قضم المعارضة السورية المعتدلة

مدخل

بتكرار جرى الحديث إعلاميًّا عن تقدم في مدينة “الآستانة”، عاصمة “أوزباكستان”، في عملية تحديد المناطق التي فيها كلّ من “الدولة الإسلامية” (داعش) و”حركة فتح الشام” (جبهة النصرة)، من قبل كلّ من “روسيا” و”تركيا” و”ايران”، بهدف إنجاح وقف إطلاق النار في “سورية”. إلا أنه على الأرض لا شيء من هذا يحصل، فما زالت عملية “قضم المعارضة المعتدلة” تجري على قدم وساق.

نحاول مقاربة “إستراتيجية القضم” في تفاصيل الوقائع على الأرض، وربطها بسياسة الدول المؤثرة في الصراع السوري، كوننا نعتقد بأن الواقع المتحرك صار يكشف بوضوح “إستراتيجيات” المتصارعين. أي إننا نعتمد الوقائع كمحدد إن كان قد حصل تغيير على “الإستراتيجيات” قبل أي شيء آخر.

السياسة الأميركية والتوجه الروسي المغاير

لم يحتج الحديث عن “بشار الأسد” كلاعب مقيم، وأساسي حتى الآن، إلى “مؤتمر آستانة” حتى يشيع. قبل ذلك بكثير، منذ النصف الثاني من عام 2012، تراجعت الإدارة الأميركية السابقة عن إظهار أي نية جدية لتغيير “سلطة الأسد”. بل إنها، عمليًّا، قامت مرارًا بمنع مسارات يمكن لها أن تسقطه. فضغطت على حلفائها لمنعهم من تزويد المعارضة بسلاح نوعي، بل من تزويدهم بالسلاح غير النوعي الكافي ليبادهوا “جيش الأسد”. وعلى الرغم من ذلك تمزق “النظام” المثار عليه، وتبدد جلّه، وما تبقى منه لم يعد كافيًا لإعادة تدويره؛ ومنذاك والصراع دائر بين الدول على من سيصنع نظامًا سوريًّا جديدًا، بالقلب منه سلطة الاستبداد نفسها التي ارتكبت كل هذه الجرائم، وكيف.

وإذ باتت “الولايات المتحدة” تتصرف بناء على أن بقاء “سلطة الأسد”، لزمن غير محدد، أمر مفروغ منه، لغياب بديل مقنع لها، فإن بقاء رأس الأخيرة، أو تغييره، سيعود، إن استقرت أحوالها، أو كادت تستقر، إلى تنازع رعاتها أكثر من إرادة الغرب وخصومها الإقليميين. فالولايات المتحدة –وهي موجه الغرب في الشؤون الدولية، إلى ان يصبح لأوروبا إرادة سياسية خاصة بها- ليست معنية اليوم بأكثر من “لململة” الوضع السوري الذي صار خاصرة رخوة لخصومها، وهو أكثر مما تأمله إلى حين. أو بدقة أكثر، هو ما تستطيع أن تستثمر فيه طويلًا مرة بعنوان محاربة الإرهاب، وأخرى برعاية المطالب بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، أو ربما برعاية خطوات عمليّة ستحرص على أن تكون طويلة.

أمّا في تفصيل السلوك الأميركي في أيامنا هذه، فيركز الرئيس الأميركي الجديد اهتمامه –حسب تصريحاته- على محاربة الإرهاب. وهو بهذا الخصوص أرسل رسالة واضحة، ومباشرة، وإن كان بإمكانه إنكارها لاحقًا، إلى سلطة الأسد أنه يراها شريكًا في محاربة الإرهاب حين تحدث عن معادلته البائسة عمن برأيه يقاتل داعش. ولنا أن نستنتج، استنادًا إلى سلسة مطالبات “ترامب”، أنه يحث طاغية دمشق على حثّ الخطى لاكتساب شرعية “مقاتل الإرهاب” عبر القضاء على الجهاديين السنة، أي “الإرهابيين” من دون أي نقصان حسب التصنيف الأميركي الراهن. وهو ما لا تفعله السلطة التي أطلقت الإرهاب في سورية فعليًّا، ولن تفعله خدمة لكبير موظفي البيت الأبيض، إلا إن توصلت روسيا إلى تسوية معه فتقوم بدورها بتشكيل هذه الوظيفة لمحميها السوري. وإلى أن يحصل ذلك، أو يحصل أي تحول نوعي بحجمه، تبقى سلطة الأسد، وحليفها الإيراني، على نهجها الذي اخطته منذ الأشهر الأولى لمواجهتها الثورة بتركيز حربها على إنهاء “المعتدلين” في رحلة بدأت بالقضاء على علمانيي الثورة في بداياتها وصولًا، وعبر توسطات، إلى تركيز “القضم” على من يطلق عليهم الغرب اسم “الإسلام المعتدل”.

وهي الإستراتيجية التي لم يعد يحتاج المرء أكثر من تتبعها عيانًا ليراها، من دون أن يجزم بطبيعة الحال إن كانت سلطة الأسد قد وضعتها أو وضِعت لها. والتي ركزت منذ بدايتها على سحق كلّ ما يمكن أن يقبل دوليّا على أنه بديل من النظام المثار عليه، مع إطلاق الإرهاب، ثم الحفاظ عليه لتصح مقول “إمّا أنا أو الإرهاب”، ومن تفرعاتها تهجير كتل سكانية كاملة معارضة، وإحلال موالين، أو “صامتين”، وفي حالات “شيعة” مستقدمين من جنبات الأرض، محلهم.

إلا أن روسيا، الباحثة عن سبل الخروج من “المسارات الأميركية الإجبارية” لتكريس دورها، تلقفت التحولات في السياسة التركية، والمتوافقة زمنيًّا مع نهاية عهد إدارة “باراك أوباما”، وسارعت مع حليفتها الجديدة لفتح آفاق جديدة على أمل فرض وقائع على اللاعبين الآخرين، استباقًا لحكم جديد في البيت الأبيض. وفي هذا السياق أتى “مؤتمر الآستانة” كمحاولة من قبل “روسيا” لفرض نفسها في موقع “الراعي الكبير” لآلية ضمانات الحل السياسي. وهو الدور الذي يطمح “الكرملين” من خلفه أن يصل إلى تفويض دولي ببناء نظام سوري جديد يراعي فيه، وتحت وصايته، مصالح الدول الأخرى. ولكن أيضًا أرادت كل من “روسيا” و”تركيا” من خلاله، ومن اتفاقهما على وقف إطلاق النار، أن تبيّنا أنهما، مع إيران، من يمتلك قرار السلم والحرب في سورية، وإنهما تريدان الحالة الوسطى بينهما، أي “وقف إطلاق النار” إلى أن تحصلا على ما تريدانه لتصنعا بعد ذلك السلام.

استمرار إستراتيجية “القضم”

إلا أن سلوك الأسد وحلفائه على الأرض يوضح ما يتم رفع الصوت حين قوله لكتمه في مشهد الآستانة. فبشار الأسد، ورعاته الإيرانيون، الذين جروا جرًّا إلى الآستانة في الوقت الذي اعتقدوا فيه، بعد استيلائهم على مدينة حلب، أنهم وصلوا إلى القمة وما عليهم إلّا “الكر” على أعدائهم[1]، العاجزان عن رفض المسار الذي دعت إليه روسيا، وتحديدًا على مشارف استلام الرئيس الأميركي المنتخب “دونالد ترامب” السلطة في بلاده، اختارا “الممانعة الناعمة” وذلك عبر حضور المبادرة الروسية بينما يستمران على الأرض بحربهما الراديكالية القائمة على أساس “إما غالب أو مغلوب” بحجة محاربة الإرهاب. وهو ما يظهر من متابعة التفاصيل أنه يرضي روسيا، وتتواطأ معه لينجح، وإن كانت تستفيد من الفزع الإيراني من “دونالد ترامب” لتفرض إيقاعها على الملالي، وتضبط إيقاع عملهم في سورية حسب مقتضيات نجاح مساعيها.

ومتتبع سلوك سلطة الأسد، والميليشيا الشيعية، يلاحظ الاستمرارية فيه من دون انقطاع يستحق الذكر. فهو يتابع، بعدوانية وثقة بالنفس تتزايد، “قضم” مناطق سيطرة “المعارضة المعتدلة”. فلم يجرِ أي تغيير على أهم أهدافهم الإستراتيجية (وهو، كما ذكرنا سابقًا، ألّا يعود في سورية -بشكل كامل وناجز- إلا هم والإرهاب)، على الرغم من إصرار الروس على مسار التسوية التي يأملون أن تصل إلى تفويضهم ببناء نظام سياسي سوري جديد ترعى فيه مصالح الآخرين.

فبعد “اتفاق أنقرة” لوقف إطلاق النار في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2016، استمرّت سلطة الأسد، وحلفاؤها الطائفيون، بعملياتهم العسكرية كأن لا شيء حصل. فاستهدفوا قرى وادي بردى بالقصف العنيف، وكانت معظم محاولات الاقتحام تتم تحت قيادة وتوجيهات مليشيا حزب الله حسب ما ذكره ناشطون من تلك المنطقة. وتزامنت هذه الحملة مع أزمة خانقة في العاصمة دمشق جراء قطع المياه عنها بعد قصف قوات الأسد للنبع الرئيس في تلك المنطقة الذي يغذي العاصمة بمياه الشرب.  وهذا ما شكل ضغطًا إضافيًّا على فصائل المعارضة المسلحة في تلك المنطقة، ما دفعها إلى قبول اتفاق مجحف ينص على وقف إطلاق النار بين الطرفين في كامل قرى الوادي.

ومن أبرز بنود الاتفاق وضع قائمة تضم 1200 من عناصر المعارضة المسلحة في منطقة الوادي يتحتم عليهم تسويةُ أوضاعهم، وذلك من خلال مراجعة السلطات الأمنية للنظام. وتهجير من يرفض ذلك منهم إلى “إدلب” شمالي سورية، وهي الوجهة التي خرجت إليها جميع فصائل المعارضة بمحيط دمشق والتي وقعت اتفاقيات مشابهة.

وكذلك استمرت “قوات الأسد” بقصف مناطق تابعة للمعارضة المعتدلة بعد إعلان وقف إطلاق النار في سورية. وذلك في “حماة”، و”إدلب”، و”الغوطة الشرقية”، ومنطقة “جسر الشغور” في “ريف إدلب الغربي”، وعلى منطقة “الحولة” ومدينة “الرستن” في “ريف حمص الشمالي”.  إضافة إلى محاولاتها، مع حلفائها الشيعة، اقتحام “الغوطة الشرقية”، ومنه الهجوم على بلدة “حوش نصري” في منطقة “المرج” وسط قصف مدفعي عنيف. كما جرت محاولات مماثلة على أطراف مدينة “دوما” من جهة طريق الأوتوستراد الدولي. كما أن “قوات الأسد” ما زالت تغلق معبر “مخيم الوافدين” على أطراف “الغوطة الشرقية” المحاصرة في “ريف دمشق”؛ المعبر الذي كانت روسيا قد أعلنته ممرًا آمنًا للراغبين في الخروج من “الغوطة الشرقية”.

وفي السياق عينه يتضح أن اندفاعة جيش “سلطة الأسد” إلى مدينة “الباب” في ريف “حلب الشرقي”، التي يسيطر عليها تنظيم ” الدولة الإسلامية” (داعش)، لا تأتي بهدف قتال التنظيم الإرهابي نفسه، إنما سعيًا لقطع الطريق على جهود “المعارضة المسلحة المعتدلة” لمواجهته، وعلى تمدد هذه المعارضة خارج نطاق سيطرة “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقا)، التي تأمل سلطة الأسد أن يؤدي حشرها لهم معها إلى أن تقضي عليهم.

“هيئة تحرير الشام” إذ تستكمل إستراتيجية سلطة الأسد

وإذ يبدو نظريًّا صحة الموقف الذي أطلقه رئيس وفد الفصائل العسكرية السورية المعارضة، محمد علوش، الذي اشترط الالتزام بالوعود التي حصلوا عليها في محادثات “آستانة” الشهر الماضي، والمتضمنة وقف إطلاق النار، قبل المشاركة في الجولة الجديدة من مفاوضات جنيف المقررة في الـ20 من الشهر الجاري، لوقف عملية “قضم” المعارضة المعتدلة، إلا أنّه يهدد بأن يفقد بدوره من يمثلهم على الأرض. فعلى الأرض تحاول قوات الأسد السيطرة على معقل “جيش الإسلام” الأهم في الغوطة الشرقية، كما سبق وأشرنا، بينما تستكمل “هيئة تحرير الشام” (تحالف اندماجي بالقلب منه “جبهة فتح الشام”، أو “جبهة النصرة” سابقًا، مع “حركة نور الدين زنكي”، و”لواء الحق”، و”جبهة أنصار الدين”) عمل سلطة الأسد من خلال شنها معارك تحمل صفات الاستئصال للفصائل الأخرى في “ريف حلب الغربي” و”محافظة إدلب”. ويظهر إلى أي مدى وصلت ديناميات إستراتيجية إنهاء المعارضة المعتدلة التي ما زالت تشارك بها روسيا عمليًّا عبر مسار “المصالحات” الذي يدفع بالمقاتلين، وعائلاتهم، إضافة إلى كتل سكانية كارهة لسلطة الأسد، إلى النطاق الذي تحشد فيه جبهة النصرة قوتها للسيطرة. ما يعني أنها عملت بمنهجية لتهيئة عوامل احتراب المعارضة المسلحة، سعيًا للوصول إلى حيث يسهل عليها القضاء على المنتصر الذي سيكون مرفوضًا دوليًّا.

 خلاصة وتوصيات

لطالما ركّزت سلطة الأسد، والمليشيات المساندة لها، على استهداف المعارضة المعتدلة وبالغت جدًّا في استخدام العنف. لتختار بنفسها البديل الوحيد لها، والذي يضمن وجوده بقاءها كونه غير مناسب لأحد لا على النطاق الدولي ولا الإقليمي. ومن وسائلها لتحقيق إستراتيجيتها هذه اتباعها سياسة القضم. فتباعًا تسيطر على المناطق التي حاصرتها طويلًا، وترسل الأكثر عداءً لها من سكانها إلى محافظة إدلب المحاذية لتركيا على أمل أن يتقاتلوا، وأن يصبحوا مشكلة تركية، وربما أوروبية.

وتثبت الوقائع أنها بقيت على نهجها هذا حتى بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمَّ بين روسيا وتركيا، حيث لم يجرِ على سلوكها أي تغيير. ما يزيد عدد المشككين في جدوى التجاوب مع روسيا، ويعمم حالة الإحباط المناسبة للتطرف. بينما تظهر المعارضة عاجزة عن فعل شيء، وهي المهددة من قبل “ستيفان ديمستورا”، المبعوث الأممي الخاص، بسحب الاعتراف بها، والمشغولة بخلافاتها البينية.

وبهذا الوقت تتحرك “هيئة تحرير الشام” تحت حجة مواجهة الفصائل التي شاركت في “مؤتمر الآستانة”، والتي وافقت على اعتبار “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة) تنظيمًا إرهابيًّا. وهي حتى إن كانت حربًا استباقية كما تدعي، إلا أنها حرب تأتي لتستكمل إستراتيجية سلطة الأسد وحلفائها. الأمر الذي يبيّن جانبًا من قدرة روسيا إن شاءت على تحويل هذا المسار برمته إلى الفخ الأخير للمعارضة. في الوقت الذي يبين كيف تحاول إيران وسلطة الأسد أن تجعله كذلك حتى قبل أن تحسم روسيا خياراتها بعد. فالمعارضة تقدم فاتورة كبيرة على مذبح المسار الروسي، معلقة الآمال على الوعود التركية، وبسبب ضغوط الأخيرة، وقلة منها بضغط من مسؤولية وقف حمام الدم السوري، ولكن من دون قدرة على ضبط التداعيات.

ولكل هذا يستوجب على المعارضة التحرك بفاعلية لكسر التحكم الروسي بمجريات الأحداث، الذي تستثمر فيه كل من “إيران” و”سلطة الأسد”، من خلال الاستفادة من مفاعيل الاستعداد لـ”مؤتمر جنيف” المقبل، والفزع الإيراني من “ترامب”. ففي واقع الحال، وعلى الرغم من تراجع الاهتمام الدولي بالكارثة السورية مع تعدد الملفات التي تدفع سياسة “ترامب” إلى فتحها، تبقى الساحات الدولية هي الأهم للضغط من أجل حقوق الشعب السوري، من إطلاق سراح المعتقلين، ورفع الحصارات، ووقف عملية التهجير، وصولًا إلى بنائه دولة ديمقراطية مستقلة. إلا أن ذلك يتطلب معارضة قوية، وإن كانت غير موحدة. وهذا يحتاج إلى تحقيق “الجبهة الوطنية الديمقراطية”. التي يتحمل الوطنيون الديمقراطيون المسؤولية الأولى لنشأتها، وتستوجب بداية لقاء شُعبهم واتجاهاتهم، والانطلاق منه باتجاه التشاور مع الاتجاهات الأخرى. وسيكون من الحاسم، استنادًا إلى قراءتنا، تركيز المشاورات على البدائل السياسية في حال استمرت سياسة القضاء على المعارضة. ولهذا الهدف تحديدًا هناك حاجة للعمل على إنتاج وعي أكثر انضباطًا، يخرج من حالة التطرف بالرفض والتطرف بالقبول، والالتجاء للجمهور السوري لتفعيل حركة مطلبية على أسس واضحة، ترفع شعار وقف إطلاق النار الفوري، وزوال الاحتلالات.