أثر الحرب واقتصادها السياسيّ في المؤسّسات العامَّة – النواة المركزيَّة للسلطة

مقدمة
تفترض هذه المقاربة أن ثمة علاقةً جدليّةً بين المؤسسات وبين طبيعة السلطة ونظام الحكم، في أيِّ مجتمعٍ وأيّ دولة، وأن المؤسسات صورة الحياة الاجتماعيّة – السياسيّة، أي إنها التعبير العمليّ عن رأس المال الاجتماعيّ ومضامينه الرمزيّة، الثقافيّة والأخلاقيّة، على قاعدةٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ معطاة، أو رأسمال ماديّ متحقّق. ويتفق أصحاب الفكر المؤسسيّ الجديد، على اختلاف منظوراتهم ومناهجهم، على نقطتين:
الأولى أن “المؤسسات تشكِّلُ السياسة. فإن قواعد وإجراءات التشغيل القياسيّة التي تشكّل المؤسسات تترك بصماتها على النتائج السياسيّة، عن طريق تشكيل السلوك السياسيِّ. ولا يمكن اختزال النتائج ببساطةٍ إلى التفاعل بين الأفراد، أو إلى تقاطع القوى الاجتماعيّة العريضة، فالمؤسسات تؤثر في النتائج، لأنها تشكّل هوية الفاعلين، وسلطتهم وإستراتيجيتهم”.
والثانية أن “المؤسسات يشكّلها التاريخ، مهما كانت العوامل الأخرى، التي تؤثر في شكل المؤسسات؛ فهي تجسّد المسارات التاريخيّة ونقاط التحوّل … ربما يختار الأفراد مؤسساتهم، ولكنهم لا يختارونها في ظلِّ ظروفٍ من صنعهم، بل من صنع من سبقوهم( ). فالأداء العمليُّ للمؤسسات يتشكّل في السياق الاجتماعيِّ الذي تعمل فيه.
فثمة فرقٌ بين مجتمعٍ مدنيٍّ يتّسم بمواطنةٍ نشطةٍ ومواطناتٍ غيوراتٍ ومواطنين غيورين على المصلحة العامّة، وعلاقات سياسيّة قوامها الحرية والمساواة، ونسيج اجتماعيّ من الثقة والتعاون، وبين مجتمعٍ مصابٍ بلعنة السياسات ذات البنيان الرأسيِّ وحياةٍ اجتماعيّة تتّسم بالتفكّك والعزلة وثقافة من عدم الثقة، هذا الاختلاف هو ما يفسّر النجاح المؤسسيَّ أو عدم نجاحه. في ضوء هذا الفرق سنتناول المؤسسات الرسميّة ابتداء بالمؤسسة التي نفترض أنها النواة المركزيّة للسلطة ونظام الحكم.
فإن ما يلفت النظر، من زاوية رأس المال الاجتماعيِّ والثقافيِّ، في سوريا، الحظوة التي تتمتع بها مؤسسات العنف وثقافة الحرب، لدى دوائرَ واسعةٍ من المستقطبات والمستقطبين على محوري النزاع، بل على محاوره، والرهان على حسم الصراع “عسكرياً”، وعلى دورٍ سياسيٍّ للجماعات المسلّحة، على أنها رمز السيادة الوطنيّة أو موئل الحاكمية، وتقابلها هشاشة الفعاليات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والمنظمات الأهليّة وانتظامات المجتمع المدنيِّ وتنظيماته. تتأتى هذه المفارقة أساساً من رؤيةٍ للتاريخ تقوم على مبدأ الغلبة، وتقرن الحقَّ بالقوة العارية، وتضفي على هذه الأخيرة طابع الشرعيّة، وتباعد ما بين المساواة والحرية إلى درجة التناقض المطلق، فتنفي مبدأ المواطنة وفكرة العدالة. وقد تجلّى ذلك واقعياً في هيمنة المؤسسة العسكريّة – الأمنيّة على الحياة السياسيّة هيمنة شبه مطلقةٍ، منذ عام 1963، بل منذ غدت القوة المرجحة في الصراعات السياسيّة، مع أول انقلابٍ عسكري عام 1949، وفي استعلائها على كلِّ ما هو مدنيٌّ وازدرائه، علاوة على استئثارها بالامتيازات، واعتبارها فوق النقد والمساءلة.
للاطلاع والتنزيل:

Download (PDF, Unknown)