كلُّنا فلسطينيون: روحٌ جديدة تنبثق من أشلاء غزة

ترجمة: دينا أبو الحسن. نُشر المقال في: الغارديان
شهد العالمُ وحشية العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل يومياً، ولهذا أضحت قضيتنا الآن أقوى.
خسرت إسرائيل في المعركة الدوليّة الدامية لاستجلاء الحقيقة، والتي فقد فيها آلاف الفلسطينيين حياتهم؛ هي التي تمتلك أقوى اللوبيات وأكثرها رسوخاً في أمريكا، إنه اللوبي القادر على نشرالرهبة في الطبقة السياسية الحالية البائسة، والذي استطاع مؤخراً بثَّ حالةٍ من الرعب في مجلس الشيوخ لدفعه إلى التصويت بالإجماع تأييداً لعدوانها الحالي. وفي بريطانيا، أثار موقفُ محطة بي بي سي ورئيس الوزراء البريطاني حنقَ المواطنين ودفعهم للشعور بالخزي. وهنا يهيمن داعمو إسرائيل، والمدافعون عنها على مكاتب التحرير واستوديوهات الإنتاج التلفزيوني. كما أن القوة العسكرية الإسرائيلية تعدُّ من أفضل الجيوش في العالم. ومع كلِّ ذلك خسرت إسرائيل وأصبحت القضية الفلسطينية أقوى من ذي قبل، لأن العالمَ بأسره أصبح قادراً على أن يفهم بصورةٍ محددةٍ ودقيقة للغاية معاناة الفلسطينيين اليوميّة على مدى عقود. حيث تحوّل الملجأ المؤقت في أحد مدراس الأونروا المخصّصة للإناث، إلى أكوامٍ من ملابس الأطفال ومراتب النوم الغارقة في الدماء، جراء قصف الصواريخ بعيدة المدى للمدرسة التي ضمّت مخيماً اكتظَّ باللاجئين، وامتلأت الطرق الترابية بحطام المباني السكنية المنهارة التي دفنت تحتها عائلات استشهد كلُّ أفرادها.
نعلم تماماً ما سيحدث مباشرةً بعد موت جنودٍ إسرائيليين أو اقتراب موعد وقف إطلاق النار؛ فأحداثٌ كهذه تنذر دوماً بمجازرَ جديدةٍ. فقد تمَّ قصف المدنيّين وهم يلوذون بالفرار، وقُتِل المسعفون المنهكون أثناء عملهم في مساعدة الجرحى والمحتضرين، وقُتل أطفالٌ يشاهدون مباريات كأس العالم في مقهى على شاطئ البحر، أوأثناء لهوهم بالكرة على الكثبان الرملية بجوار أحد الفنادق، وازدحمت المشارح المؤقتة، التي تعجُّ بالجثامين، بالأهالي الذين يقبّلون جباه أطفالهم للمرة الأخيرة. تتكرّرُهذه القصة في غزة، وجنين، أو مخيم الكرامة، أو بيروت، في أي مكانٍ وطأته أقدام الشعب الفلسطيني منذ عام 1947 وحتى 2014.
واليوم ومع نقل الصور، وتقارير شهود العيان، ومقاطع الفيديو مباشرةً من ميادين القتل في غزة، يمكن لأيِّ شخصٍ في العالم من خلال شاشة هاتف، أو كومبيوتر محمول، أو حتى من خلال شاشة تلفاز في مقهى عام، مشاهدة الفظائع التي يرتكبها الجيش المزوَّد بأحدث التكنولوجيا، والآثار التي خلفتها السفن الحربية، والدبابات الحديثة، والطائرات بدون طيار، والطائرات الحربية المقاتلة، والمدفعية الثقيلة، والتمويل الأمريكي المفتوح، والتسليح البريطاني والأمريكي، على شعبٍ يعيش في سجنٍ كبيرٍ.
عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد عمليات قمع السكان المدنيين على يد الجيوش المحتلة، حظر القانون الدوليُّ للنزاعات المسلحة (اتفاقية جنيف الرابعة) بصورةٍ صريحة الأفعال والممارسات التي عادت ومارستها إسرائيل في غزة وخرجت دون عقاب؛ ومنها: قصف الأحياء السكنية، ومخيمات اللاجئين، والقرى، والتدمير الشامل للبنى التحتية المدنية، والصناعة، والمرافق العامة الأساسية، والمدارس، والمساجد، والكنائس، والمستشفيات، وسيارات الإسعاف، والمقابر، وحتى أحياء برمّتها.
في غزة، غدا كلُّ ذلك لا طائل له، واسترجع من يشاهد هذه المذبحة ما تعلّمه من دروس التاريخ في المدرسة، عندما كان الأبطال يقاتلون ضدَّ الاحتلال العسكريّ، حيث تعلّموا الاحتفاءَ ببسالة مقاومة الحكم العسكريّ. هكذا يفهم الشعب الفلسطينيُّ العقابَ الجماعيّ وأهدافه الغاشمة، جريمة من جرائم الحرب.
تلك القدرة التي لدى الجميع على مشاهدة معظم ممارسات المذبحة الوحشية أثناء حدوثها، قد أظهرت أيضاً بوضوح المنطق الذي تستند إليه إسرائيل. وبغضِّ النظر عما تقوله إسرائيل، أو ما يقوله المدافعون عنها، فالقضية لا تتعلق على الإطلاق بالدفاع عن النفس، أو الأنفاق، أو الصواريخ، أو حتى حركة حماس، ولكنها بالأحرى حربٌ استعمارية وحشية شُنَّت على شعبٍ سجين، ومطوّق، ومحاصر، يرفض الركوع.
وسواء استسلمنا أو وقفنا في وجههم، فسنواجه جرائمَ الحرب نفسها كفلسطينيين. وكما قال جان جاك روسو، أحد أكثر الفلاسفة دفاعاً عن الحرية، عندما شرح عبثَ محاولة إخضاع شعبٍ ما لشعبٍ آخر وانتظار إذعانه واستسلامه: “صحيح أن الزنزانات يسودها السلام، ولكن هل هذا يكفي لجعلها مرغوبة؟”.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد أضحت قصتنا واضحةً للعيان: إنها صراعٌ مستمرٌّ منذ عقودٍ من أجل الحرية، ومقاومة موحدة لمحاولة تدميرنا بصورةٍ جماعية. وفي خضمِّ هذه المعركة الطويلة والصعبة، يولد جمالٌ لا يضاهيه جمال، من رحم قصصٍ تزخر بالشجاعة والتضحية والروح الجماعية الكبرى، من قلوبٍ مليئةٍ بالحزن والحب.
يمكنك أن تلمسَ في كلِّ مكانٍ يتواجد فيه الفلسطينيون تلك الروح الجماعية، التي ما برحت إسرائيل تسعى لتدميرها من خلال شنِّ هذه الحرب، ولكنها تجلّت على المستوى الشعبي داخل غزة وخارجها إلى درجةٍ غير مسبوقة.
فقد أطلق رئيسُ الكنائس الكاثوليكية في غزة، بعد أن شاهد تدمير المساجد خلال عطلة العيد المأساوية، دعوةً للمسلمين لكي يأتوا بمآذنهم ويضعوها على سطح الكنائس وليصلوا جميعاً كشعبٍ واحد، وخرج الشباب في أكبر مظاهرةٍ منذ عقود في الضفة الغربية المحتلة، وتمَّ قنصهم في الرأس بالرصاص الحيِّ من أسلحةٍ مزوَّدة بكاتم للصوت في مخيم قلنديا، ليسارع آخرون بأخذ أماكنهم على الفور. وفي الخليل سار كبارُ السنِّ بمفردهم أمام المحتجين الشباب الذين كانوا يتعرضون لإطلاق النار من مسافةٍ قريبة، وسارعت العائلات للتبرع بالدم، وطالب الوفد الفلسطيني الموحد للمفاوضات في القاهرة والذي يضمُّ الفصائل السياسية كافةً، وبصوتٍ واحدٍ برفع الحصار لتحرير شعبنا؛ وقبل كلِّ هذا وذاك أولئك الأبطال الذين يدافعون عن شوارعنا وأحيائنا والذين رفعوا رأسنا عالياً.
لم تجعل هذه الصور التي توضح صمودَ الشعب الفلسطيني، الشعوبَ في جميع أنحاء العالم تقف مع الفلسطينيين جنباً إلى جنب لمشاركتهم مشاعر الغضب لما يرونه وحسب، بل دفعتهم أيضاً للتعبير عن عشقهم للحرية العالميّة الثمينة لجميع الشعوب، وتبجيلهم لعالميّة كرامة الإنسان في وجه مثل هذا القبح.
أعلن نيلسون مانديلا الذي غادر السجن دون التخلّي عن الكفاح المسلح، أن جنوب إفريقيا لن تكون حرّةً حتى تصبح فلسطين حرة. لقد أدرك مانديلا أن النضال من أجل العدالة دائماً ما يوحد الناس العاديين ويعزل القهر والظلم.
تتزايد أعدادُ الأشخاص المطالبين برفع الحظر والعقوبات والمقاطعة، في كلِّ دقيقة. ويرسل المزيد من الناس الدعم للفلسطينيين، وتستدعي المزيد من دول أمريكا اللاتينية سفراءها من إسرائيل، ويقدم المزيد من الوزراء استقالاتهم في سبيل القضية، ويرفع المزيد من الأشخاص أصواتهم بحريةٍ تأييداً للفلسطينيين في معركتهم الملحمية من أجل الحرية. لقد خسرت إسرائيل حقاً. ويوم السبت تردّدت أصداء الهتافات التي صدحت في الاحتجاجات التي شارك فيها أكثر من 150 ألف شخصٍ في لندن، في مظاهرات أخرى انطلقت في جميع أنحاء العالم من جنوب إفريقيا وحتى سانتياغو، لتؤكدَ أن المقاومة الفلسطينية لن تكون بمفردها، وأن فلسطين وشعبها سيكونون أحراراً في يومٍ ما.
ووصل صدى الهتافات مباشرةً إلى غزة: “بالآلاف والملايين، كلنا فلسطينيون”.