضة الثورة. فبعد عسكرة الثورة، وظهور المعارضة المسلّحة، وتصاعد وتيرة العمليّات العسكريّة بينها وبين قوّات النظام، وبالنظر إلى وجود أعدادٍ كبيرةٍ من العلويّين في الجيش وأجهزة الأمن، لأسبابٍ سبق ذكرها، وجد العلويّون أنّ أبناءهم باتوا طرفاً في الصراع العسكريّ الدائر، بصرف النظر عن الموقف من النظام، وعن أيّ ملابساتٍ أخرى ينطوي عليها هذا الصراع. فكان من الطبيعيّ، والحال هذه، أن ينحازوا إلى أبنائهم لا أن يقفوا ضدّهم. غير أنّه مع تزايد أعداد القتلى من شبّان الطائفة، يتزايد التذمّر والغضب في صفوفها، ولعلَّ ذلك ما يُفسّر انتشارَ ظاهرة التهرّب من الخدمة الإلزاميّة في الأوساط العلويّة مؤخّراً 104.

تبقى الإشارةُ إلى ما يُشاع من أحاديث عن تقسيم البلاد، وإقامة “دولة علويّة”. من الملاحظ أنّ طريقة تداول هذا الموضوع في الأوساط العلويّة، وكيفيّة تعاملها معه، لا توحي بوجود قرارٍ واضحٍ من النظام حيال هذه المسألة، سواء بالترويج لقبولها أو لرفضها. يمكن استنتاج ذلك من تباين الآراء حولها. إذ تجد وجهات نظرٍ متناقضة بشأنها، إلى درجةٍ يبدو معها أنّ العلويّين آخر من يهتمّ بالحديث جديّاً عن الدولة العلويّة المفترضة. بعضهم يلوم الأسد “لأنّه لم يتّخذ ما يكفي من إجراءاتٍ لجعل هذه «الدولة» ممكنة، إذ لم يهتم بإقامة بنيةٍ تحتيّةٍ، فهناك قرى لم تصل إليها الكهرباء بعد ولا تبعد سوى دقائقَ عن الساحل. وبعضهم الآخر يتّهمه بأنّه غيرُ طائفيٍّ بما يكفي، وإلّا لكان فكّر أولاً بأمن طائفته وبمستقبلها”105، في حين يرى علويّون آخرون “أنّ سوريا القديمة انتهت. لا مجال إلّا للفدراليّة أو للكونفدراليّة، أمّا التقسيم فعمليّةٌ مكلفةٌ جدّاً، مكلفة دمويّاً بالدرجة الأولى، ومن دون أن توفّرَ الإمكانات ولا الموارد لإقامة دولة 106 .

غير أنّ المزاجَ العامّ لا يبدو مؤيّداً لتلك الطروحات، سواء من باب عدم توفّر إمكانيّةٍ فعليّةٍ لإنشاء هكذا دولة واستمرارها، أو حتّى استناداً إلى الرفض المطلق للفكرة من أساسها، كما في كلامٍ نُسب إلى شيخٍ علويٍّ، وتناقلته مواقع إلكترونيّة، يؤكّد مثل هذا التوجه. يقول: “في أيّام الفقر والجوع والخوفِ والعزلة والظلم والاضطهاد لم نفكر بدولةٍ علويّةٍ، عندما رفضها مطلقاً الشيخ الراحل صالح العليّ، فكيف سنقبل أو نسعى اليوم إليها” 107.

خلاصة

في مجتمعات القمع يتعلّم أبناءُ الأقليّات أنّه ليس لهم الحقوق ذاتها إلّا في الإطار النظريّ، فابن الأقليّة، على مستوى الواقع، مهدّدٌ في وظيفته وسكنه ولقمة عيشه وحتّى الاستمرار في العيش أصلاً، أو العيش في هذا المكان بالذّات، وهو يحسُّ أيضاً أنّه قد يتحوّل، مع الأقليّة التي ينتمي إليها، إلى كبش فداء في الأزمات108. ويبدو أنّ هذا ينطبق على أبناء الطائفة العلويّة، الذين وجدوا أنفسهم مُلحقين بنظامٍ يدفعهم للقتال والموت حفاظاً على سلطته. وبسبب وضعيّتهم تلك، “المنحازة” للنظام، فهم مهدّدون من قبل خصومه أيضاً، الذين يحمل بعضهم ما يكفي من عدّةٍ “فقهيّةٍ” مقدّسةٍ، تدفعه لقتال العلويّين الكفّار!..

لا يعني هذا أنَّ العلويّين أسرى نظامهم بشكلٍ مطلقٍ، فكما خرج من بينهم معارضون له، ثمّة من بينهم من يمارس، عن قناعةٍ وإيمان، كلَّ ما من شأنه القضاء على خصوم النظام ومعارضيه، لكنّ الحديث هنا عن الكتلة الشعبيّة الأوسع في الطائفة، التي بدأ الإحباط يتزايد في أوساطها، مع شعورهم بأنّه يتمُّ استغلالهم من أجل حماية الأسد وعائلته. ومع تدفّق التوابيت التي تصل يومياً إلى القرى العلويّة، تحمل جثثَ أبنائها الذين قتلوا في المعارك ضدَّ المعارضة، تبدو الطائفةُ العلويّة اليوم، في وضعيّةٍ أشبه بأنها أسيرةُ “الحلِّ العسكريِّ” الذي ينتهجه النظام، وهو بدأ يثير حالةً من التململ، وجدت أحد تعبيراتها في التهرّب من الخدمة الإلزاميّة، كما سبق ذكره. لكن لا يبدو أنّ أحداً في المعارضة يعمل لاستمالة العلويّين جدّياً، والسعي لتغيير موقفهم من الثورة.

تشكّل إستراتيجيّةُ النظام وتطبيقه لها بما خصَّ الطائفة العلوية مركزَ تفسيرٍ لا غنى عنه لفهم موقفهم وسلوكهم، ولكنّه تفسيرٌ قاصرٌ بشدّةٍ إن لم يأخذ بعين الاعتبار، أنّ بعض القوى المنخرطة في الحراك الثوريّ السوريّ، ومنها من له تأثيرٌ واسعٌ عليه، تنتهج سياساتٍ مبنيّةً على محدّداتٍ طائفيّةٍ، وتمارس على الأرض سلوكاً لن يزيد العلويّين إلّا ابتعاداً عن الثورة، لا حبّاً بالنظام، بل رفضاً لبديلٍ لا يعِدهم إلّا بالويل والثبور. وهو ما يعزّز من مخاوفهم، التي لا تفسّر فقط بخشيتهم من الانتقام الذي قد يتعرّضون له، نتيجة جرائم تورّط بعضهم بها، في سياق استخدام النظام لهم في سحق معارضيه، مع غياب أفقٍ سياسيٍّ لتسوية النزاع، وفي ظلِّ فوضى العنف المتصاعدة، وهزال المعارضة السوريّة وضعفها أمام الجهاديّين، الذين يحكمون سيطرتهم على الأرض السوريّة أكثر فأكثر، يبقى مصيرُ الطائفة العلويّة غيرَ واضح، لكن المؤكّد أنه لن يكونَ مطمئناً. يبدو أن لعنةَ السلطة، التي أصابتهم في أوج قوّتها، لن تبارحهم بعد سقوطها. وبالنظر إلى تجارب بلدانٍ أخرى، متجانسة في تركيبها الدينيِّ والطائفيّ، وما شهدته من حوادث انتقامٍ وثأرٍ دمويّة، طالت “جماعة” الديكتاتور، بعد إسقاطه، يمكن توقّع ما هو أفظع وأشنع، في بلدٍ متعدّدِ الطوائف كسوريا، ولاسيّما بعد أن بلغت فيه حمّى الشقاق الطائفيّ، ودماء من قضوا بسببها، مبلغاً لا يبدو أنّ تجاوزه سيكون متاحاً في المدى المنظور.


للاطلاع على الكتاب:

Download (PDF, Unknown)