سوريا وإيران في ظروف إعادة التموضع الامريكي


العالم وارتدادات الانهيار الكبير

مع انكفاء الدولة العظمى الوحيدة في العالم عن تأدية دور الشرطيّ العالميّ تزداد الأعباء على الدول، بما فيها تلك التي كانت تشتكي من تدخليّة الولايات المتّحدة، وتلك التي كانت تحارب هذه التدخليّة وتدفع لمواجهتها عسكريّاً في غير مكان من العالم. ظهر ذلك جلياً في منطقتنا من خلال التكاليف العالية التي تدفعها إيران، نتيجة نفوذها في سوريا، لمواجهة المطالبة بالتغيير، والعبء الماليّ الذي تتحمّله دول الخليج لإجبارها على التراجع. وعلى المدى المنظور، وبعد أن اعتُبر الانسحاب الأمريكيّ من العراق أوّل الأمر مكسباً صافياً لإيران، من المرجح أن يؤدّي النفوذ الإيرانيّ، ثقيل الوطأة في العراق، مع مرور الوقت، إلى توسيع حجم التناقضات بين البلدين الجارين، والتي يعبّر السنّة وحدهم عنها بشكل واضح حتّى الآن. مثال آخر للتغيّرات في العلاقات علينا توقّعه في أفغانستان؛ فالتحالفات الطارئة، التي وصلت حدّ التجاء قادة من تنظيم القاعدة إلى الجارة القويّة، سيحلّ محلّها الخلافات والصراع بعد انسحاب العدوّ المشترَك. فهناك أسباب قويّة ستقف خلف اندفاع طرفين، يعلنان صراحة عن تكفير كلّ منهما للآخر، في مواجهات باردة أو حارّة عندما يغيب عدوّهما المشترك.

يصلح الوضع الإيراني، والسوريّ، لتتبّع آثار “الانكفائيّة العسكريّة” الأمريكيّة، التي تترك المجال للتناقض بين محدوديّة الثروة الإيرانية وطموح الملالي الإقليميّ ليُدخل الجمهوريّة الإسلاميّة في مشكلات جمّة تسرّع باستنفاد عناصر قوّتها. فحتّى الاتحاد السوفييتيّ، الذي لا تقارَن الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة به، لم يستطع الاستمرار حينما وصل نموّه الداخليّ إلى حدّه الأقصى، وفشل في إنشاء سوق عالميّة منفصلة عن تلك  الرأسماليّة التي يسيطر عليها أعداؤه، وأصبح نفوذه الدولي عبئاً عليه. ومن التجربة السوفييتية نجد أن الدولة العظمى المنهارة ما إن قمعت أوّل ثورة، في تشيكوسلوفاكيا السابقة (ما سمّي ربيع براغ)، حتّى تهاوت سمعتها عالميّاً، وفي فشلها في أفغانستان تهاوت هيبته داخليّاً في الوقت الذي كانت تستنزف طاقتها المتناقصة بشدة. الأمر الذي يتكرّر مع إيران في سوريا مندغماً؛ فهناك يجري تحطيم صورتها كنصيرة للمظلومين، ويؤدّي فشلها في الانتصار على الثورة السوريّة، وطول زمن ورطتها في مواجهتها، إلى إضعاف هيبتها داخليّاً واستنزافها. وفي نهاية طريق “الطفرة الإيرانيّة” هناك وقائع لا يمكن القفز عنها، حتّى بالنسبة لبهلوانات أضاعوا ثروات شعبهم في مغامرات توسّعيّة لا يستطيعون تأمين احتياجات ما بعد انتصارهم فيها، إن انتصروا. وحين يصل الملالي إلى النهايات سيكون عليهم أن يقبلوا بدور ونفوذ يتناسبان مع إمكانيّاتهم وحجم مشاركتهم بالسوق لا أكثر، إن كان ذلك مازال متاحاً لهم في عرض أمريكيّ لن يكون طويل الأجل.

إلّا أنّ فهم الانكفائيّة الأمريكيّة لا يستقيم إن تمّ النظر إليها على أنّها علامة ضعف وتراجع عن موقع القطب الوحيد؛ فمثل هذا التسرّع في الأحكام يتجاهل مركزيّة الاقتصاد الأمريكيّ في السوق العالميّة، وكونَ الولايات المتّحدة مازالت القوّة العسكريّة الأعظم في العالم. ومن التسرع أيضاً إهمال ما تبيّن من استحالة قدرة أيّ دولة على أن تحكم العالم بمفردها، وما تجرّه محاولة فعل ذلك على من يفعل. وهو ما شهدناه عندما حصلت الجلَبة العالميّة التي لحقت بسقوط الاتحاد السوفييتيّ ومجموعته “الاشتراكيّة”، ووجدت البشريّة نفسها أمام ما يشبه اختفاء قارّة من الجغرافيا، واندفاع طبقات الأرض والمياه لتعبئة مكانها. فإثر ذلك السقوط تحرّك ما تبقّى من قوى عالم الحرب الباردة، على أمل المشاركة في ملء منطقة الفراغ السياسيّ الناشئ التي بدت نهباً متاحاً، وللدفاع عن النفس من اندفاعة الآخرين المشابهة. هذه الحركة، التي كان أقصى تطرّفيها “الليبراليّة الجديدة” و”القاعدة”، عمّت الكوكب قبل أن ترتد اندفاعتها أزماتٍ على الغرب، ما أدّى إلى عودة الليبراليّين إلى الحكم في الولايات المتّحدة مع برنامج إصلاح ما كُسر ومع رؤية مختلفة لإدارة العالم. هكذا كانت الليبراليّة الجديدة فعلاً والأوبامية صدى (ردّة فعل) تسعى من خلال ديناميّات المؤسّسة والاقتصاد الأمريكيّين إلى التحوّل فعلاً جديداً يعيد ترتيب موقع الولايات المتحدة من العالم انطلاقاً من ضرورة الحفاظ على مركزيّتها، ولكن استناداً إلى السوق أولاً وليس للجيوش.

الأوباميّة وتعاملها مع الوضع السوريّ

استطاعت الإدارة الأمريكيّة حتّى الآن إبقاء الصراع في سوريا ضمن حدودها الجغرافيّة، مع استثناءات لبنانيّة محدودة، وفي الإطار الذي تتوقّع في نهايته أن تكون المستفيد الأكبر. العقل الأمريكيّ المبنيّ على الاستفادة من الخبرة المستخلَصة من الأسبقيّات أظهر منذ بدايات الثورة السوريّة أنّه غير معنيّ بالتورّط في مستنقعات جديدة تاركاً لنا التفكير -مرّة أخرى- بمدى أخلاقيّة ما يفعل. وهو يدرك أنّه في كلّ الأحوال كان سيجد من يدينه طالما أنّ هناك قوى سياسيّة عبر العالم جاهزة لإدانة كلّ ما يصدر عن الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأنّ هناك من يؤيّد السلطة الحاكمة في سوريا، من داخل سوريا وخارجها، وسيعتبر أنّ إسقاطها تعدٍّ على “السيادة الوطنيّة” السوريّة. هذا يعني أن هناك من يفكّر بالواقعة السوريّة ببرودة في البيت الأبيض دون اهتمام بالضحايا، ويبرّر موقفه بالدفاع الروسيّ المستميت عن سلطة الاستبداد السوريّة، وبموقف “معارضين” سوريّين كادوا أن يعلنوا الجهاد ضدّه لمجرّد تلويحه باستخدام الشدّة ضدّ من استخدم كلّ الأسلحة التي يمتلكها، بما فيها الكيماويّ، ضدّ الشعب الذي يرزح تحت حكمه، كما بمواقف أحزاب غربيّة يساريّة ويمينيّة تظاهرت في أوربا ضدّ تدخلّه.

وضمن تسويغات النظام الأمريكيّ لسياسته، غير العابئة بمصير السوريين، يسوق صورة باراك أوباما المتردد والحائر. في الوقت الذي يعمل فيه الرئيس على تكريس إستراتيجيّته التأسيسيّة لتصبح بلاده “الحكَم” في العالم لا “الحاكم”، وتكون “القاضي” لا “الشرطيّ”؛ وما يستتبع هذا الدور من تعامل مختلف مع “القوّة العسكريّة”، يعتمد التلويح باستخدامها أكثر من استخدامها فعلاً إلّا حين يكون هناك حاجة مصلحيّة لبلاده واضحة في ذلك. وهو يفعل ذلك لأنّه يعي أنّه دور أقلّ تكلفة وأكثر مردوديّة من سواه، ولأنّ الإيديولوجية السائدة اليوم في وسط حكّام الولايات المتّحدة تضع للحتميّة التاريخيّة أهميّة أكثر ممّا للإرادة. وعند معتنقي هذه الأفكار لا داعي لتكسير الصخور طالما أن انتظار السيل ليعمل عمله، مع بعض التحفيز، كافٍ لتصل إلى ملكيّتهم. ويظهر ما في صورة الرئيس المتردّد من زيف حينما نتابع أخبار غارات الطيّارات دون طيّار على مواقع للقاعدة في أنحاء من العالم، ونسمع عن اختطاف أجهزة المخابرات الأمريكيّة مطلوباً من قِبلها في ليبيا أو اغتيال آخر في الصومال.

تتعامل الأوباميّة مع العالم على أنّه ساحة مفتوحة لها، وفي الوقت نفسه على أنّ نتائج الصراعات يمكن أن تُضعف الجميع إلّا هي إن بقيَت على مسافة مضبوطة من قِبلها. يتناقض كلّ ذلك مع موجة التنظير لثنائيّة القطب التي أتى بها يساريّون عجائز بعد سقوط الاتحاد السوفييتيّ، وكادت البوشيّة بمنهجها التدخليّ وسياستها الاقتصاديّة التي تحلّ السوق من أيّ ضوابط أن تؤدّي لها؛ بما جرّته من أزمة اقتصاديّة، وتمكين خصومها من فوائد مغامراتها التدخليّة. بينما ترى الأوباميّة أنّ بلادها قادرة على البقاء الأقوى في العالم لزمن طويل إن تركت للآخرين قلع شوكهم بأيديهم، وتفرّغت لجني حصاد السوق العالميّة المندفعة إلى حدود غير مسبوقة. وهي تقدّر أنّ السوق العالميّة التي تتّسع باندفاع ستخلق الكثير من المشكلات، وأنّه من الأجدر للولايات المتّحدة، طالما هي بعيدة عنها، أن تبقيها كذلك وتراقب، بدل التورّط، كيف ستكون عبئاً على غيرها وتضعف تنافسيّتهم معها، وتكتفي بالتدخّل إمّا لوضع حدود للصراعات (ضمن حرصها على إدارتها) أو حين، وحيث، لها مصلحة واضحة وهناك خطر مباشر على مصالحها. ومن تأمّل اندفاع روسيا وإيران والسلطة الحاكمة في دمشق لمرضاة أوباما للتراجع عن نيّته ضرب قوّات بشّار الأسد من بعيد يُظهر تباشير نجاح نهجه هذا، وأنّه ربما يحصّل مكافأته على قدرته على ضبط نفسه وحلفائه.

التراجع إثر التهديد

كانت مشكلة إستراتيجيّة السلطة الحاكمة في سوريا وحلفائها الملالي أنّها ارتكزت على اعتقادهم أنّ الولايات المتّحدة محصورة بين احتمالين: فإمّا لا تتدخّل، كما غلب الرأي عندهم فترة طويلة، فيكون المجال متاحاً لهم للقضاء على الثورة السوريّة، أو تتدخّل فتغوص في مستنقع أعدّوه لها بكثير من الثقة ليكون العراق الثاني، وربّما أكثر إيلاماً. بينما سمحت السياسة الأمريكيّة الناتجة من استخلاص نتائج الخبرة القريبة، وبداهة بما يكفي من المعلومات الاستخباريّة، لأوباما أن يتنحّى وحلفاءه جانباً بانتظار إنهاك المتصارعين ووصولهم إلى حيث يحتاجونه للخروج من دوّامة أدخلوا أنفسهم فيها، ليقرّر بدوره مع من يتعامل، ويملي شروطه عليهم. وفقط حينما أخذ أوباما يهدّد بجديّة بأنّه سيضرب من بعيد، مانعاً الأطراف من الاستفادة من وجوده على الأرض لتغيير مواقعها، اقتنع ملالي إيران أنّه جديّ بعدم التورّط ميدانيّاً. ومن بين ما يعنيه ذلك أنّه غير مضغوط مصلحيّاً بضرورة الوصول إلى تسوية، وبالتالي لا يستطيعون ابتزازه، ولن ينفع معه كلّ ما سبق وجرّبوه مع الولايات المتّحدة في العراق وأفغانستان، وأنّهم وحدهم سيبقون يتخبّطون في المستنقع الذي صنعوه. ولهذا عمدوا إلى التراجع بالإيعاز إلى بشّار الأسد بالقبول بما يمكن أن يُقنع الروسُ أوباما به للتراجع عن قرار ضربه، معتمدين على معرفتهم بأنّ أمريكا لا رغبة عندها بعد بسقوطه.

وما إن أُعلن عن الاتفاق الأمريكيّ الروسيّ حتّى انقشع الضباب عن المشهد العامّ مخلّفاً مشهداً ولا أوضح، ولنجد أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي اتّهِمت خلال ثلاثين شهراً بالضعف، تمسك بيدها الحبال تاركة للجميع حريّة الحركة الكافية ليلفّوها حول أعناقهم قبل أن يطلبوا منها الحلّ. وعلى النهج الذي اختطّه أوباما منذ ولايته الأولى فإنّه مازال يترك للقوى الإقليميّة فرصتها لاقتراح الحلول لينتقي منها ما يناسبه وإلّا تركها تتخبّط في صراعها. ولعلّه بذلك يدرّبها على شرط تملّكها لدور ونفوذ، وهو أن تستخدم هذا النفوذ لمصلحة الولايات المتّحدة أولاً ومن ثمّ لمصلحتها.

التغيّرات الإستراتيجيّة في سلوك الاستبداد السوريّ

كان من المعروف عن السلطة الاستبداديّة في سوريا خلال عقود أنّها تخوض صراعاتها على حافّة الهاوية، إلّا أنّها أقدمت ردّاً على الثورة الشعبيّة على الخوض في الهاوية باندفاع مراهنةً على أنّ “الخيار الشمشونيّ” سيدفع أعداءها، ومن يؤيّدهم، إلى الفزع فيرتدّوا على أعقابهم، وتحقّق بالتالي انتصارها في عهد الطاغية الابن بعد أن حقّقت انتصاراً مشابهاً في عهد الطاغية الأب. يتّكئ الذين اتخذوا قرار هذه الاندفاعة على مجموعة استخلاصات لسلوك وخيارات الأسد الأب نشؤوا على أنّها عبقريّة محضة لا تخلو من إلهام ربّانيّ، وعلى قناعة منهم بأنّهم قادرون على توريط حلفائهم الأقربين (إيران وحزب الله مثلاً، اللذين يعتقدان أنّ لخسرانهما سوريا تداعيات مصيريّة، إن على وجود حزب الله أو على سلطة الملالي أنفسهم في إيران) في خياراتهم. وهو ما جعلهم يقطعون مع أيّ احتمال لإيجاد تسوية داخليّة، ويسارعون للقضاء على ممكناتها بسياسة يمكن تسميتها “بالتوريطيّة”. فإن كان الحلفاء جاهزين للسير معهم كخيار وحيد، فالأفضل إبقاؤه كذلك. واحتاج هذا الأمر لأكثر من ضرب الحراك المدنيّ، ودفع الوضع الداخليّ للعسكرة، احتاج إلى إخراج وحش السلفيّة الجهاديّة من القمقم ليثير فزع أعدائه وحلفائه في آن واحد. ومن الواضح أنّهم اعتمدوا في سياستهم هذه على عدوانيّة كلّ من حليفيهم المشدودَين إلى حراجة وضعهما في صراعهما مع الغرب ومع مواطنيهما؛ وعلى عدميّة سياسيّة وجشع غير عقلانيّ للسلطة عند السلفيّة الجهاديّة مع طاقة حيويّة عدوانيّة للنمو.

تناسب هذا التوجّه مع تغيير في إستراتيجيّة السلطة الحاكمة التي كانت قبل الثورة السوريّة، وفي بدايتها، تتباهى بما سمّته “أوراق قوّتها” التي لطالما هدّدت بشكل علنيّ باستخدامها في مواجهة كلّ التحدّيات التي مرّت بها، وهو ما عبّر عنه بشّار الأسد مراراً بتهديده بحرق المنطقة، فأمام عجزه عن تنفيذ وعيده في مواجهة الثورة أقدم على نقل التهديد الخارجيّ إلى نطاق البلد الذي يحكمه بالحديد والنار. فبدل أن يحرّك الورقة الكرديّة في داخل تركيا قام باستخدام النسخة السوريّة من حزب العمال الكردستانيّ في الصراع الداخليّ جاعلاً من قضيّة انفصال الأكراد مشكلة في مواجهة الشعب السوريّ أكثر بكثير ممّا هي مصدر قلق للأتراك. وبالطريقة نفسها تحوّل حزب الله من ورقة ضغط على إسرائيل إلى أداة قتل في الداخل السوريّ. أمّا أدواته الفلسطينيّة، مثل الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين -القيادة العامّة والمنشقّين عن حركة فتح وجبهة النضال الشعبيّ، فقد حوّلهم  لمحاصرة مخيّم اليرموك بدلاً من تنفيذ تهديده بإرسالهم إلى الجولان المحتلّ ردّاً على القصف الإسرائيليّ المتكرّر لمواقعه. كلّ ذلك ضمن حرب عسكريّة عنيفة شنّها على الشعب الثائر دمّر خلالها ما ينوف على ثلث البلد وهجّر ما يقارب ربع السكّان، وأودى بحياة ما يزيد على مئة وخمسين ألف سوريّ أقلّ من ثلثهم بقليل من مؤيّديه ومن الطائفة التي يدّعي حمايتها. وأمام هذا التحوّل الإستراتيجيّ في سلوك الطاغية يصبح من اللازم البحث في الدافع خلفه إن كان العقل السياسيّ الذي يحكمه أو الظروف الداخليّة والأقليميّة والدوليّة التي أجبرته عليه، تحديداً بعد أن نسمع حليفه اللبنانيّ الرئيسيّ يكرّر المرّة تلو الأخرى حرصه على حصر الصراع في سوريا وعدم توسيعه ليطال الأراضي اللبنانيّة.

الجديد في إستراتيجيّة السلطة الأسديّة في زمن الثورة هو العمل على دفع الأوضاع في سوريا إلى حيث يصعب على المبادرة المدنيّة والأهليّة السيطرة عليها، ولتصبح مصدر تهديد للآخرين. يشبه الشقّ الثاني حالة استعصاء لسجين يهدّد الآخرين بإيذاء نفسه على أنّ ذلك سيضرّ بهم وبمصالحهم. ومع تطور الصراع فعلت سلطة الأسد كلّ ما تستطيعه لتطبيق إستراتيجيّتها الجديدة فكانت النتيجة زجّ الثورة في الحرب الأهليّة ومحاولة جرّها بالكامل إلى طور طائفيّ منها.

كانت معضلة هذه الإستراتيجيّة في أنّ الإدارة الأمريكيّة، المتحرِّرة من شروط الحرب الباردة وهواجس بروز قوى تابعة للاتحاد السوفييتيّ، والمكتوية من النزعة التدخليّة للبوشيّة، برهنت أنّها قادرة على تحمّل رؤية مشهد عنف طويل بين التطرّفين السنيّ والشيعيّ في سوريا، أدّت له خيارات المجموعة الحاكمة، وترى فيه إنهاكاً يناسبها لكليهما. وتبيّن أنّها قادرة على أن تمنع امتداد الحرب إلى محيط سوريا، وهذا كان شاغلها الرئيسيّ. فبقي في النتيجة حكّامُ دمشق وحلفاؤهم الشيعة وحدهم في مستنقع الورطة، تستهلكهم الحرب وتنهك قواهم. وطبعاً، لا مكان للاهتمام بالضحايا في هذه الحسابات.

ومع مرور الوقت، واستمرار الإدارة الأمريكيّة على نهجها بعدم التورّط، ومنع امتداد الحريق في الوقت نفسه، ومع تراجع سطوة سلطة دمشق على مناطق متزايدة، جرى تحوّل على بعض مستخدَميها (أوراقها) وعلاقتها معهم حين أصبحوا يشعرون بإمكانيّة مساومتها على مكتسبات تزيد من مساحة إرادتهم المستقلّة. وربّما تبادر إلى ذهن بعضهم أنّ الظروف ستسمح لهم بأن يصبحوا أنداداً لسلطة الأسد لا أوراقاً في يده. الحزب الديمقراطيّ الكرديّ مثال واضح، حيث يظهر جليّاً أنّه أصبح يتعامل مع الملالي في إيران بشكل منفصل، وأنّ تحالفه مع الأسد أصبح يمرّ عبر طهران بناء على وعود حصّلها لنفسه. وإذا كان ضرب سلطة الأسد لبعض مجموعات الشبّيحة –مثل ما حصل في مدينة جرمانا في غوطة دمشق، أو مدينة اللاذقيّة- قد بيّن أنّ استقلال المجموعات والميليشيات الصغيرة مازال يحتاج وقتاً، إلّا أنّها بدأت فعلاً بممارسة شيء منه. وفي المناطق التي خرجت على سلطة حكّام دمشق استقلّت مجموعات كانت تابعة لهم، وبدأت بالعمل لمصلحتها الخاصّة –بعد أن أعلنت أنّها ثائرة عليهم- لتصبح جزءاً من ظاهرة أمراء الحرب.

ومع الوقت يجري تغيير موازٍ لنمو شخصيّة “الأوراق” المستقلّة، حيث يتعلّم أفراد سلطة الاستبداد كيف يصبحون أمراء حرب بدورهم؛ ليس فقط كسلوك، وهو ما مارسوه خلال زمن الثورة، وإنّما أيضا كوعي للدور/المخرَج المتوفّر أمامهم. وفي هذا أيضا يراقبون بانتباه الإشارات القادمة من واشنطن، كما اعتادوا أن يفعلوا بكلّ حرص، وكالعادة يتأقلمون مع ما يتوقّعه الأمريكان منهم وإن تمنّعوا بداية. وإذا كان من المبكّر الجزم إن كانوا قد استسلموا إلى سياق التحوّل إلى جسم سياسيّ لطائفة وظيفيّة كانت حتّى الفترة الأولى من الثورة وظيفتها حماية النظام، إلّا أنّ كلّ المؤشّرات تؤكّد أنّ الطائفة نفسها أصبحت جاهزة للتحوّل التامّ إلى طائفة سياسيّة تمتلك أداتها المسلّحة “ميليشياتها”. وعلى الرغم من أنّ الطائفة العلويّة تجد نفسها مدينة لكلّ من إيران وحزب الله على الدعم الذي قدّماه لها، إلّا أنّه لا يفترض بنا أن نستبعد، في حال استمرّ الانحدار في أتون الحرب الطائفيّة، وأمام حجم الورطة التي أدخلتها فيها وظيفتُها في حماية السلطة، والتعديلات التي جرت عليها في تحوّلها إلى طائفة سياسيّة ومسلّحة -أن تتفاعل مع فرص الحماية التي تحرص الولايات المتّحدة على إتاحتها لها.

التحوّلات على الأرض

في هذا الوقت كانت الحرب التي تطول في سوريا، وكلّ حرب طويلة تفعل ذلك، تستنفد قوّة وموارد أطرافها؛ وككلّ حرب أهليّة، كانت تجري تحوّلات كبيرة على المجتمع الذي ضربت به، وتولّد قوّة جديدة، في الوقت الذي تجري تعديلات على القوى القديمة. وفي مرحلة من التحوّلات، في عصر سمته التداخل الواسع، بدأ زمام الأمور يفلت من كلّ الأطراف المتورّطة، وأخذت القوى الجديدة تعيد تقييم حلفائها وأعدائها بميزان أولويّات تمدّدها وتوسّع سلطتها، وتحاصر وتقمع القوى المدنيّة والديمقراطيّة؛ فبدت الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، ولا ثابت إلّا الشهوة للسلطة. في هذا الوقت كان الجهد الأمريكيّ منصبّاً على رسم حدود الحريق، من خلال إيصال رسائل واضحة بأنّه لن يتدخّل بالمباشر، وسيمنع حلفاءه من أن يفعلوا، إن حافظت الأطراف على المعركة ضمن الجغرافيا السوريّة.

وقد طالت التغيّرات وعي الشعب السوريّ لنفسه بعد أن صار الشرخ عميقاً بين مكوّناته. وإن كان التفكير، بناء على السائد من الكلام، يتّجه لتصوّر أنّه انقسام طائفيّ فقط، فإن الأصح أنّه انقسام مركّب. انقسام بين ريف ومدينة، وأطراف وعاصمة، وغنيّ وفقير، وإسلاميّ وعلمانيّ، وإسلاميّ وإسلاميّ، وعلمانيّ وعلمانيّ… انقسام يتخلّل كلّ نواحي المجتمع السوريّ، وإن كانت شدّة العنف تمنعنا من رؤيته بقدر ما تمنعه من التعبير عن نفسه بصوته وبأشكال متعدّدة منها السياسيّ والثقافيّ وفي تعبيرات السلوك اليوميّ.

وإذا كان كلّ ذلك غير مفهوم بعد بما يكفي، إلّا أنّ الإدارة الأمريكيّة، التي عبّرت للوفد الأوّل الذي زارها بقيادة برهان غليون عن اهتمامها البالغ بالأقليّات، وبقي هذا الاهتمام العنوان الثابت طوال الوقت، تتصرّف بما يوحي بأنّها ترى أنّ الأمور ستفضي في نهاية الأمر إلى تحالفات طائفيّة ستكون بحاجة لطاولة مفاوضات لإجراء تسوية تكرّس وجودها السياسي. وهو ما يبرّر إصرارها الدائم على المفاوضات كلحظة اعتراف الفرقاء ببعضهم معبّرين شرعيّين عمّن يمثّلون، ويبرّر مناورتها بين جذب ورخي لمنع انتصار أيّ منهم على الآخر؛ كما يفسر إبقاءها الأبواب مفتوحة لموالاة السلطة، تحديداً إن عبّروا عن أنفسهم كأقليّات. وفي هذه المعادلة نخطئ إن ظننّا أنّهم سيدعون سلطة الأسد للتفاوض من موقع الدولة، إنّما هم يدعونها كتحالف سياسيّ يتوقّعون أن يظهر مدى تماسك مكوّناته مع الوقت. وفي الصراع الذي تخوضه السلطة الحاكمة على تحديد الذين يمكن لها قبول أن تفاوضهم دليل جليّ على أنّها تدرك أنّ الجلوس إلى طاولة المفاوضات ضمن الشروط المطروحة عليها سيعني إقرارها بشرعيّة تمثيل خصومها، وأنّه نفي لتمثيلها الدولة؛ وفي سلوكها هذا شبهة أنّها تخشى أن تؤدّي المفاوضات إلى إقرارها لأطراف من مكوّنات تحالفها بحريّة الحركة والتعبير المستقلّ عن النفس، إن طالبوا بها، وحصر رجالاتها في دورهم أمراء حرب وقادة طائفة سياسيّة.

خلاصة: واقع حاليّ في سياق تحوّلات مفتوحة

نتبيّن ممّا سبق أنّ الانكفاء كان أوّل ردّات الفعل الوقائيّة من الارتدادات، ولكنّه لم يكن متاحاً للجميع، فالفرق ينتج من نوع الدولة وقدرتها على التغيير الذي يتيح لها التفكير أو تفشل دونه، كما تفشل “الدول الصماء”. والقوّة الاقتصاديّة للدولة عامل حاسم في النجاح مع قدرتها على حماية داخلها ومصالحها. ويظهر جليّاً للنظر أنّ الولايات المتّحدة الدولة الأقدر على مثل هذا الانكفاء، وأنّه الذي أتاح، وسيتيح، لانفجار الصراعات الإقليميّة في المناطق الساخنة بين المتنافسين المحليّين. وإن كان لم يتّضح بعد إن كانت الأسوار، “جدران الفصل” التي تعوّل عليها، قادرة على حصر هذه الانفجارات خارج حدودها.

وأمام “إعادة التموضع” الأمريكيّ تعود القوى الإقليميّة حول العالم لمواجهة مستلزمات تنافسها بنفسها، وهو ما يعني استحالة سياسة “تصفير المشكلات” لأيّ منها؛ السياسة التي كانت قد أتاحتها البوشيّة حينما جعلت الولايات المتّحدة تقوم بحلّ مشكلات حلفائها نيابة عنهم. فهي عملية توفير طاقة ووضع حواجز أمام الارتدادات من الأطراف نحو المركز الإمبرياليّ، وإعادة الارتدادات من المركز إلى الأطراف، وبناء القدرة التنافسيّة للولايات المتّحدة؛ في عودة عن البوشية التي حاولت أن تجعل من الحكومة الأمريكية “دولة العالم”. وهي إعادة تموضع ستولّد أزمات وربما حروباً، إن لم تراجع القوى الإقليميّة بدورها حساباتها وتخفّض من سقف توقّعاتها لنفوذها بما يتناسب مع مردودها ومشاركتها في السوق وقوّتها المجتمعيّة، وإن لم تراعِ مصالح بعضها، وترضخ لحاجة شعوبها إلى المشاركة السياسيّة، وحاجة دولها إلى الإصلاح. وهي الأخطار التي تستدعي أيضاً إجراء تغييرات على إستراتيجيّة التحالفات الإقليميّة التي نشأت لمقاومة النفوذ الأمريكيّ للتأقلم مع الشرط الجديد الناشئ عن إعادة تموضع هذا النفوذ واعتماده لغة السوق.

وبما خصَّ الوضع السوري يجري تحوّلٌ قسريٌّ على المجتمع السوريّ، ولا نقصد بقسريّ أنّه غير منسجم بالضرورة مع ما سبقه، فبعض ما يجري ينسجم مع واقع حافظت السلطة على كوامنه الطائفيّة خلال عقود، وإنّما القسريّة هي منع الاحتمالات الأخرى بما فيها صناعة وطنيّة سوريّة حفل الطور الأوّل للثورة بعناصر توحي بإمكانيّة تحقّقها. وأصبح من الواضح أنّ مصلحة القوى الإقليميّة ساهمت بفاعليّة بدفع الأمور في هذا الاتجاه، وأنّ الإدارة الأمريكيّة تنتظر في نهاية الطريق استعداد القوى الناتجة عن هذا التشكّل للجلوس معاً والاتفاق على حلول تكرّس سطوتها في الوقت الذي تكرّس وجودهم بشكلهم الجديد. وحتّى الآن لا يبدو أنّ قوّة وطنيّة ديمقراطيّة قد تشكّلت، وما كان منها في طور التشكّل يعاني من إشكاليّات (ليس أقلّها أنّها صارت في موقع المقموع من السلطتين الاستبداديّتين القديمة والجديدة) تمنعها حتّى الآن من التأثير على الواقع لطرح احتمالات أخرى. لكنّنا لا نشهد نهاية الحكاية السوريّة، وهذا وحده ما يجعل كلّ ما سبق قابلاً للتغيير.