الاحتجاجات المطلبيّة في محافظة السويداء – أسبابها، آلية السلطة في قمعها، اتجاهات الرأي حولها

مقدمة

انطلقت الاحتجاجات في سورية في آذار عام 2011، حاملة لواء التغيير عبر طرحها شعارات سياسية (رفع حالة الطوارئ، وإلغاء الأحكام العرفية، والحق في تداول السلطة…)، ثمَّ ارتفع سقف تلك الشعارات بفعل قمع السلطة الأمنيّة وعدم تجاوبها مع مطالب المحتجين، فأصبحت تتناول رأس النظام، ورُفع شعار (إسقاط النظام، ثم إعدام الرئيس).

لم تكن محافظة السويداء بمعزلٍ عمّا يحدث في باقي المحافظات السورية، حيث شهدت أول الاعتصامات في مدينة “صلخد” في تاريخ 25 آذار/ مارس 2011. كما شهدت أول اعتصام نقابي في سورية أمام نقابة المحامين في مدينة السويداء في تاريخ 27 آذار/ مارس 2011[1]، وتلا المعتصمون في هذا الاعتصام بيانًا يطالب برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائيّة، وفكِّ الحصار عن محافظة درعا… وتتالت المظاهرات في محافظة السويداء في سياق الثورة السورية حاملةً شعاراتها؛ تحيّي المدن الثائرة وتطالب بإسقاط النظام، وتؤكّد على شرعيّة الثورة.

كما تشكّلت في محافظة السويداء مؤسسات ثورية وسياسيّة اتّسمت بالتنظيم والتنسيق فيما بينها؛ فكان هناك جناحٌ سياسيٌّ يمثّله “تجمّع القوى الوطنية في السويداء”، وجناح عسكريٌّ يمثله المجلس العسكري في السويداء بقيادة العقيد “مروان الحمد”، وجناح إعلاميّ تمثله “تنسيقيّة المحافظة”، إضافة إلى العديد من القوى الثورية ومنها المحامون الأحرار الذين أدّوا دورًا بارزًا في الحراك الثوري، والدفاع التطوّعي عن معتقلي الرأي وحقوقهم. لكن هذه المؤسسات تراجع دور معظمها منذ أواخر عام 2013، وبدأ نشاطها يقتصر على نشاط أفرادٍ فيها، وضعف نشاطها كمؤسسات ثورية. ولسنا هنا في صدد البحث في الأسباب التي أدّت إلى ذلك.

في أواخر عام 2015، بدأت المحافظة تشهد حراكًا من نمطٍ مختلفٍ يركّز على تحسين الأوضاع المعيشية، وأخذت الاحتجاجات طابعًا مطلبيًّا، وإن تصاعدت في بعض الأحيان لتأخذ شكل احتجاجات ثورية وتحمل شعارات الثورة السوريّة. وهذا هو إطار بحثنا في هذه الورقة التي ترصد الحركات الاحتجاجية المطلبيّة على الواقع المعيشيّ في محافظة السويداء، وتعالجها في سياقها الزمني، مع التطرق إلى الظروف السياسية والأمنية التي واكبتها، كما تبيّن أسباب انطلاقها، وتبحث في الصعوبات التي واجهتها، ولاسيّما ممارسات السلطة الأمنية التي هدفت إلى تعطيلها وإخمادها. كما ترصد هذه الورقة اتجاهات الرأي في المجتمع (ضمن الظروف والأدوات المتاحة) التي تشكّلت تجاه هذه الحركات، والموانع التي تحول دون امتدادها وتجذّرها في المجتمع، وأخذها زخمًا حركيًّا ذا طابع شعبي.

أسباب انطلاق الاحتجاجات المطلبيّة

  • الواقع المعيشي والخدمي للمحافظة: تعدّ محافظة السويداء من المحافظات الفقيرة في سورية؛ حيث تعتمد على المحاصيل الزراعيّة في الدرجة الأولى، والأموال التي يأتي بها المغتربون الذين يتوزعون في أصقاع الأرض، ولاسيّما فنزويلا ودول الخليج.

ومنذ بدء الاحتجاجات في سورية أخذت المشكلات الاقتصادية تتفاقم تدريجيًّا إلى أن وصل الحال إلى أزمة حقيقية ومستقرّة في المجتمع؛ فمعظم سكان المحافظة يعيشون تحت خط الفقر، إذ لا تتجاوز رواتب الموظفين الحكوميين 80 دولارًا في الشهر. وهذا ما انعكس على القوة الشرائيّة في الأسواق التي شهدت جمودًا قياسًا بما كانت عليه الحال في بداية عام 2011. وترافق هذا  مع غلاء في الأسعار ناجم عن عدم ضبط السوق من قبل الجهات المعنية، وسياسة الفساد الممنهجة التي تتبعها “الدولة” والتي تتمثل في التسيب وإغراق المحافظة في الأزمات؛ حيث انتشرت الرشاوى بشكل علنيّ في ظل غياب تامٍّ للقانون مما أدّى لانفلات السوق، وتغوّل التجار، ولاسيّما أولئك التي تربطهم علاقات مع القوى الأمنية[2]. كما ظهرت مؤخرًا ظاهرة “الترفيق” وهي إتاوات تفرضها حواجز ميليشيا الدفاع الوطني على السيارات المحملة بالبضائع الداخلة إلى المحافظة، ما انعكس سلبًا على واقع السوق ورفع الأسعار كثيرًا؛ فالإتاوات المفروضة على السيارات يتم تحميلها على سعر السلع مما يساهم في رفع أسعارها قبل أن تعرض في السوق. إضافة إلى البطالة التي يعيشها الشباب؛ حيث لم يبقَ لديهم خيار إلّا الالتحاق بميليشيات النظام، التي تعتمد على الفساد والتهريب وفرض الإتاوات بشكلٍ أساسيّ للحصول على المال، أو الهجرة إلى الخارج.

أمّا بالنسبة إلى الواقع الخدمي، فالمحافظة تعاني من أزمات خانقة على صعيد الكهرباء والماء والمحروقات، والتعليم… فقد بلغت ساعات تقنين الكهرباء في شهر شباط/ فبراير الماضي أكثر من عشرين ساعة، ما عطّل الأعمال وفاقم من مشكلات المحافظة، فمدينة السويداء بعد الساعة الثامنة مساءً تغدو “مدينة أشباح”. وترافق هذا مع شحّ في المحروقات حيث اعتمد الأهالي على مادة المازوت التي تهرّبها الميليشيات من المناطق الشرقية في المحافظة المحاذية لأماكن تواجد تنظيم الدولة “داعش”، لتأمين التدفئة لمنازلهم. علمًا أن تلك المحروقات تطلق غازات سامة عند الاحتراق. ومن المستهجن في الأمر أن مازوت “داعش” أصبح يوزع علنًا في الأسواق بل أكثر من ذلك حيث بات الآن يوزّع بالصهاريج ذاتها التي كانت توزع فيها الدولة المخصّصات على المواطنين. شح المحروقات هذا أدّى إلى تعطيل الحياة؛ إذ شهد قطاع المواصلات عجزًا كبيرًا عن تأمين حركة المواطنين، ولاسيّما بين القرى والمدينة حيث تتركز الأعمال والوظائف والأسواق. إضافة إلى أن كثيرًا من الأهالي امتنعوا عن إرسال أطفالهم إلى المدارس بسبب البرد القارس، وشهدت المدارس عطلة شبه رسميّة إثر ذلك. كثيرةٌ هي المشكلات المعيشية والخدمية التي تعاني منها المحافظة، ويصعب المرور عليها كلّها في هذه الورقة، فهي تحتاج إلى تقارير تبحث فيها بالتفصيل.

  • الفوضى وانتشار الجريمة: محافظة السويداء التي طالما كانت محافظة هادئة تنخفض فيها نسبة الجريمة إلى أدنى مستوياتها بفعل سيطرة النظام “شبه العشائري” على مجتمعها الذي يقيم وزنًا كبيرًا للأعراف والتقاليد ويعاقب بالنبذ من يتجاوزها، أصبحت الآن تعاني من ارتفاع مستوى الجريمة بشكل كبير وغير مسبوق. ففي أواخر عام 2016، وبداية العام الجاري أخذت الجريمة شكلًا ممنهجًا يؤشّر على وجود شبكات منظّمة باتت تحترف الجريمة؛ حيث شهدت محافظة السويداء عشرات الجرائم من قتل وخطف وسرقة… وأخذت هذه الجرائم تدريجيًّا صفة الامتداد والكثرة والتنظيم حتى أصبحت ظاهرة مستقرّة في المجتمع وليست طارئة. وبعض هذه الجرائم أشرفت عليها أجهزة المخابرات واستثمرتها في ضرب السلم الأهلي وتفتيت النسيج المجتمعي، كبعض جرائم الخطف بين محافظتي درعا والسويداء[3]. والتي تزايدت بشكل كبير في مطلع العام الجاري، وتنظيمها وتكرارها يدلل على شبكة منظمة تتوزع بين درعا والسويداء وفيها من أبناء المحافظتين إضافة إلى مجموعة من البدو، تأخذ دور الوسيط، لسهولة تنقلها بين المحافظتين. كما يطلب الخاطفون مبالغ طائلة تصل إلى 50 ألف دولار. كما في حادثة “موسى السكري” وهو من أبناء درعا تم اختطافه في السويداء، ثم قتل لاحقًا بعد عدم حصول الخاطفين على الفدية المطلوبة.

ويرى ناشطون من المحافظة أن سبب هذه الجرائم يعود إلى الفوضى التي سببتها سياسة الأجهزة الأمنية في التعامل مع المجتمع منذ بدء الاحتجاجات في سورية؛ حيث عقدت قرانها مع القاع المجتمعي (من مهمّشين وعاطلين عن العمل وأصحاب سوابق جرميّة)، وشكلت من هذا القاع طبقة “الشبيحة” التي أوكلت إليها مهمة قمع تطلعات المجتمع في التغيير، وعادت ونظمت هذه الطبقة بعد تسليحها وتدريبها ضمن ميليشيات تتبع للمشروع الإيرانيّ الذي بات يتغلغل في المحافظة، عبر خلق “الألفة” الدينية وشراء العقارات[4]. إلّا أنّ هذه الميليشيات تحوّلت إلى مافيا وتغوّلت على المتبقي من مؤسسات الدولة[5]، وبدأت تؤسس لجريمة تحصد مكاسبها منفردة من دون تقاسمها مع الأجهزة الأمنية كما كان سابقًا، وهذا ما يفسّر نشوب خلافات بينها وبين الأجهزة الأمنية بين الفينة والأخرى. فما دامت هذه الميليشيات في بيت الطاعة وتتقاسم المكاسب مع الأجهزة الأمنية وتعمل لصالحها يكون مرضيًّا عنها وتحظى بالقبول وتسهيل المهام، أمّا إن تنمّرت فتسحب منها الشرعية الأمنية التي هي الآن في الغنى عنها.

  • الواقع الأمني في المحافظة وممارسات السلطة: يقول أحد الناشطين الذين قابلناهم متندرًا “أصبح الشباب في محافظة السويداء كلّهم مطلوبين إلى السلطة بشكل أو بآخر؛ فالمعارضون مطلوبون للأجهزة الأمنيّة على تنوّعها، ومعظم الشباب مطلوبون لأداء الخدمة العسكرية. أمّا بالنسبة إلى الشباب الذين انضووا تحت راية الميليشيات التي أسسها النظام فصاروا مطلوبين جنائيًّا… وهكذا”. تلخص هذه الشهادة الواقع الأمني لمحافظة السويداء التي شهدت أكثر من 520 حالة اعتقال، بعض الحالات تعرضت للاعتقال أكثر من مرّة. إضافة إلى عشرات الناشطين الذين قتلوا تحت التعذيب أو غيبوا قسريًّا في سجون النظام وهم الآن مجهولو المصير. هذا عدا عن آلاف الشباب الممتنعين عن أداء الخدمة العسكرية الإجبارية والاحتياطية، وهم محرومون من حقوقهم المدنية؛ حيث لا يمكنهم التنقل أو الخروج خارج حدود المحافظة الإدارية ولا يستطيعون العمل أو إبرام العقود أو استصدار الأوراق الرسمية، لعدم قدرتهم على الحصول على الموافقات الأمنيّة اللازمة لذلك. كما أن النظام قام بفصل عشرات الموظفين، ولاسيّما في قطاع التربية والتعليم بشكلٍ تعسفيٍّ وأصبحوا عاطلين عن العمل، ويعود ذلك إلى كونهم معارضين أو متخلفين عن أداء الخدمة العسكرية. كلّ هذا -إضافة إلى الظروف المعيشية- دفع جزءًا كبيرًا من القوّة الفتية في المجتمع إلى الهجرة وفق سياسة النظام في التهجير القسري.
  • ظهور حركة “مشايخ الكرامة” أعطى شعورًا بالحماية للمجتمع: وهي حركة شعبيّة محليّة تنحو باتجاه تأمين الحماية الذاتية للمجتمع بعد أن انهار النظام المثار عليه، وبعد العجز النسبي، والمتزايد، لما تبقى من أجهزة الدولة من القيام بهذه الوظيفة، ولتحول الميليشيا التي أنشأتها سلطة الأسد، والنظام الإيراني، إلى مافيات للجريمة المنظمة، ترافق ذلك مع ازدياد خطر القوى المتطرفة، وبمقدمها “داعش” الزاحفة باتجاه درعا والسويداء. وقد غيّرت الحركة تسميتها لاحقًا إلى “رجال الكرامة”، بسبب انضمام شباب من خارج المؤسسة الدينية إليها، وقد ركّزت على نقطة مهمّة، وهي حماية الشباب الممتنعين عن أداء الخدمة العسكرية وحماية المنشقين عن جيش النظام. إضافة إلى مواجهتها القوى المتطرفة كما حدث في معركتي “الحقف” في 19 أيار/ مايو 2015، و”شقا” في 3 تموز/ يوليو 2015، وقبلهما معركة “داما” في 16 آذار/ مارس 2013؛ حيث استطاعوا صدَّ عدوان القوى المتطرّفة. وشيئًا فشيئًا أخذت تلك الحركة قبولًا شعبيًّا واسعًا، وشكّلت رصيدًا كبيرًا لها في المجتمع، ولاسيّما أنّها خرجت من الثنائيات الضدّية التي ترسّخت في المجتمع وهدّدت بتفجيره، ولاسيّما ثنائيّة موالاة/ معارضة، بفعل دفع السلطة إليها لتفتيت المجتمع وتبديد قواه الكامنة. حيث تبنّت الحركة خطابًا تقول فيه: “نحن لا موالاة ولا معارضة، بل نحن حماة الأرض والعرض والدين”، وهذا الخطاب قُصد منه استمالة الشريحة التي هي خارج الاصطفافات السياسيّة وهي الشريحة الأوسع، ومن جهة أخرى قد يعود هذا إلى عدم رغبة الحركة في خوض مواجهاتٍ مباشرة مع النظام، ولاسيّما أنها حركة مسلّحة ناشئة وميزان القوة لديها لا يسمح بذلك. إضافة إلى شعور عدم الثقة بمؤسسات المعارضة الرسميّة التي عجزت عن تقديم خطاب وطني جامع يشكل بديلًا من خطاب النظام، بل على العكس ساهمت بعض مؤسسات المعارضة الرسمية في تقديم خطاب طائفي وتحليلات طائفية طغت على أدبياتها. كما راهنت تلك المؤسسات على الخارج على اختلاف مواقفه من الثورة السورية حتى أصبحت تابعة له وموظفة لديه. وهذا الشعور (أي عدم الثقة) ظهر في خطاب الشيخ “البلعوس” الشهير: “سورية أمّنا، يلي بدو يروح على إيران الله يسهل له (في إشارة إلى النظام)، ويلي بدو يروح على السعودية الله يسهل له (في إشارة إلى المعارضة) أما نحنا ما منطلع من أرضنا”. وفي موضع آخر قال: “نريد دولةً تحكم بالقانون، ولكل السوريين، حيث لا تأخذ تعليماتها من إيران الشيعية ولا من أفكار ابن تيمية المتطرفة”. تحدت هذه الحركة النظام والقوى الأمنية في أكثر من تصريح على لسان زعيمها الشيخ “وحيد البلعوس” الذي استشهد في تاريخ 4 أيلول/ سبتمبر 2015، جراء عملية أمنية استهدفته ورفاقه بمفخخة تمَّ تفجيرها عن بعد، وتعدى التصعيد التصريحات إلى مواجهات مباشرة مع القوى الأمنيّة؛ كما حدث عندما أقدمت مجموعة من “مشايخ الكرامة” على هدم حاجزٍ للأمن الجويّ، إضافة إلى الكثير من المواجهات التي حدثت على خلفية تخليص بعض المطلوبين للخدمة العسكرية المحتجزين لدى الأجهزة الأمنيّة[6]. ومنه حصار “رجال الكرامة” للسجن المدني في السويداء، وتحريرهم المعتقل “يزن أبو فخر” الذي كان معتقلًا فيه على خلفية تخلفه عن الخدمة العسكرية. لا شكّ في أنّ هذه الحركة أعطت دعمًا معنويًّا للاحتجاجات المطلبيّة ومنحتهم شعورًا بالحماية حينما ساهمت بتكريس حالة “الخصوصية” للمحافظة عند سلطة الأسد، بحيث باتت الأخيرة “ارجائية” بخصوصها، أي ترجئ حسم الصراع فيها إلى ما بعد حسمه في المناطق الحارة، وهو ما يوسع هوامش الحراك المطلبي. كما تتبنى هذه الحركة إلى الآن خطابًا يظهر جانبًا وطنيًّا وعروبيًّا، كونهم يجدون في المحاصصة الطائفية تضييقًا شديدًا على الدروز لضآلة حجم الطائفة، وفقر مواردها. وهم على كل حال (رجال الكرامة)، وللأسباب نفسها، لن يكونوا مبادرين في إعلان الطائفية السياسية، ولكنهم -وبحسب طبيعتهم الدينيّة- سينزلقون إلى التقوقع الطائفي إن استمر العجز العام عن إنتاج معارضة وطنية ديمقراطية. وهذا ما يستدعي المعارضة إلى التفكير جدّيًّا بمشروع وطني جامع، يعلي من شأن المشتركات الوطنيّة على حساب الانتماءات الـ”ما دون” وطنيّة التي يندفع باتجاهها الواقع السوري المعقّد.

 أبرز حركات الاحتجاج المطلبيّة في محافظة السويداء

حملة “خنقتونا”: أطلق عدد من ناشطي محافظة السويداء حملة إعلامية على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، وأنشؤوا صفحة باسم “خنقتونا” في  أواخر عام 2015[7]. ووجهوا من خلال تلك الصفحة دعوات عديدة للاعتصام والتظاهر، وبيّنوا أهداف الحملة التي ترمي إلى دفع الحكومة إلى تحسين الواقع المعيشي والخدمي للمحافظة عبر الضغط عليها من خلال الاحتجاجات ذات الطابع السلمي والمطلبي. نفّذت هذه الحملة عدة تظاهرات واعتصامات، كان أكثرها زخمًا الاعتصام الذي نفّذ في تاريخ 3 أيلول/ سبتمبر 2015، أي قبل تفجيري السويداء بيوم والتي راح ضحيتهما عشرات الشهداء. رفعت الحملة  شعارات تتعلق بالوضع المعيشي والخدمي خالطها بعض الشعارات السياسية مثل (سورية حرّة حرّة والخاين يطلع برّا، الله سورية حرية وبس، الموت ولا المذلة…)، ولم يُرفع فيها شعار إسقاط النظام. شارك في هذه الحملة الكثير من الشرائح الاجتماعيّة، وكان اللافت مشاركة حرفيين وعمال يعملون في المنطقة الصناعيّة في السويداء، وهم أكثر المتضررين من سوء الخدمات ولاسيّما انقطاع التيار الكهربائي.

حملة “حطمتونا”: سبق هذه الحملة التي نشطت على الـ”فيس بوك”، مسير طلابي نفّذه عشرات الطلاب، احتجاجًا على الفصل التعسفي الذي طال مدرسيهم على خلفية انتماءاتهم السياسيّة أو لأن بعضهم مطلوب لأداء الخدمة العسكريّة، تحت عنوان حملة “معًا لإعادة المدرسين إلى مدارسهم”[8]. رفع الطلاب أثناء مسيرهم الصامت لافتات تستنكر قيام “الدولة” بفصل المدرسين من وظائفهم وتطالب بعودتهم، إضافة إلى لافتات تحتوي شعارات تحتج على الفساد في المحافظة.

بدأت حملة “حطمتونا” أولى اعتصاماتها في تاريخ 12 نيسان/ أبريل 2016[9]، وقد تزامنت مع انتخابات مجلس الشعب، وأطلقت شعارات محاربة الفساد وتحسين الواقع المعيشي والخدمي، إلّا أن شعاراتها تطوّرت بشكل لافت بعد مظاهرة 17 نيسان/ إبريل 2016؛ حيث أخذت منحى سياسيًّا كتحيّة المدن الثائرة واستنكار ممارسات النظام وحلفائه الإجراميّة بحق الشعب السوريّ، كما قام المتظاهرون بترديد أغاني الثورة (جنّة جنّة جنّة… سورية يا وطنا). إضافة إلى إطلاق اسم ساحة “الكرامة” على ساحة “الرئيس” سابقًا وكتبوا اسم “ساحة الكرامة” على قاعدة تمثال “حافظ الأسد” الذي كان قد أزيل في وقت سابق، ووضعوا صورة كبيرة لقائد الثورة السوريّة الكبرى مكانه. وفي 21 نيسان/ أبريل 2016، نفّذ اعتصام في ساحة “الكرامة”، إلّا أنّ هذه المرّة خرجت مجموعة من النساء، حملن صور الرئيس “بشار الأسد” في مواجهة هذا الاعتصام، وشتمن المعتصمين في محاولة لاستفزازهم، على مرأى القوى الأمنيّة وعناصر الشرطة الذين لم يتدخلوا لفك الصدامات التي حصلت، ويعود انتماء هؤلاء النسوة إلى فصيل يسمى “لبوات الجبل” أو “لبوات الأسد”، كان قد أشرف على تشكيله المخرج والممثل “ممدوح الأطرش” وشخص آخر يدعى “كميل خويص”. كما نفّذت الحملة مجموعة من الاعتصامات في 19و30 نيسان/ إبريل 2016، تضامنًا مع مدينة حلب بالتزامن مع المجازر المروّعة التي شهدتها من قبل النظام وحلفائه. آخر مظاهرة نفّذتها الحملة كانت في تاريخ 12 أيار/ مايو من السنة ذاتها، وتعرّض المتظاهرون لقمع من قبل “الشبيحة” وإطلاق نار، إلّا أنّه لم تسجل إصابات في صفوف المتظاهرين. تجددت الحملة في شهر آب من السنة ذاتها بعد مقتل الشاب “ريّان أبو فخر” على يد  “علاء بلان” وهو يعمل لصالح فرع الأمن العسكري ومتعاقد معه، وشهدت المحافظة على إثر ذلك موجات احتجاج كبيرة تطالب بإعدام القاتل ومحاكمة الفاسدين في المحافظة وعلى رأسهم “وفيق ناصر” رئيس فرع الأمن العسكري.

حملة “بدنا نعيش”: سبق هذه الحملة اعتصامات متتالية نفّذها أصحاب حافلات النقل (السرافيس) في مطلع الشهر الماضي، احتجاجًا على عدم توفّر مادة “المازوت”، وقاموا بقطع أحد الشوارع الرئيسة في مدينة السويداء (المحوري)، ما عرقل حركة السير لساعات.

في تاريخ 19 شباط/ فبراير من العام الجاري، نفذت الحملة أولى اعتصاماتها؛ حيث اعتصم العشرات من أبناء المحافظة في ساحة “الفرسان”، مطالبين بتأمين الخدمات ولاسيّما الكهرباء. وانفض الاعتصام من دون أحداث تذكر. كما أعلنت الحملة  عن عزمها مواصلة الاحتجاجات حتى تتحقق مطالبها[10].

آلية السلطة في قمع الاحتجاجات المطلبيّة وإخمادها

  • افتعال الأزمات وتهديد المجتمع بشكلٍ مبطّن: عمدت ماكينة النظام الإعلامية في المحافظة والتي تشرف عليها الأجهزة الأمنيّة إلى محاولة ثبيت مقولة أن “البديل من النظام هو الفوضى”، وأن الاحتجاجات هي التي تقود إليها، وأن هناك خلايا إرهابيّة نائمة تنشط في هذا المناخ وتستغله. إضافة إلى افتعال الأزمات، ففي شهر أيار من العام الماضي وبالتزامن مع حملة “حطمتونا” منع النظام آلاف النازحين من المناطق الشرقية في سورية من عبور السويداء إلى دمشق، وكانوا قد دخلوا السويداء عبر منطقة “الشعاب” في ريف السويداء الشرقي والمتصلة بالبادية. حيث افترش النازحون الطرقات والساحات العامة في مشهد يوحي بأزمة حقيقية، إضافة إلى أن “ماكينة” النظام الإعلاميّة الأمنية بدأت ببث الشائعات والتي تركز على أنّ هؤلاء النازحين جاؤوا من مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وبينهم خلايا إرهابيّة تريد تنفيذ عمليات إرهابيّة في المحافظة[11]. الأمر الذي خلق حالة من الرعب في المجتمع المهيّأ أصلًا لذلك، تبعًا لإحساسه بأنه مستهدف من الإرهاب كونه ينتمي إلى أقليّة دينيّة، كما ساهم ارتفاع مستوى الجريمة، ولاسيّما جرائم الخطف بين محافظتي درعا والسويداء في تعطيل الحراك المجتمعي المطلبي، لعلم الكثيرين أن مليشيات النظام هي المسؤولة عن تلك الجرائم التي تزداد وتيرتها تبعًا لازدياد وتيرة الاحتجاجات. في رسالة تريد سلطة الأسد إيصالها إلى المجتمع: مفادها “إمّا أنا أو الجريمة والفوضى”. كما عمدت مليشيات النظام إلى افتعال معارك “خلبيّة” مع تنظيم “داعش” في الريف الشرقي من محافظة السويداء، والذي أصبح “فزاعةً” أو “بعبعًا” لردع الحراك المجتمعي؛ فبالتزامن مع أي حراك مجتمعي تطلق “ماكينة” النظام الإعلاميّة إشاعات عن نية التنظيم في الريف الشرقي من محافظة السويداء مهاجمة المحافظة أو تنفيذ عمليات إرهابية فيها. وهناك أساليب أخرى اتبعها النظام في تهديد المجتمع كقصف المحافظة بقذائف الهاون والتي ظهر لاحقًا أن معظمها ينطلق من داخل المحافظة بل من نقاط عسكرية وأمنية، ومنها القذائف التي سقطت على مدينة السويداء في عام 2015، وتبيّن أن مصدرها الفوج “44”. وبالتزامن مع احتجاجات حملة “حطمتونا” سقط برميل متفجر بـ”الخطأ” على أطراف قرية عريقة، كما زعمت ماكينة النظام الإعلاميّة، إلّا أن الناشطين قرؤوا رسالة النظام بأن السويداء كغيرها من المدن والمحافظات السوريّة يمكن تدميرها بالبراميل المتفجرة. كما سُجلت كثير من الحالات التي خرق فيها طيران النظام جدار الصوت فوق مدينة السويداء من دون مبرر لذلك غير تهديد المحتجين، وإخافة المجتمع من المشاركة في الاحتجاجات.
  • الاستثمار في طبيعة المجتمع “شبه العشائري”: نجح النظام في تكوين شبكة ضغط وتحكّم اجتماعية- دينية، تؤدي دورًا سلبيًّا على حركات الاحتجاج المطلبيّة في المجتمع، عبر التحكم في مواقف “مشايخ دين” وزعامات تقليديّة قام بتوريطيها بملفات عديدة، ثم عمد إلى ابتزازها واستثمارها في ضبط الاحتجاجات في المجتمع. وهذا يؤشر على مدى معرفة النظام ببنية المجتمع في السويداء والعادات والتقاليد التي تحكمه، إضافة إلى فهم التوازنات العائليّة ضمن المجتمع والحساسيّات العميقة فيه. شبكة الضغط هذه استخدمها في تهدئة الشارع الغاضب أكثر من مرّة، ومنه صعود شخصيات دينية واجتماعية إلى شرفة مبنى المحافظة، عندما كان المعتصمون يحاصرونها على خلفية مقتل الشاب “ريّان أبو فخر”، في محاولة لتهدئتهم عن طريق الخطاب المعتاد الذي يلوح باحتمال ضرب السلم الأهلي، واستهداف المحافظة من قبل الإرهابين، إذا ما استمرت الاحتجاجات. وغالبًا ما تساهم هذه المحاولات في تهدئة المعتصمين، ولاسيّما المحتجون غير المنتمين إلى طيف المعارضة. وفي السياق نفسه حاول النظام أثناء الاعتصام الذي نفّذته حملة “حطمتونا” في 21 نيسان/ أبريل 2016، أن يفتعل صدامًا بين نساء ينتمين إلى فصيل “لبوات الجبل” وبين المعتصمين، حيث عمدت تلك النسوة إلى استفزاز المعتصمين وشتمهم، وكانت من بين النسوة امرأة ترتدي الزي الديني. ويعمد النظام من خلال زج النساء في مواجهة المعتصمين إلى إسقاطهم اجتماعيًّا، نظرًا لما للمرأة من قدسيّة لدى المجتمع العشائري الذي يربطها بالشرف والكرامة، ولاسيّما أن المعتصمين يرفعون شعار استرداد “الكرامة” عنوانًا لحراكهم. هنا يبدو جليًّا محاولة النظام اللعب على وتر العادات والتقاليد وتشويه صورة الحراك اجتماعيًّا، الحراك الذي لطالما وصفته “ماكينة” النظام الإعلاميّة بأنه مشبوه ويتلقى الدعم من الخارج مقابل إدخال الغرباء إلى المحافظة للسيطرة عليها، ولاسيّما المتطرفون المتمثلون بـ “جبهة النصرة”.
  • قمع الاحتجاجات من قبل القوى الأمنيّة: في أواخر عام 2015، بلغ الاحتجاج المطلبي ذروته مع الاعتصام الذي نفّذ في تاريخ 3 أيلول/ سبتمر، في سياق حملة “خنقتونا”، ولم يواجهه النظام بشكل مباشر، لأنّه كان يخطط لعمليّة أمنيّة من الطراز الثقيل، حسب ناشطين. إلا أنّه قام بقطع الإنترنت عن المحافظة قبل وبعد الاعتصام الحاشد. وفي اليوم التالي هزّ مدينة السويداء تفجيران ضخمان؛ أولّهما استهدف زعيم “مشايخ الكرامة” الشيخ “وحيد البلعوس”، والذي أدى إلى استشهاده مع مجموعة من رفاقه، والآخر حدث أمام مشفى “الشهيد زيد الشريطي” بعد أن تجمهرت الناس لإسعاف المصابين جراء التفجير الأول[12]. ويرى الناشطون في التفجير الثاني رسالة إلى مجتمع السويداء من موالين ومعارضين؛ فالموالون قرؤوها على أنها نتيجة الفوضى الناجمة عن الاحتجاجات، والمعارضون قرؤوها على أنها عقوبة على الاحتجاجات. وفي كلا الحالين انعكست هذه التفجيرات سلبًا على الحراك المطلبي، وزادت من تخوّف المجتمع منه. أمّا بالنسبة إلى حملة “حطمتونا” فقد قمعت بشكل مباشر من قبل قوى الشبيحة في آخر اعتصام لها في تاريخ 12 أيار/ مايو 2016، والذي هتف فيه المعتصمون للحرية والمعتقلين والمدن السورية المحاصرة. حيث أطلق الشبيحة النار على المعتصمين من دون وقوع إصابات[13]. كما أصدرت الأفرع الأمنية مذكرات توقيف بحق الكثير من المشاركين بالاعتصامات، حيث يصبح المطلوب للأجهزة الأمنيّة محرومًا من حقوقه المدنية؛ فلا يحق له تنظيم العقود أو استصدار الأوراق الرسميّة …
  • سياسة التخدير وكسر إرادة المحتجين: وعدت المؤسّسات الحكوميّة المعتصمين بالنظر في مطالبهم وتحقيقها في أكثر من مرّة، وعلى لسان المحافظ ممثل رئيس الجمهورية في المحافظة، إلّا أن تلك الوعود كانت “تخديريّة”، بل أكثر من ذلك عمدت تلك المؤسسات وبتوجيه من القوى الأمنيّة إلى الإمعان في الاستهتار وعدم المبالاة. فالأجهزة الأمنيّة حريصة على ألّا تتحقق مطالب المعتصمين الذين قد يشعرون بالنصر، إذا ما تحققت بعض مطالبهم ويستمرون باعتصاماتهم التي قد تتناول مطالب سياسية تطال رأس النظام. ومن ناحية أخرى طبيعة النظام لا تسمح في تحقيق أي إصلاحات بناءً على مطالب شعبيّة، بل يسعى النظام إلى ضرب البنية النفسيّة لتلك الحركات المطلبيّة عبر إشعارها بالعجز وكسر إرادتها من خلال الحرص على عدم إحرازها أي تقدّم كنتيجةٍ لحراكها. وهذا الشعور راهن النظام عليه منذ بدء الاحتجاجات عليه في آذار/ مارس عام 2011، شعور لطالما رافق السوريين ودفعهم إلى الانتحار عبر تبني خيار العنف المضاد.
  • استثمار السلطة للحراك المطلبي: تزامنت احتجاجات حملة “حطمتونا” مع انعقاد مؤتمر “جنيف 3″، فحاول النظام أن يبرز وجهه الحسن، حيث إن الحملة في بداياتها لم تتعرّض للمضايقات الأمنيّة، بل على العكس كان سلوك الأجهزة الأمنيّة مفاجئًا من حيث تقبّل الاعتصامات وعدم التدخل في مسيرتها. فكانت تجوب التظاهرات شوارع السويداء من دون أن تتعرّض لأي سلوك عدائيٍّ من قبل “الشبيحة” أو أجهزة الأمن على خلاف ما جرت العادة، حتى إنّه لم تتدخل قوات حفظ النظام أو قوات الشرطة ولم يكن هناك تواجد لها على الإطلاق في مشهد وكأنّك تتظاهر في سويسرا، حسب ما يتندّر ناشطون في المحافظة. وما إن انقضى مؤتمر “جنيف 3″، حتى عادت الأجهزة الأمنيّة إلى سابق عهدها وقمعت الحركة الاحتجاجيّة. يقول أحد الناشطين بناءً على معلومات مؤكّدة سرّبت إليه من فرع الأمن العسكري في السويداء: ” إنّ وفيق ناصر رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، أمر أحد عناصره بتصوير الاحتجاجات، ثم قطّع مقاطع الفيديو وعالجها، وبعثها إلى مندوب سورية في الأمم المتّحدة بشار الجعفري، ليظهر النظام السوري بأنّ لديه معارضة في الداخل تمارس نشاطاتها وتعبر عن رأيها من دون التعرّض للقمع، ومن ثمّ فإنّ حرب النظام هي على الإرهاب وليست على المعارضة الوطنيّة”. إن صحت هذه الشهادة فتكون هي مبرر سكوت النظام عن الاحتجاجات التي تزامنت مع مؤتمر “جنيف 3″، وعدم التعرّض لها إلّا بعد انتهاء المؤتمر، مع العلم أن الاحتجاجات في تلك الفترة رفعت سقف شعاراتها واحتلت إحدى الساحات في وسط المدينة، وسمتها ساحة “الكرامة” بعد أن كانت ساحة “الرئيس”، وهي الساحة التي كانت تحوي تمثال “حافظ الأسد” قبل أن يُزال في تاريخ 4 أيلول/ سبتمر 2015.

اتجاهات الرأي حول الاحتجاجات المطلبية

اتجاه داعم للاحتجاجات ومشارك فيها: تنطلق هذه الاتجاهات من أن هذا الحراك منبثق من هموم الناس وأوجاعها ومعاناتها، وهو الحراك الذي يمكن أن يتمدد لأنّه يحاكي الحاجات الضرورية للمجتمع. كما يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن الاحتجاجات المطلبيّة تكوِّن بنية اجتماعيّة قادرة على المطالبة بحقوقها وتؤسّس لثقافة الاحتجاج على المستوى الشعبي بعد أن غابت هذه الثقافة عن المجتمع لعقود مضت. إضافة إلى أن هذه الاحتجاجات تكلفتها أقل من الاحتجاجات ذات الطابع الثوري والسياسي، فهي تخفف من المواجهات مع السلطة الأمنية التي شكّلت هالة مرعبة في المجتمع. ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن المطالب تتحقق بالتدريج وتُحصّل بالنقاط من السلطة وليس بالضربة القاضية. كما أن المجتمع ذا الطبيعة القلقة من التغيير لا تتغيّر اتجاهاته دفعة واحدة، بل بالتدريج وإلّا عمل مفعولًا عكسيًّا وارتدادًا باتجاه العودة إلى حضن السلطة، طلبًا للحماية من الفوضى، ولاسيّما أن السويداء تعتبر إلى الآن من المناطق الآمنة قياسًا بباقي المحافظات؛ لذا دعم أصحاب هذا الاتجاه الحراك المطلبي وشاركوا فيه.

اتجاهات مؤيدة غير داعمة للاحتجاجات: وهذه الاتجاهات تعبر عن شريحة واسعة من أبناء المحافظة، فهي ترى في الاحتجاجات مطالب محقّة وتؤيدها، إلا أنّها لا تشارك فيها ولا تدعمها. فبعض المواقف تنطلق من أنَّ النظام غير قابل للإصلاح ولا يصغي لمطالب الشعب وهذا معروف عنه منذ توليه السلطة، بل على العكس هذه الاحتجاجات تزيد من عنجهيته وإمعانه في خلق الأزمات بدلًا من حلّها. ومواقف أخرى تنطلق من وجوب القطع مع السلطة وعدم الطلب منها أي شيء؛ فسلطة الأسد التي تقتل وتشرد وتدمّر المدن فوق رؤوس سكانها، لا يمكن الطلب منها سوى الرحيل. كما أنَّ الاحتجاجات المطلبيّة هي نوع من الاعتراف بالسلطة وقدرتها على تجاوز الأزمات، مع العلم أن هذه السلطة تفككت وهي غير قادرة إلّا على القتل والتدمير، ولا ترى الحل إلّا من خلال “البسطار العسكري”. إضافة إلى أنّ أصحاب هذا الاتجاه يرون في شعارات الاحتجاجات المطلبيّة تخفيضًا لسقف شعارات الثورة السورية في إسقاط النظام والانتقال السياسي، ويعتبرون كل شعار ما دون سقف إسقاط النظام لا يمثلهم ولو كانوا يؤيدونه.

اتجاهات رافضة للاحتجاجات: أفرزت ظروف الحرب واقتصادها طبقة من المستفيدين الذي يحاربون من أجل ألّا يخسروا امتيازاتهم (الأمنية والاقتصادية) واستثماراتهم التي لا يمكن أن تتنامى في ظروف السلم؛ فهم يعتمدون على الأزمات وما ينشأ عنها من صراع مسلح وفوضى. فهذه الطبقة تعمل في تهريب الممنوعات والوقود والسلاح، وتجّارها يمارسون الاحتكار والربح غير المشروع، ويستفيدون من عدم ضبط السوق من قبل الجهات المختصة بفعل الفوضى وتفكك الدولة. وهناك مليشيات تقتات من الدعم الإيراني لها وتحظى بامتيازات واسعة، وقد انتقل بعض عناصرها من قاع المجتمع ليصبحوا من الطبقة “المخمليّة”، فهم الآن يسهرون في أفضل المطاعم ولديهم استثمارات وشقق سكنيّة وسيارات، ولاسيّما قادة هذه المليشيات. كلّ هؤلاء يسعون إلى تثبيت الوضع الراهن وإطالة أمد الحرب، وكل من يطالب بتغيير الواقع هو عدوهم ولو كان النظام نفسه. هناك فئة غير مستفيدة من النظام لكنها تخاف من التغيير بشكل مذهل وهي فئة ليست بقليلة في مجتمع السويداء، وبات يطلق عليها الناشطون فئة “اللّه يهدّي البال”. ترفض هذه الفئة الاحتجاجات بفعل الخوف المستقرّ فيها من التغيير، ولأنّها تدرك في باطنها الضريبة التي ترافق التغيير وهي شهدتها في المدن السورية الأخرى، وحتى في السويداء نفسها في الأحداث الدامية التي وقعت أواخر عام 2015.  إضافة إلى خوفها من القوى المتطرفة في حال سقط النظام فهي ترى البديل من النظام هو التطرف والإرهاب والفوضى، مع العلم أنّها فئة لا تعتبر موالية للنظام لأنها الأكثر تضررًا من ممارساته؛ فأولادهم من يساقون إلى الجيش ويقتلون، إضافة إلى معاناتهم من فقر مدقع.

ويمكن استنتاج أهم المعوقات التي تقف في وجه الحراك المطلبي، من خلال ما أوردناه في هذه الورقة:

  1. الشعور السلبيّ السائد في المجتمع، عن أنَّ النظام لا يمكن أن يستجيب لمطالب المحتجين، فهو غير قابل للإصلاح.
  2. الخوف المستقر في المجتمع كنتيجة لممارسات النظام وإفراطه في استخدام العنف. ومن جهة أخرى الخوف من التغيير واعتباره بوابة الفوضى.
  3. قمع النظام للاحتجاجات، ومعاقبة المجتمع بشكل غير مباشر.
  4. وقوف “مشايخ السلطة” وبعض الزعامات التقليدية في وجه أيّ حراك، ونزع الشرعية الاجتماعية عنه.
  5. سعي النظام إلى قمع الاحتجاجات بواسطة “الشبيحة” الذين ينتمون إلى المجتمع نفسه، ما يهدّد السلم الأهلي، ولاسيّما في المجتمع ذي الطابع العشائري.
  6. ارتفاع وتيرة هجرة الشباب بشكل كبير، وهي الفئة التي تعتبر “دينمو” الحراك.
  7. عدم ثقة جزء كبير من المجتمع في السويداء بمؤسسات المعارضة الرسمية، وربط أيِّ حراك مناوئ للسلطة فيها، حتى لو كان مطلبيًّا ويلامس أوجاعهم. وشعور عدم الثقة هذا مرده إلى أنّهم يرون أنّ هذه المؤسّسات وضعت بيضها في سلة الخارج، ولم تطرح مشروعًا وطنيًّا جامعًا لكل السوريين. كما أنها لم تنتج خطابًا متمايزًا نوعيًّا عن خطاب السلطة؛ فكلا الخطابان يخاطب جمهور الموالين له من دون اعتبارٍ للفئة التي هي خارج تلك الثنائيّة، وهي الشريحة الأكبر في المجتمع[14]. وقد عمل كلٌّ من النظام والمعارضة الإسلاميّة، والقوى الطائفية المنتشرة على ضفتيهما، على سحق المجتمع المبادر في الكثير من المناطق السورية، وأغلقت الأبواب أمامه لحشره في ضديّة أن يقبل بالعودة إلى الاستبداد القديم أو يرضخ للاستبدادات الجديدة[15].

خاتمة  

الموجبات لانطلاق الاحتجاجات المطلبية باتت كثيرة جدًّا، فـ”الدولة” لم تعد راعية لمصالح المجتمع، بل على العكس صارت عبئًا عليه تقتات على ثروته عبر فرضها الضرائب عليه من دون أن تؤدي الخدمات والمهام الموكلة إليها. كما لم تعد تشكّل الحماية له، بل صارت عاجزةً حتى عن حماية المتبقي منها، ولاسيّما بعد أن فقدت ميزتها باحتكار العنف والقوة، وأصبح العنف “مفلوشًا” في المجتمع لا ضابط له. تلك الدولة التي باتت ترعى الفساد بشكل ممنهج، وليس من قبل أفراد فيها، بل هو فساد مؤسساتي يطال حتى المؤسسات السياديّة فيها، كالقضاء والجيش… كلُّ هذا أدّى بالمجتمع إلى التفكير بآليّات المواجهة إلّا أن شريحة منه هي من أعلنتها عبر الاحتجاجات التي اصطدمت بمشكلات المجتمع نفسه وهي المستقرّة فيه بحكم عقود الاستبداد الطويلة كالخوف والسلبية والتملص من حمل المسؤوليات، والتهرب من مواجهة المشكلات. إضافة إلى أنّ هذا المجتمع لم يفارق القبيلة بعد، وهذا ما استثمرت فيه سلطة الأسد؛ حيث مسكت مفاصل التحكّم في المجتمع والمتمثلة بزعماء تقليديين ورجال دين واستثمرتهم في “خصي” المجتمع، وضرب قواه الكامنة. كما أنَّ آلية النظام في إخماد الاحتجاجات كانت عقبة كبيرة في وجهها؛ فهو لم يسعَ –غالبًا- إلى المواجهة المباشرة معها بل جعلها تصطدم بالمجتمع نفسه عبر وضع طبقة “الشبيحة” في مواجهتها. وهذا ما منعها من الامتداد والاستمرارية، فالمجتمع العشائري أشد ما يؤذيه هو الاقتتال “البيني”، والمحور في علاقاته يتركّز في علاقات العصب والقربى، وسرعان ما يلتف أبناء العصب الواحد مع بعضهم بشكل غريزي، متناسين -في الغالب- ما كانت عليه توجهاتهم قبل أن “يسيل الدم”. وهذا ما يفسر عدم لجوء النظام إلى المواجهات المباشرة لعلمه أن أبناء المجتمع في السويداء يتكتلون بشكل غريزي تجاه الخطر الخارجي (أي من خارج بنية المجتمع العصبوي). فحاول أن يفتت هذه العصبوية بإنتاج طبقة “الشبيحة” وزجها في مواجهة الاحتجاجات من دون أن يتدخل بشكل مباشر، وإن تطورت الأمور ينقسم المجتمع إلى تكتلات عائلية وأحلاف تتقاتل في ما بينها، وتبدأ حرب الجميع ضد الجميع، والأمثلة كثيرة على ذلك في التاريخ.

وبما أنّ النظام السوريّ قد تفكك وانهار، وما تبقى منه يستمر على هداه في تفكيك المجتمع السوري، وهو إن قرر السير بالطريق المعاكس، لسبب يصعب تصوّره، يعجز عن أن يصنع عوامل موحدة للسوريين إلّا عبر قهرهم (“البسطار العسكري” الذي نصب له التماثيل)، أي هو عاجز بنيويًّا، وعلى مستوى الوعي، عن أن يبني مشروع نظام يوحّد السوريّين طوعًا، وإذ تعجز المعارضة السائدة أيضًا عن أن تفعل ذلك، يظهر جليًّا حجم المشكلة المتمثلة بصعوبة إنشاء إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ، وخيالٍ، وثقافةٍ، وطنيين. وهو ما يتطلب، للتصدي له، من المجموعات الوطنية الديمقراطية، ونوايات العمل، أن تتقارب لتشكل “جبهة وطنية ديمقراطية” تضغط على جميع الأطراف لكبح التفكك الوطني، ولتطرح رؤى لسورية أفضل، وبرامج عمل لتحقيقها.

———————————-

– جانب من اعتصام المحامين في تاريخ 27 آذار/ مارس 2011.

https://www.google.co.uk/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=1&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwji8byGy7fSAhXoAJoKHVTVDX0QtwIIGjAA&url=https%3A%2F%2Fwww.youtube.com%2Fwatch%3Fv%3DYuY9KfKFTTE&usg=AFQjCNHrWzy50BF-KV232Od6bumIfUyo8w&bvm=bv.148441817,d.bGs

[2] – الخطيب، همام، الفساد في السويداء: سياسة النظام الممنهجة (تقرير)، المدن، 1 أيار/ مايو 2016.

http://www.almodon.com/arabworld/2016/5/1/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC%D8%A9

[3] – فريق عمل، “قادسية بصرى” وأثرها على محافظة السويداء (تقرير)، مركز دراسات الجمهورية الديمقراطيّة، 2015.

http://drsc-sy.org/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D8%AA%D8%A7-%D8%AF%D8%B1%D8%B9%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA

[4] – فريق عمل، إيران وأتباعها (1): المليشيا الشيعية في سورية (دراسة حالة)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة. 2016.

http://harmoon.org/archives/3411

[5] – فريق عمل، الصراع في مدينة سلمية نموذج لتشكّل المافيات في سوريا (تقرير)، مركز دراسات الجمهوريّة الديمقراطيّة، 2015.

http://drsc-sy.org/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%91%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85/

[6] – فريق عمل، “مشايخ الكرامة” محاولة الخروج من الثنائيات الضديّة إلى المتفق عليه (تقدير موقف)، مركز دراسات الجمهوريّة الديمقراطيّة، 2015.

http://drsc-sy.org/%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AB/

[7] – رابط صفحة حملة “خنقتونا” على “الفيس بوك”.https://www.facebook.com/%D8%AE%D9%86%D9%82%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%A7-755811091229770/?ref=page_internal

[8] – رابط صفحة “معًا لإعادة المدرسين إلى مدارسهم” على “الفيس بوك”.

https://www.facebook.com/%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D9%87%D9%85-1674064902846081/?ref=page_internal

[9] – رابط صفحة حملة “حطمتونا” على “الفيس بوك”.

https://www.facebook.com/%D8%AD%D8%B7%D9%85%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%A7-223013464716455/?ref=page_internal

[10] – رابط صفحة “بدنا نعيش” على الفيس بوك”.

https://www.facebook.com/badna.niesh/?ref=page_internal

[11]– الخطيب، همام، النازحون الجدد إلى السويداء: احتجاز جماعي، المدن، 28 أيار/ مايو 2016.

http://www.almodon.com/arabworld/2016/5/28/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B2%D8%AD%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D8%AF-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B2-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A

[12] – “مشايخ الكرامة”، مرجع سابق.

[13] – الخطيب، همام، النظام يلوّح بالعصا من جديد في السويداء، المدن، 13 أيار/ مايو 2016.

http://www.almodon.com/arabworld/2016/5/13/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%84%D9%88%D8%AD-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1

[14] – للاطلاع، يمكن مراجعة الورشة الخامسة: إخفاقات المعارضة  السورية واستعصاؤها، مركز دراسات الجمهوريّة الديمقراطيّة. 2016.

http://drsc-sy.org/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%b4%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d8%a5%d8%ae%d9%81%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b1%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88/

[15] – فخر الدين، يوسف، في تعقيدات الصراع السوري (تقدير موقف)، مركز دراسات الجمهوريّة الديمقراطيّة، 4 أيار/ مايو 2014.

http://drsc-sy.org/%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%91/